المدونة

يا راحلين إلى منى .. ترنيمة البرعي الخالدة

في مثل هذه الأيام، حين تتحرك قوافل الحجيج، وتضج الطرقات بالتلبية، وتتشوق الأرواح إلى البيت العتيق، تعود إلى الذاكرة واحدةٌ من أكثر القصائد حضورًا في الفضاء العام والوجدان الإسلامي والشعور الروحي؛ قصيدة عبد الرحيم البرعي الخالدة:

“يا راحلين إلى منى بقيادي
هيجتمو يوم الرحيل فؤادي”

يبلغ عمرها الزمني اليوم قرابة: أكثر من 620 سنة هجرية تقريبًا، ونحو 625 سنة ميلادية تقريبًا، ومع ذلك ما تزال القصيدة حيّة بصورة مدهشة: تُنشَد في مواسم الحج، وتُتداول في المجالس ووسائل الإعلام، وتحضر في الوجدان الإسلامي كما لو أنها كُتبت بالأمس.

وهذا الامتداد الزمني الطويل يمنح القصيدة قيمة استثنائية؛ إذ نادرًا ما تبقى قصيدة وجدانية حاضرة بهذا الزخم والانتشار والتأثير عبر أكثر من ستة قرون متواصلة، دون أن تفقد قدرتها على التأثير أو إثارة الشوق والحنين.

وقصيدة الشاعر البرعي في الحنين لمنى والمشاعر المقدسة هذه من روائع الشعر وفرائده فلقد سارت بها الركبان وأصبحت هجين الرحالة للحج عبر كل زمان. وما من قصيدةٍ في الشوق إلى الحج والمشاعر المقدسة إلا ولها نصيب من التأثير، غير أن “ترنيمة البرعي” تبدو شيئًا آخر؛ إذ ليست مجرد قصيدة في وصف الحج، بل سيرة شوق كاملة، ووثيقة حنين، ومشهدًا روحيًا بالغ الصفاء والوجع، وصوت قلبٍ بقي خلف القافلة بينما رحلت الأرواح إلى مكة.

إنها ليست قصيدة عن المناسك بقدر ما هي قصيدة عن الإنسان حين يعجز الجسد عن الرحيل، بينما يظل القلب مهاجرًا إلى الله.

في هذه الأيام تحديدًا، ومع اقتراب مواسم الحج وتحرك قوافل الحجيج نحو الديار المقدسة، يشدو الحداة، ويتغنى المنشدون والفنانون، ويترنم الأدباء، وتتعلق قلوب العباد بهذه الأبيات التي خرجت من قلبٍ مثقل بالشوق، وروحٍ رأت في الحج أكثر من رحلة عابرة؛ رأته مقام قربٍ من الله، ونافذة نورٍ تُفتح للقلوب، وميلادًا جديدًا للروح في رحاب الطهر والسكينة والحنين.

عبد الرحيم البرعي (ت 803هـ / 1400م)

شاعر الوجدان الروحي وترنيمة الحنين إلى الحج

يُعد عبد الرحيم البرعي واحدًا من أبرز شعراء الوجدان الروحي والمدائح النبوية في اليمن والتراث الإسلامي عامة، وقد جمع بين العلم والأدب والتصوف، فكان شاعرًا، وفقيهًا، ومدرسًا، وصاحب تجربة روحية عميقة انعكست بوضوح في شعره ولغته ومشاعره.

ينتسب البرعي إلى “بُرَع”، ذلك الجبل اليماني الشهير بتهامة شرقي الحديدة، وهو جبل عريق بالحضور التاريخي والقبلي والثقافي، نُسب إليه عدد من العلماء والأدباء والأعيان عبر التاريخ. وقد عاش البرعي في منطقة “النيّابتين” باليمن، في عهد الدولة الرسولية، وتلقى علوم النحو والفقه واللغة على جماعة من علماء عصره، حتى تأهل للتدريس والفتوى، وأقبلت إليه الطلبة من أماكن شتى، فاشتهر بالعلم والوقار والتفقه في الدين إلى جانب شهرته بالشعر والأدب.

وقد وصفه صاحب ملحق البدر الطالع بمحاسن ما بعد القرن السابع بقوله: “هو الشيخ العالم الشاعر البليغ الشهير عبد الرحمن بن علي البرعي المهاجري اليمني، سكن وطنه النيّابتين، وأخذ النحو والفقه على جماعة من علماء عصره، حتى تأهل للتدريس وأتته الطلبة من أماكن شتى، فدرس وأفتى واشتهر بالعلم والشعر، وهو من العلماء الأحبار المجتهدين، والشعراء المجيدين، وله ممادح كثيرة في النبي صلى الله عليه وسلم، وديوان شعره مشهور”. ثم أورد من شعره:

“بالأبرق الفرد أطلال دريسات
لآل هند عفتهنَّ الغمامات”

وأشار إلى أن وفاته كانت سنة ثلاث وثمانمائة للهجرة.

كما جاء في طبقات صلحاء اليمن: “ومن أهل برع الفقيه العالم الفاضل؛ عفيف الدين عبد الرحيم بن علي المهاجري نفع الله به بلده النيّابتين، كان يسكنها إلى أن توفي رحمه الله، قرأ الفقه والنحو على جماعة من أئمة وقته، فلما تأهل للتدريس والفتوى أتته الطلبة من أماكن شتى، فدرّس وأفتى واشتهر بالعلم والعمل”.

وعلى الرغم من شهرة البرعي بالفقه والعلم وقرض الشعر، كغيره من شعراء عصره أمثال إسماعيل بن أبي بكر ابن المقري والقاسم بن علي ابن هتيمل، فإنه لم يُعرف له إنتاج علمي مصنف في الفقه أو النحو أو الأدب، والراجح أنه لم يترك مؤلفات علمية مدونة على غرار ابن المقري الذي عُرف بكثرة تصانيفه الفقهية (1).

غير أن البرعي خلّد اسمه بالشعر؛ فقد امتازت قصائده بحرارة العاطفة، وصدق الوجدان، وعذوبة البيان، والروح الإيمانية الشفافة، حتى تحولت بعض قصائده ــ وفي مقدمتها قصيدته الشهيرة: “يا راحلين إلى منى بقيادي” إلى ترانيم روحية خالدة، تتردد في مواسم الحج، وتحضر بقوة في الوجدان الإسلامي والذاكرة الإنشادية عبر الأجيال.

وقد ظل شعر البرعي حاضرًا في كتب الأدب، وفي المجالس والمنتديات والوسائط السمعية والإنشادية، وما تزال قصائده متداولة حتى اليوم، بوصفه واحدًا من أبرز الأصوات الشعرية الروحية في التراث اليمني والإسلامي.

يا راحلين إلى منى. ترنيمة البرعي الخالدة يا راحلين إلى منى .. ترنيمة البرعي الخالدة

يا راحلين إلى منى.. القصة وميلاد القصيدة

هناك… في منى، حيث تمتزج دموع الرجاء بأصوات التكبير، وفي عرفات، حيث تتجرد الأرواح من أثقالها، وعند زمزم، حيث ترتوي القلوب قبل الأجساد… كان قلب البرعي يحلّق، بينما كان الجسد يثقل بالمرض والعجز واقتراب الرحيل الأخير.

ومن خبر هذه القصيدة أن الشاعر خرج قاصدًا الحج، ضمن ركبٍ متجه إلى الديار المقدسة، وكانت عادة بعض قوافل الحجاج آنذاك أن تبدأ بـ المدينة المنورة ثم تتجه إلى مكة، بينما تسلك قوافل أخرى الطريق بالعكس.

وفي الطريق، حين بلغ البرعي قرية “الخيف” بنواحي المدينة، أدركه المرض وأعياه التعب، فشعر ــ كما يبدو من حرارة أبياته ــ أن المسافة بينه وبين الحلم المقدس بدأت تتسع، وأن الروح قد تسبق الجسد إلى الله.

هناك… على مشارف المدينة… وُلدت القصيدة.

لم تكن أبياتًا مصنوعة ببرودة الشعر، بل كانت أنين روحٍ ترى القوافل تمضي بينما تبقى هي عاجزة عن اللحاق. ولهذا جاء النداء في مطلعها حارقًا:

“يا راحلين إلى منى بقيادي
هيجتمو يوم الرحيل فؤادي”

إنه لا يودّع رفقة سفر فحسب، بل يودّع قلبه الذي رحل مع الركب.

ثم تتكثف الوحشة في قوله:

“سرتم وسار دليلكم يا وحشتي
الشوق أقلقني وصوت الحادي”

فالناس ساروا، والدليل سار، والقافلة امتلأت بالحركة، بينما بقي هو وحيدًا مع الشوق والمرض والانتظار.

ويذكر المؤرخون والرواة أن البرعي أدركه الموت في “الخيف”، ودُفن هناك (2) (3)، حتى إن الموضع عُرف عند بعض الرحالة والمؤرخين باسم “خيف البرعي”، وإن كان اسمه المعروف قديمًا وحديثًا “خيف الحزامي”، من ديار بني عمرو جنوب المسيجيد قبل المدينة بنحو تسعين كيلًا.

غير أن بعض المصادر التاريخية تذكر رواية أخرى، منها ما أورده طبقات صلحاء اليمن، حيث أشار البريهي إلى أن البرعي توفي في بلاده باليمن (4)، وأثنى عليه بوصفه عالمًا فاضلًا وأديبًا وشاعرًا مبرزًا، له مدائح كثيرة في النبي ﷺ.

لكن المتأمل في القصيدة يشعر أن صاحبها لم يكن يكتب عن الحج من بعيد، بل من داخل التجربة نفسها؛ من قلب الطريق، ومن جوار القافلة، ومن لحظة الانكسار أمام العجز عن الوصول. ولهذا تبدو أبياته مشبعة بإحساس القرب من المشاعر المقدسة، والتلبس بالحج، والتعلق بالوصول رغم استحالة القدرة:

“يا رب أنت وصلتهم وقطعتني
فبحقهم يا رب حل قيادي”

إنها ليست مجرد استعطاف، بل صرخة روح تشعر أن القيود ليست قيود الجسد فقط، بل قيود الحرمان والمرض والمسافة.

وفي بعض الروايات يرد البيت المؤثر:

“الناس قد حجوا وقد بلغوا المنى
وأنا حججت فما بلغت مرادي”

وكأن الشاعر يريد أن يقول إن للحج معنيين: حج الأقدام، وحج القلوب. فقد يبلغ الإنسان مكة بجسده ولا يبلغ المعنى، وقد يُحرم الطريق بينما يكون قلبه غارقًا في الحضرة الإيمانية.

ومن أشد مواضع القصيدة تأثيرًا قوله:

“ضحوا ضحاياهم وسال دماؤها
وأنا المتيم قد نحرت فؤادي”

هنا يتحول الشوق نفسه إلى نسك، ويتحوَّل القلب إلى أضحية. فالحجيج يذبحون هديهم، أما هو فيذبح قلبه شوقًا وحسرة وحنينًا. ثم يرتفع صوت القصيدة من الحنين إلى المناجاة، ومن الفقد إلى المحبة الكبرى، فيخاطب زوار قبر محمد بن عبد الله:

“بالله يا زوار قبر محمد
من كان منكم رائح أو غادِ”

ثم يرسل سلامه الأخير:

“قولوا له عبد الرحيم متيم
ومفارق الأحباب والأولادِ”

يا لها من خاتمة تختصر الإنسان كله. فهو هنا: عاشق، ومغترب، ومفارق، وروح تستعد للرحيل الأخير. ولعل هذا ما منح القصيدة خلودها الحقيقي؛ إذ لم تكن نصًا أدبيًا فحسب، بل كانت تجربة شعورية كاملة، خرجت من قلبٍ احترق شوقًا، فبقيت حية في قلوب الناس جيلاً بعد جيل.

يا راحلين إلى منى. ترنيمة البرعي الخالدة 2 يا راحلين إلى منى .. ترنيمة البرعي الخالدة

يا راحلين إلى منى..

ومن قلب الطريق، وبين وعثاء السفر ولوعة الشوق وثقل المرض وأمل الوصول، وُلدت هذه القصيدة التي تحولت مع الزمن إلى واحدة من أشهر ترانيم الحج والحنين في الوجدان الإسلامي؛ قصيدة خرجت من روحٍ كانت تعيش بين الرجاء والانكسار، وبين التطلع إلى البيت الحرام والخوف من العجز عن بلوغه، فلامست القلوب وبقي صداها يتردد عبر الأجيال.

يا راحلينَ إلى منىً بقيادي
هيجتُمو يومَ الرحيل فؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتي
العيس أطربني وصوت الحادي
حرمتمُ جفني المنام لبعدكم
يا ساكنين المنحنى والوادي
فإذا وصلتُم سالمينَ فبلّغوا
منّي السلام أهيلَ ذاك الوادي
وتذكّروا عند الطواف متيماً
صبّاً فني بالشوق والإبعادِ
لي من ربا أطلال مكّة مرغبٌ
فعسى الإلهُ يجودُ لي بمرادي
ويلوحُ لي ما بين زمزم والصفا
عند المقام سمعت صوت منادي
ويقول لي يا نائماً جدَّ السُرى
عرفاتُ تجلو كلّ قلبٍ صادي
تاللَه ما أحلى المبيت على منى
في يوم عيد أشرفِ الأعيادِ
الناسُ قد حجّوا وقد بلغوا المنى
وأنا حججتُ فما بلغتُ مرادي
حجوا وقد غفر الإلهُ ذنوبَهُم
باتوا بِمُزدَلَفَه بغيرِ تمادِ
ذبحوا ضحاياهُم وسال دماؤُها
وأنا المتَيَّمُ قد نحرتُ فؤادي
حلقوا رؤوسَهمو وقصّوا ظُفرَهُم
قَبِلَ المُهَيمنُ توبةَ الأسيادِ
لبسوا ثياب البيض منشور الرّضا
وأنا المتيم قد لبست سوادي
يا ربِّ أنت وصلتَهُم وقطَعتني
فبحقِّهِم يا ربّ حل قيادي
باللَه يا زوّارَ قبرِ محمّدٍ
من كان منكُم رائحٌ أو غادِ
لِتُبلغوا المُختارَ ألفَ تحيّةٍ
من عاشقٍ متقطِّع الأكبادِ
قولوا له عبدُ الرحيم متيِّمٌ
ومفارقُ الأحبابِ والأولادِ
صلّى عليكَ اللَهُ يا علمَ الهدى
ما سارَ ركبٌ أو ترنَّمَ حادِ

ترنيمة الخلود:

إن “يا راحلين إلى منى” ليست قصيدة تُقرأ فقط… بل حالة تُعاش. وكل من عرف الشوق يومًا، أو وقف عاجزًا أمام حلمٍ روحي، أو شعر أن قلبه سبق خطاه إلى الله… سيجد نفسه فيها.

ليست مجرد نص شعري مشهور، بل واحدة من القصائد الاستثنائية التي تجاوزت حدود الأدب إلى فضاء الوجدان الجمعي الإسلامي، حتى غدت قصيدةً حاضرة في الذاكرة، وفي الصوت، وفي الشعور، وفي مواسم الحج، وفي المجال الديني والروحي والفني والإنساني على السواء.

إنها من القصائد ذائعة الصيت، واسعة الانتشار، الخالدة في الوجدان، التي كتب لها البقاء والاستمرار عبر الأجيال والقرون، لا بوصفها قصيدة تُقرأ فحسب، بل بوصفها حالة شعورية وروحية متجددة تتجدد مع كل موسم حج، ومع كل قلبٍ يشتاق إلى البيت الحرام.

لقد حظيت هذه القصيدة بحفاوة واهتمام استثنائيين، بصورة تكاد تكون منقطعة النظير في تاريخ القصائد الروحية والوجدانية المتعلقة بالحج والمشاعر المقدسة. وإن حالة حضورها الكثيف، وانتشارها الواسع، واستمرار تداولها وترنم الناس بها جيلاً بعد جيل، تستدعي فعلًا الدراسة والتأمل والبحث؛ لأنها لم تعد مجرد “قصيدة”، بل أصبحت ظاهرة وجدانية وثقافية وروحية وفنية ممتدة في الزمان والمكان.

فالقصيدة حاضرة في الوجدان الإسلامي حضورًا لافتًا، وكأنها صارت جزءًا من الذاكرة الشعورية لمواسم الحج. تحضر مع التلبية، ومع أصوات الحجيج، ومع مشاهد الرحيل إلى مكة، حتى إن كثيرًا من الناس لا يكتمل عندهم الإحساس الروحي بموسم الحج إلا بسماع هذه الترنيمة الشجية.

كما أنها حاضرة بقوة في المجال الفني والإنشادي؛ فقد ترنم بها وأنشدها المئات من المنشدين والقراء وأصحاب الأصوات الشجية من مختلف البلدان والأقطار، وتعاقبت عليها أجيال من المنشدين والحُداة، كل جيل يعيد بث الروح فيها بصوته ومقامه وأسلوبه، حتى أصبحت جزءًا من التراث الإنشادي الإسلامي المرتبط بالحج والحنين الروحي.

وقد تنقلت القصيدة بين المقامات والألحان والأصوات، فتارة تُنشد بمقام الحجاز المفعم بالشجن، وتارة بأصوات متهدجة يغلب عليها البكاء والخشوع، وتارة بأساليب جماعية تشبه حداء القوافل القديمة، وكأن القصيدة تمتلك قدرة عجيبة على التلون والتجدد دون أن تفقد روحها الأصلية.

ولم تبق القصيدة حبيسة الكتب أو دواوين الشعر، بل خرجت إلى الفضاء العام بكل صوره: في المجالس والملتقيات، في المنتديات والتجمعات، في الأسفار والرحلات، في وسائل الإعلام الرسمية والشعبية، في الإذاعات والقنوات السمعية والبصرية، وفي الشبكة العنكبوتية بمختلف مواقعها ومنصاتها ووسائطها. فهي حاضرة نصًا مكتوبًا، وصوتًا منشودًا، ومقطعًا متداولًا، وذاكرة جمعية يعيد الناس استحضارها كل عام.

وقد أسهم الفضاء الرقمي المعاصر في مضاعفة حضور القصيدة وانتشارها؛ إذ أصبحت متداولة على نطاق واسع في المواقع الإلكترونية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والمقاطع الصوتية والمرئية، بصور متعددة ومتنوعة، حتى غدت واحدة من أكثر القصائد الروحية تداولًا في مواسم الحج.

ومن اللافت أن الاهتمام بهذه القصيدة لم يكن مقصورًا على عامة الناس فقط، بل حظيت بإعجاب واستحسان شرائح واسعة ومتنوعة: العلماء والفقهاء، الأدباء والشعراء، الكُتّاب والباحثين، الإعلاميين والصحفيين، المنشدين والفنانين، وسائر المتذوقين للشعر والوجدان الروحي.

ومن المفارقات اللافتة حقًا أن حالة الاحتفاء والاهتمام والترنم والتغني والحداء والترديد التي حظيت بها قصيدة: “يا راحلين إلى منى” قد تجاوزت ــ في الواقع ــ الإطار المذهبي والمدرسي الذي ينتمي إليه صاحبها، وهو التصوف، فلم تبق القصيدة حاضرة داخل المنتديات الصوفية وحضراتها ومجالسها وتجمعاتها فحسب، بل خرجت من ذلك الإطار الضيق إلى فضاء الوجدان الإسلامي العام.

فقد تجاوز حضورها حدود الانتماءات والمدارس والاتجاهات، وأصبحت قصيدة مشتركة في الشعور الإسلامي الجمعي؛ يرددها المنشدون، ويتغنى بها الفنانون، ويحفظها العامة، ويتأثر بها المتدينون والوعاظ والأدباء والباحثون، على اختلاف مشاربهم الفكرية والمدرسية.

وهذا في حد ذاته يكشف عن حقيقة عميقة؛ وهي أن النص الصادق حين يخرج من منطقة الشعور الإنساني الخالص، ومن حرارة الشوق والإيمان، يمتلك قدرة نادرة على عبور الحواجز المذهبية والفكرية، ليصل مباشرة إلى القلوب.

ولعل السر في ذلك أن القصيدة لم تُبنَ على الجدل المذهبي أو الطرح الفكري الخاص، بل بُنيت على معانٍ إنسانية وإيمانية جامعة: الشوق إلى الحج، الحنين إلى مكة والمدينة، المحبة النبوية، الانكسار بين يدي الله، ولوعة الحرمان من الوصول إلى المشاعر المقدسة. وهذه معانٍ تتجاوز الانتماءات الضيقة، وتلتقي عندها قلوب المسلمين على اختلاف مدارسهم واتجاهاتهم.

ولهذا تحولت القصيدة مع الزمن إلى ترنيمة وجدانية عامة، تتردد في المجالس، والمنابر، ووسائل الإعلام، والمواسم الإيمانية، دون أن ينشغل كثير من المتلقين بالخلفية المذهبية لصاحبها، لأن النص نفسه استطاع أن يفرض حضوره بقوة صدقه، وحرارة وجدانه، وصفاء روحه.

وهذا القبول الواسع والمتنوع يكشف عن قدرة النص على اختراق الحواجز والطبقات والاهتمامات المختلفة؛ لأنه يخاطب الإنسان من المنطقة الأعمق فيه: منطقة الشوق والحنين والافتقار إلى الله. ولعل أحد أسرار خلود هذه القصيدة أنها لا تصف الحج وصفًا خارجيًا جامدًا، بل تنقله بوصفه تجربة وجدانية وروحية حيّة.

فالحج فيها ليس مجرد انتقال جغرافي، بل حالة عشق واحتراق داخلي، ولذلك شعر الناس بصدقها، وتماهوا مع كلماتها، وأحسوا أن الشاعر لا ينظم أبياتًا بقدر ما يسكب قلبه.

ثم إن القصيدة تمتلك عناصر الخلود الفني والروحي معًا: قوة البيان، وجمال التصوير، وعذوبة الإيقاع، وصدق المشاعر، واللغة الوجدانية الشفافة، والحمولة الروحية العالية، والارتباط بمشاعر إنسانية وإيمانية متجددة لا يحدها زمان.

كما أن صلتها المباشرة بشعيرة الحج ــ بما تحمله من قداسة وحضور عاطفي وروحي في نفوس المسلمين ــ منحتها قابلية دائمة للتجدد والاستحضار. فالحج يتكرر كل عام… ومعه يتجدد الشوق…ومع الشوق تعود القصيدة.

ولهذا لم تعد “يا راحلين إلى منى” مجرد قصيدة في ديوان، بل أصبحت صوتًا من أصوات الوجدان الإسلامي، وترنيمةً من ترانيم الحنين الكبرى، ونشيدًا روحيًا خالدًا يرافق القلوب كلما اتجهت الأرواح نحو مكة.

الهوامش:

(1) عبد الرحيم البرعي اليماني (ت. 803 هـ.): حياته وشعره المؤلف: بن بوزيان، سليم المصدر: اللغة العربية، مج24, ع1 الناشر: المجلس الأعلى للغة العربية تاريخ: 2022 جامعة محمد خيضر، بسكرة الجزائر،

(2) وقفات مع عبد الرحيم البرعي وقصيدته عن الحج. موقع اليمن تاريخ وثقافة. د . مجيب الرحمن الوصابي. استاذ الأدب والحضارة في جامعة عدن والجامعة اللبنانية الدولية

(3): البرعي.. رحلة حج لم تكتمل! أ. د. بكري معتوق عساس2023-06-230

موقع صحيفة مكة الالكترونية.

(4): طبقات صلحاء اليمن/ المعروف بتاريخ البريهي المؤلف: عبد الوهاب بن عبد الرحمن البريهي السكسكي اليمني (المتوفى: 904هـ). المحقق: عبد الله محمد الحبشي. الناشر: مكتبة الارشاد – صنعاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى