
لا أدري كيف تَسَلَّلت إلى عقول النَّاس هذه الفكرة: أنَّ الدِّراسة الجامعية فرضٌ لازمٌ على كلِّ فتى وفتاة، وأنَّ من لم يلتحق بها فقد خسِرَ نصيبه من الحياة، واستحقَّ نظرات الرِّثاء من المجتمع، ولو نجَحَ في عمله وحقَّقَ استقلاله!
في زمنٍ مضى -يوم كان النَّاس أكثر توازنًا وأصدق فطرة – كانَ المجتمع يرى في الجامعةِ دربًا لمن استطاعَ إليها سبيلًا: الأكبر من بينَ الإخوة، أو مَن ظهرت عليه علائم النّجابة، وأمَّا بقية الأولاد فكانوا يَسْتَفْرِغُونَ جهدهم في الحِرَفِ والأعمال الحرَّة، ويبنونَ بها مجدًا لا يقلُّ عن مجدِ الطَّبيب أو المهندس، بل ربما جاوزه رزقًا واستقرارًا.
وكانت العائلة تَفْخَر بمهندسها، وطبيبها، ومُعلِّمها، كما تَفْخَر بتاجرها، وصانعها، وحِرَفيِّها الماهر، فالحياة كانت تتسع للجميع، وكانَ العملُ بابَ الكرامة، لا عنوان الشَّقاء!
لكن شيئًا ما تغيَّر..
تحولت الجامعة إلى طقسٍ اجتماعيٍّ صارِم، يؤديه النَّاس أداءَ الواجب الثَّقيل، لا رغبةً صادقة ولا ميولًا متجذِّرة، وباتت مجرد محطَّة مؤجَّلة لبداية الحياة، حيث يقضي الشَّاب أو الفتاة أربع سنواتٍ أخرى في مقاعد الدِّراسة، فوق عقدٍ كاملٍ أُهدِرَ في تعليمٍ إلزاميٍّ طويلٍ لم يؤهله حتى لكتابة خطاب رسمي بلا عثرة!
وما ذلك إلا نتيجة لفقدان التَّعليم غايته الأولى، وسقوطه في فخ التشييء، فحين يُختزل التعليم إلى معبر للوظيفة، وتُمحى منه أسئلته الكبرى: “لِمَ نتعلم؟ وما الوجهة؟”، يصبح ضربًا من العادةِ التي تُمارس، وخوفًا من نظرةِ النَّاس.
وإنَّ النَّاظر في فلسفات المعرفة الكبرى، قديمًا وحديثًا، يدركُ أنها ما عرَّفت التَّعليم إلا بكونه ارتقاءً في الوعي، لا تزويقًا للهُويَّة، وبغير هذا المعنى، تذبل الأرواح في زحامِ المقاعد.
ثمَّ ماذا بعد التَّخرج؟
خرجت جموعٌ من الشَّباب تحمل شهاداتٍ لا تشفع لها أمام مصاعب الحياة، ولا تفتح لها أبواب الرِّزق، فتجدهم يصطدمون بجدرانِ البطالة، أو يَسْتَكِينُون في أعمالٍ لا تمتُّ إلى تخصصاتهم بصلة، ويتنامى في قلوبهم شعور بالخذلان والمظلومية: “أنا صاحب شهادة”!
ولكن سوق الحياة لا يعترف بشهادات بلا مهارة، ولا علاقاتٍ مثمرة، ولا يُكرِّمُ الأوراق التي لا تنبضُ بكفاءةٍ حقيقية، وهنا يتهاوى المنطقُ الخفيُّ الذي بُنيت عليه إلزامية الجامعة، فلو كانت ضرورة مطلقة، لما انتهى المطاف بالأغلبية إلى أعمال لا تمتُّ إلى تخصصاتهم بصلة!
إنَّ النتيجة أبلغُ من آلاف الشِّعارات: فقد دخل الطَّالب الجامعة على أمل أن تكون بوابةً للحياة، فإذا بها بابٌ خلفيٌّ للتيه والتأجيل، والحديث هنا ليس على عمومه، حتى لا ننجرَّ وراءَ تعميمات لا قيمة لها.

ولو سُئل العقلُ المجرَّد، لقال: الأصل في العمر أن يُستثمر حيث يُثمر، لا حيث يُقال فقط إن فيه وجاهةً اجتماعية لا تُنقذ من تيه، ولا تفتحُ بابًا لحياة، ولأنَّ الحياة لا تُهادِن، ولا تتجمَّل للمخذولين، تتسلل مرارة الواقع إلى نفوس كثير من هؤلاء، فيبدأ بعضهم رحلة طويلة مع القلق والاكتئاب، وقد يبلغ الأمر ببعضهم أن يفرَّ من الحياةِ ذاتها، فلا يجد ملاذًا من قسوةِ الجامعة وضغوط المجتمع إلا في نهاياتٍ مأساوية؛ وهكذا يتحول الحلم الجامعي في بعضِ الأحيان إلى كابوس مقيم!
وليست المشكلة – في حقيقتها – أن يدخل الإنسان الجامعة، ما بهذا نقول، ولكن أن يدخلها بلا هُدًى ولا رغبة ولا خطَّة، بل ويدخلها بتخصصٍ لا يعرفُ عنه شيئًا، ولا يميل إليه، إمَّا بغرض إرضاء الأسرة، أو السَّير مع القوم حيث ساروا، والمشكلة الأكبر أن يُخيَّلَ إلى المجتمع أنَّ الجامعة هي المعيار الوحيد للنَّجاحِ والكرامة وتلقي المعارف.
الجامعة ليست العلم كله.
ولا تَرْكُ الجامعة يعني البقاء في الجهل، كما يُوهم به بعضهم.
إنَّ الشَّاب الذي يبدأ مبكرًا في اكتساب مهارةٍ نادرة، أو الانخراط في مشروعٍ صغير، ويزاوج بين العملِ والاطلاع والتحصيل الذَّاتي، قد يحصد من العلمِ النَّافع والخبرة الحياتية أضعاف ما يجنيه من تيه سنين طويلة بينَ جدران القاعات الدِّراسية ثمَّ يخرج خاوي الوفاض!
إنما يُطلب التَّعليم الجامعي ممَّن وَجَد في نفسه نَهمًا صادقًا للعلمِ الأكاديمي، والتخصص المهني، وخَطَّ لنفسه طريقًا واضحَ المعالم، يعلم ما يريد وإلى أين يسير، أمَّا من رأى ميوله أو طاقته في ميدان الحرفة، أو التِّجارة، أو أي بابٍ من أبواب الرِّزق الشَّريف، فما من ملامةٍ عليه، بل قد يكون هو الأقوم طريقًا والأوفر بركة.
غير أنَّ مجتمعاتنا، قد أُغريَت بالشَّكل، وافتُتِنَت بالمظاهر، فقد جعلت من الشَّهادة الجامعية وثنًا مدنيًّا تُقاسُ به قيمة الفرد، لا حقيقة عطائه، وبات النَّاس يتعاملون مع الجامعة كما يتعاملون مع الزيِّ الرَّسمي أو الختم الحكومي، حتى صار من اختار غير هذا الدَّرب كأنَّه خارجٌ من المِلَّة الاجتماعية، لا من بابها!
وإن ضاقت الخيارات، وأُرغم الشَّاب أو الفتاة على الالتحاق بالجامعة بحكم ضغط اجتماعي لا يُقاوم، فليحرص – على الأقل – أن يصاحب دراسته بإتقان مهارة حقيقية: صنعةٌ يَقتات منها، علمٌ تطبيقي يرفع مكانته، أو مشروع صغير يشقُّ به طريقه، ويسعى لبناء شبكة علاقات متينة تعينه في بنياتِ الطَّريق!
فالاستقرار المالي لا تمنحه الشَّهادات المعلقة، وإنما المهارة المتقنة، فقيمة المرء ما يحسن ويتقن، والكرامة لا يصونها لقبٌ أكاديميٌّ أجوف، بل سعيٌ دؤوب، وعملٌ منتج، وقلبٌ نابض بالثِّقة والإرادة.

وإذا نظرنا إلى تاريخ التَّعليم الحقيقي في تراثنا العلمي، وجدنا نَمَطًا مغايرًا تمامًا لما نراه اليوم.
كان طالب العلم يُفْرغُ نفسه للعلمِ وحده، في صومعةٍ أو غرفة صغيرة، يختار أستاذًا واحدًا أو مجموعة محدودة من العلماء، وتقوم بينه وبين شيخه مودةٌ وتعاهد، فيلبث بين يديه سنتين أو أربعًا، لا يخرجُ إلا وقد قرأ عشرات الكتب المؤسِّسَة، وهضم أصول العلمِ وأتقن فنونه، فخرج عالمًا بحق، بصيرًا بطريقه، حاضر الثَّمرة، واضح الأثر.
لقد كان التَّعليم فرديًّا نوعيًّا، لا جماهيريًّا عدديًّا، وكان عدد طلاب العلم محدودًا، لكن المخرجات كانت نفيسة، كأنها دررٌ تُنتخب من عمق البحر، أمَّا اليوم، فقد طغى الكم على الكيف، وكثرت الألقاب وقلَّت القيمة، وعمَّت السُّيولة، وندر العمق، وغابت الثِّمار، وازدحمت السَّاحات بخريجينَ لا موطئَ لقدمٍ لهم، فتراكمت الشهادات كما تتراكم البضائع الراكدة، لا يُلتفت إليها إلا ازورارًا، يعلوها الغبار، وتطويها يد النِّسيان!
وكلَّ يومٍ يزداد يقيني أنَّ هذا النظام التعليمي، بصورته القائمة، يستهلك زهرة أعمار الشباب، ثم يدفع بكثيرٍ منهم إلى الحياة وهم لا يملكون إلا أوراقًا معلَّقة، وشعورًا خفيًّا بالخذلان. والعجيب أنَّ الناس يدركون ما في هذا المسلك من العوار، ثم يمضون إليه مكرهين؛ لأنَّ الجامعة تحوّلت في الوعي الجمعي إلى معبرٍ اجتماعيٍّ لا يكاد المرء ينجو من ضغطه، ولو كان يعلم أنَّ جانبًا كبيرًا منه استهلاكٌ للعمر، وتأجيلٌ للحياة، وعبورٌ يفرضه العرف أكثر مما تفرضه الحاجة الحقيقية للعلم.
غير أنَّ نقدَ الجامعة لا يعني الدَّعوة إلى هدمها، ولا إلغاءَ الحاجة إلى التخصصات التي تقوم عليها مصالحُ الناس، فالطِّب والهندسة وسائر العلوم المهنية والإنسانية لا تستغني عنها الأممُ الرشيدة. وإنما المقصود إعادةُ الجامعة إلى حجمها الطبيعي، بعد أن تحولت في الوعي الاجتماعي إلى قدرٍ محتوم، ومقياسٍ للنَّجاح والكرامة.
وحريٌّ بالمجتمعات أن تعيد الاعتبار إلى مساراتٍ أخرى لا تقلُّ شرفًا ونفعًا: كالتعليم المهني، والحِرَف المتقنة، وبرامج المهارات التطبيقية، والتدريب المبكر، والتعلم الذَّاتي، والمشروعات الصَّغيرة، وأن يُربَّى الشاب منذ سنواته الأولى على اكتشاف ميوله الحقيقية، لا على الانسياق الأعمى إلى الطريق الذي يسلكه الجميع.
ولو أُحسن توجيه الطاقات، وربط التعليم بسوق الحياة، وفتح المجال أمام المواهب العملية، لتخفف الناس من هذا التكدس الجامعي الهائل، ولخرج إلى المجتمع شبابٌ أكثر قدرةً على الإنتاج، وأقرب إلى الاستقرار النفسي والمالي، بدل هذا التيه الطويل بين قاعات الدراسة وأروقة الانتظار.
وأخيرًا…
فإنَّ طرائق تلقي العلوم الحديثة، وآليات التَّعليم الجامعي برمتها، تحتاج إلى مراجعة جذرية، وإعادة نظر شاملة، لقد آن الأوان أن ننقذَ ما تبقى من أعمار شبابنا المهدرة في طرقٍ مسدودة، وأن نرشِّدَ الطَّاقات قبل أن تتبدَّدَ هباءً.
وحريٌّ بالعقلاء أن يعيدوا النظر في هذه العملية التعليمية من أصلها؛ فإنَّ المسير إلى القاع ظاهر الأثر، بيِّن المآل، والبقاء على هذا النمط، مع الاكتفاء بالنقد العابر، لا يزيد الأزمة إلا رسوخًا.
