المدونة

تعال بنا ندندن حول الموسيقى بالكلمات..

شاهدت بأخرة حلقة ممتازة من بودكاست ظلال. نزل فيها الدكتور أحمد بلقيس ضيفاً للحديث عن الموسيقى. وقد أجاد فيها المضيف والضيف، ذاك بإثارة السؤالات العميقة، وذاك في الإجابة عنها. فخرجوا لنا بحلقة نقدية مثرية تطوف بك في تاريخ الموسيقى، وفلسفتها، وطرق توظيفها، وآثارها على النفس والمجتمع.

لم أكن أنوي الكتابة مطولاً عن الموسيقى لدى مشاهدتي تلك الحلقة، لم تكن هي الباعث، إنما بعثني لذلك أمر أحكيه لك، ولكن بعد أن أستميلك أولاً بقول يرضيك.

الإنسان كائن حساس للجمال، وأدوات الحس الظاهر لديه لم تُخلق لتقتصر على أداء الوظائف المُعِينة على البقاء، كما يزعم دعاة التطور. نعم، أدوات الحس تعكس على الدماغ ما تتلقاه من الخارج، ليقوم بتدبير شؤون نجاة البدن.

لكن مكون الخلود في الإنسان (الروح) لا يفتأ يضغط على أدوات حسه لتتحسس مواطن الجمال؛ المنظر الخلاب والوجه الحسن، والملمس الناعم، والعبق العطر، والمذاق الطيب، واللحن المطرب. وهكذا فالإنسان طروب بالفطرة، ولا شك أن الموسيقى من أظهر ما يلمس حاسة الجمال السمعي لدى هذا الكائن الطروب.

ولك أن تعرف أن كاتب هذه السطور طروب للغاية، وذا أذن موسيقية كما يُقال. وقد كنت أيام الطيش الفكري أحدث نفسي بأن الموسيقى من أدلة وجود الخالق؛ إذ هي تشير إلى عالم الروح وتولج إليه، فأنّى للمادة الصماء الطرب والشعور بالانتشاء!. ولم أكن أيامها قد وقفت على مقولة إميل سيوران: “لولا باخ، لكان الله شخصية من الدرجة الثانية”.

والآن، إن كنت قد نجحت في استمالتك بقول برضيك، تعال ندلف إلى القول الذي تأنفه أهواء النفوس.

ولنبدأ ببيان حقيقة الهالة العلمية التي تُلصق بالموسيقى. وأشهر مثال على ذلك دعوى أن الموسيقى تعزز الذكاء. وتلك خرافة أصلها مقالة نُشرت عام ١٩٩٣م في مجلة نيتشر (Nature) وهي مجلة علمية مرموقة! كيف ذلك؟!

كانت تلك دراسة بعنوان: “الموسيقى وأداء المهام المكانية” خلصت إلى أن الطلاب الذين تعرضوا إلى مقطوعة موسيقية لـ موتزارت أظهروا أداءً أفضل لمهمة تعتمد على ما يُعرف بالذكاء المكاني، مقارنة بأولئك الذين لم يستمعوا إلى المقطوعة قبل أداء المهمة.  [1]

وهنالك اشتعلت شرارة الخرافة، فصارت تلك الدراسة هي المعتمد في تعميم أثر الموسيقى الإيجابي على جميع أنواع الذكاء، وعُممت نتائجها على كل البشر باختلاف أعمارهم وخلفياتهم. حتى وصلوا إلو القول بإن إسماع الموسيقى للأجنة في بطون أمهاتهم يجعلهم أكثر ذكاء من غيرهم!

على الرغم من أن تلك الدراسة اليتيمة لم تصلح أن تكون دليلاً على تحسين الذكاء المكاني أصلاً؛ إذ هي اختبرت مهمة بسيطة ترتبط بالذكاء المكاني، فكيف بباقي أنواع الذكاء؟ ثم إن تلك الدراسة اختبرت أثر مقطوعة واحدة من مقطوعات موتزارت الموسيقية، فلا يجوز أن يُعمم الأثر على جميع مقطوعات موتزارت، فضلاً عن تعميمها على جميع أنواع الموسيقى! بل وإن ذلك الأثر لم يكن بالأثر الذي يُذكر، ولا هو بالأثر المستدام، ولا يصلح للتعميم على جميع الخلق باختلاف أعمالهم وخلفياتهم كما أثبتت داراسات أخرى لاحقة لدراسة نيتشر. [2]

وهكذا تجد في عصرنا هذا نزعة انحياز لتفخيم كل ما اتصل بوتر الموسيقى، وإحاطتها بهالة من القدسية العلمية قلّ أن تجد لها نظيراً ومثال! ومن ذلك ادعاء أنها تُداوي الأنفس من أدوائها، وصكّ مصطلح العلاج بالموسيقى  (Music Therapy).

والحقيقة أن في ذلك مبالغة شديدة، فالموسيقى ليست علاجاً نفسياً قائماً بذاته، وليس جميع أنواع الموسيقى يصلح في هذا السياق، وإنما قد يُستخدم بعض أنواعها بإيقاعات معينة ضمن برنامج علاجي، لكونها خياراً ووسيلة قابلة للاستعمال، لا لكونها حتمية علاجية.[3] ولو قُدّر أننا نعيش في زمن لم تبتكر فيه آلة موسيقية، ما نقص ذلك من جدوى العلاج النفسي شيئا.

ثم إن للموسقى  آفات.

ومن آفاتها – التي ذُكرت عرضاً في حلقة البودكاست – أنها مطيّة تُسرّب للنفوس أصنافاً من الرذيلة. فكثيراً ما تكون الموسيقى دابة تحمل من القول أردأه وأفحشه وأكفره! وأنت إن جرّدت معظم الأغاني عن معازفها وأعملت عقلك في كلماتها، عرفت حقيقة قولي. وإن الواحد منّا كثيراً يجد نفسه يدندن كلاماً رديئاً ما كان ليصدر عنه لولا أنه تسرب إليه على حين سكرة بالموسيقى!

ومن آفات طغيانها في الواقع المعاصر، أنها صدّرت “فنّانين” لم يُجبلوا على أدنى درجات حُسن الصوت، وكان الأحرى ألّا يكون لهم بالفن علاقة أصلاً! فاتخذوا الموسيقى غطاءً يخفي عوارهم.

فأفسدوا ذائقة الجمال المسموع عند جماهير السامعين، إلى أن صار السامع يستحسن القبيح! وقد يصل به طول استهلاك القبح إلى عدم استساغة الجمال الأصيل!

وأني منذ ألزمت نفسي اعتزال الموسيقى  – على ما وجدت في ذلك من مشقة – ويقيني لم يزل يزداد بأن المعازف تفسد فطرة الطرب الأصيلة في الإنسان.

ومن يعش مدة من الزمان بعيداً عن الموسيقى، يدرك أنها تورث في النفس أثراً أقرب ما يكون إلى أثر المواد الإدمانية؛ إذ المادة الإدمانية ترفع سقف اللذة في النفس أضعافَ أضعافِ اللذة الطبيعية، فلا يعود المنتشي بتلك المواد يجد اللذة فيما دونها!

وكذلك الموسيقى ترفع معيار الطرب إلى مستويات لا يعود من بلغها يطرب لما دونها، كصوت الشادي الشجي المجرد عن نغم المعازف، بل وربما انتهى به الحال إلى أن لا يطرب بما اعتاده من نغم الأوتار، فتجده يهرع متلهفاً إلى كل جديد في ساحة الغناء، لا يجد فيها ما يسد رمق طربه!

ولذلك أقول: إن حاسة الطرب عند معتزل المعازف أرهف منها عند الغائر في المعازف، بمعنى أن لذة المعتزل وطربه بالموسيقى أزيد منها عند الذي اعتاد عليها.. لكنه أحجم عنها رغبةً في صون رهافة حاسته الطربية، وحفظها من الفساد.

تعال بنا ندندن حول الموسيقى بالكلمات. 3 تعال بنا ندندن حول الموسيقى بالكلمات..

وأما باعثي الأكبر على هذه الدندنة – بعد كل ما تقدم – هو الهجمة الشرسة على ضيف حلقة رواسخ التي صدّرت هذا المقال بالإشارة إليها! انهال عليه “عُبّاد الموسيقى” من وراء شاشاتهم بأقذع الشتائم واللعائن والسباب، وبلغوا منه مبلغاً يفوق قدرتي على الوصف، لدرجة أن بعضهم تفوه بعبارات مخرجة من الملّة!

كل ذلك لمجرد قراءتهم على غلاف الحلقة: “الموسيقى بديل الملحدين عن الدين”. وعلى أن الضيف لم يجعل النقاش الفقهي في حكم المعازف محور حديثه. وإني لأقسم غير حانث أن جُلّ أولئك السفهاء بادروا إلى الإساءة قبل أن يستمعوا لحرف واحد من كلام الرجل.

هذا وهم عشاق الفن؛ الذين يزعمون أن الموسيقى لغة إنسانية مشتركة، تجمع ولا تفرق، وتجعل الإنسان أكثر انفتاحاً وقبولاً، وأنها غذاء الروح وتهذب النفس كما لا يهذبها ما سواها! ولكني رأيت هنالك نفوساً تفتقر إلى أدنى مستويات الأدب، وتزمتاً رجعياً يقمع أي محاولة للتفكير، ومليشيا تُقصي وتغتال كل مخالف.

نعم، كهنوت الفن والموسيقى يتّسم بالتسامح الشديد وقبول الآراء المختلفة، إلى درجة اعتبار الإساءة إلى الله والنبي والدين من قبيل استنارة الفكر وحرية التعبير، لكن حرية التعبير والنقد والتفكير عند ذلك الكهنوت يستحيل هرطقة لدى اهتزاز الوتر عند أدنى درجات السلم الموسيقي (دو)!

أتفهّم ذلك، فمن ذا الذي يطيق أن تُسفه أحلامه وتُمسّ مقدساته؟!


[1] Rauscher, F., Shaw, G. & Ky, C. Music and spatial task performance. Nature 365, 611 (1993). https://doi.org/10.1038/365611a0
[2] 2010: 50 Great Myths of Popular Psychology: Shattering Widespread Misconceptions about Human Behavior
كتاب: أشهر 50 خرافة في علم النفس. راجع الخرافة رقم 6.
[3] de Witte, M., Pinho, A. da S., Stams, G. J., Moonen, X., Bos, A. E. R., & van Hooren, S. (2022). Music therapy for stress reduction: a systematic review and meta-analysis. Health Psychology Review16(1), 134–159. https://doi.org/10.1080/17437199.2020.1846580

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى