أشتات

خلاف التنوع الانتقال من عقلية الإقصاء إلى إدارة الخلاف

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

فقد وردني من أحد الدعاة الأفاضل سؤال جوهري محتواه:

​ “في ظل الانفتاح المعلوماتي كيف ننتقل من ثقافة “الإقصاء” إلى ثقافة “إدارة خلاف التنوع ” داخل الصف الواحد بما يعزز التلاحم المجتمعي ويحفظ ثوابت الأمة؟”​ “في ظل الانفتاح المعلوماتي كيف ننتقل من ثقافة “الإقصاء” إلى ثقافة “إدارة خلاف التنوع ” داخل الصف الواحد بما يعزز التلاحم المجتمعي ويحفظ ثوابت الأمة؟”

وهذا سؤال عميق ومتعدد الأبعاد يلامس أحد أبرز التحديات التي تعيشها المجتمعات الإسلامية المعاصرة، إذ يبحث عن إستراتيجية عملية للانتقال من عقلية الإقصاء إلى مهارة إدارة الخلاف داخل “الصف “الواحد” في زمن أحدثت فيه وسائل التواصل والانفتاح المعلوماتي تدفقاً هائلا للأفكار والاتجاهات والرؤى المتنوعة، ويربط بذكاء بين طوفان هذا الانفتاح المعلوماتي وبين ضرورة الحفاظ على “ثوابت الأمة”.

إن حالة التنازع والتفرق والتشظي التي تعاني منها الأمة اليوم لهو من أسوأ مراحلها التاريخية التي  تمر بها إذ مكنت عدوها من التسلط عليها، ومن أبرز الإشكالات التي تواجه الحركات الإسلامية والجماعات الدعوية المنتمية لأهل السنة في العصر الحالي هو تحوُّل كثيرٍ من خلافات التنوع والاجتهاد السائغة بينها إلى صراعات تضادٍّ، وقضايا ولاء وبراء، حتى آل الأمر ببعض المنتسبين إلى المنهج الواحد والعقيدة الواحدة إلى التعامل مع مخالِفيهم في التقدير السياسي أو الاجتهاد الحركي أو تنزيل الأحكام على الوقائع كما يُتعامل مع أصحاب البدعة المغلظة أو الانحرافات العقدية الكبرى، وهذا يتنافى مع أصول أهل السنة وتراثهم القائمٌ على التفريق الدقيق بين مستويين رئيسيين من الخلاف:

خلاف التضاد وهو الخلاف الحقيقي الذي لا يسوغ.

وخلاف التنوع والاجتهاد الذي يسع الأمة ولا يقدح في انتماء صاحبه إلى دائرة أهل السنة والجماعة.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة بناء “فقه إدارة الخلاف” داخل الصف السني الواحد، لا باعتباره خطابًا أخلاقيًا وعظيًا فحسب، بل باعتباره ضرورة شرعية وحضارية لحفظ وحدة الأمة، وإدارة التنوع والاجتهاد داخل الصف الإسلامي بطريقة تمنع التنازع والتفكك وتآكله الداخلي.

والمشكلة الحقيقية ليست في أصل وقوع الاختلاف؛ فهو سنة بشرية وقدر كوني، بل تكمن الأزمة الحقيقية في مظاهر خلل بنيوية فكرية ونفسية واضحة منها:

1. فقدان القدرة على تصنيف الخلاف وتحديد رتبته.

2. تحويل المسائل الاجتهادية والآراء الظنية إلى معايير للولاء والبراء.

3. ربط المواقف السياسية أو الحركية المتغيرة بحقيقة المنهج واستقامته.

4. شخصنة الخلاف وتحويله إلى صراع نفوذ ومكاسب بدلا من أن يكون صراع أفكار ورؤى.

5. إلغاء المساحات الرحبة التي أقرها السلف للاجتهاد والتنوع.

6. تحول هذه الجماعات إلى فصائل متنافرة يرى كل منها الآخر خطرا وجوديا لا مجرد رأي مخالف إلا من رحم الله.

والنتيجة لهذه الاختلالات يحدث الإقصاء، فلم يعد كثير من النزاع المعاصر نزاعًا علميًا مجردا بل غدا مزيجا معقدا من:

الانتماء الحزبي، والاعتبارات النفسية، والرمزية القيادية، والتنافس التنظيمي، والخوف من فقدان النفوذ والمكتسبات داخل الصف.

الثوابت كمعايير موضوعية وأرضية للوفاق:

هذا الخلل المنهجي أمر جلل يستوجب معالجة عميقة، ولا يكفي فيه تقديم إجابة سطحية تتحدث فقط عن “تقبل الآخر” والتسامح دون تأصيل آليات هذا التقبل وبنائه على أرضية صلبة من المعايير والضوابط والقيم المتفق عليها وإحياء القواعد السنية الأصيلة في فقه الخلاف.

والثوابت في هذا السياق ليست شعارات عاطفية، بل معاییر موضوعية تشتق من صميم الانتماء لأهل السنة ونقاء مصادر التلقي واستقامة الفهم والاستدلال، والإجماعات الثابتة التي تتجاوز الاجتهادات الفردية وتحظرها، وتشكل مساحة الوفاق الآمنة.

والسؤال أعلاه يسعى إلى التوفيق بين مفارقتين متضادتين هما تحقيق ” التلاحم المجتمعي ” مع وجود الخلاف، وكيف يكون الخلاف رافدا للتلاحم لا عاملا على التفكك؟

والجواب عن ذلك يتطلب تقديم رؤية متماسكة عميقة تتجاوز حدود الوعظ والإرشاد إلى التأسيس المنهجي والعملي لفهم حقيقة الخلاف والتزام آدابه وتقبل الآخر والاعتراف بوجوده.

وسيتم تأطير صياغة هذه الرؤية ضمن ثلاث مراحل:

بدءاً من تأسيس أرضية الوفاق (الثوابت).

ثم بناء استراتيجية وآليات إدارة الخلاف ذاتها.

وأخيراً استثمار التعددية لتعزيز المناعة الفكرية والمجتمعية.

ولتحقيق ذلك لابد أن يرتكز الرد على تفكيك “الإقصاء” علميا ونفسياً، وتقديم أدوات عملية مثل التفكير النقدي، والفصل بين الثابت المقدس والاجتهاد، وأخلاقيات الحوار، وينتهي بفكرة أن إدارة الخلاف هي مظهر القوة المجتمعية، ونحن في هذا الإطار أحوج ما نكون إلى حلول منهجية بنيوية منها إلى مجرد حلول وعظية وإرشادية.

وبناء على هذا فإن الانتقال من عقلية وثقافة “الإقصاء” إلى “إدارة الخلاف” يتطلب تشكيلاً تربوياً واجتماعياً يقوم على ثلاث مرتكزات تحفظ الثوابت وتصنع التلاحم والاجتماع.

الفرق الجوهري بين ثقافة الإقصاء وثقافة إدارة الاختلاف:

وقبل الولوج في تفاصيل هذه المرتكزات يتعين التمييز بدقة بين الثقافتين:

فالإقصاء: هو استئصال الآخر بدلاً من استيعابه.

وهو أشد فتكاً بالمجتمع من الاختلاف ذاته.

الأبعاد النفسية والاجتماعية للإقصاء:

ثقافة الإقصاء ليست مجرد موقف فكري، بل هي انعكاس لحالة نفسية تتسم بالخوف غير المنضبط على “النقاء المنهجي”.

ويرى الباحثون أن الغلو في التبديع والإقصاء داخل المنهج الواحد ينبع من عوامل عدة منها:

  • عقليةالمفاصلةالجاهلية: التي تسللت لبعض الأوساط، حيث يُقاس الحق بالأشخاص لا بقوة الأدلة.
  • ضعف التوازن بين الولاء والبراء: حتى يطغى البراء من “المخالف السني” على ما بينهما من أصل الإيمان والمنهج.
  • التنافس علىالشرعية التمثيلية: حيث يسعى كل تيار لإثبات أنه “الممثل الوحيد” للسنة، مما يدفعه لنفي الآخر وإقصائه.

جدول مقارنة بين الإقصاء وإدارة الخلاف:

نقاط المقارنةثقافة الإقصاءثقافة إدارة الخلاف
النظر إلى الخلافتهديد وجوديتنوع يمكن توظيفه (ثروة فكرية)
النظر إلى الآخر المختلفعدوشريك في البحث عن الحقيقة
الحل وطريقة التعاملالإسكات أو الإزاحةضبط آليات التعبير لا إلغاء التعبير نفسه
المرجعيةالهوى الفصائليالثوابت والمصلحة العليا
خلاف التنوع الانتقال من عقلية الإقصاء إلى إدارة الخلاف خلاف التنوع الانتقال من عقلية الإقصاء إلى إدارة الخلاف

المرتكزات النظرية والعملية لثقافة إدارة الخلاف:

المرتكز الأول تأسيس أرضية الوفاق (القاعدة الصلبة):

هذا المرتكز معيار أساسي يكسبنا القدرة على التمييز الدقيق بين مستويات الخلاف، فالمسألة ليس أن نختلف بل في أي مستوى نختلف؟

وإذا تأملنا عن منشأِ وسبب الإقصاء، فإنه ينشأ غالباً من الخوف على الثوابت خشية تحريفها أو تمييعها، والعلاج يكون بتعريفها بوضوح وجعلها “مظلة جامعة” لا “مطرقة قاصمة“، وذلك عبر الآتي:

أولاً: تحديد الثوابت القطعية غير القابلة للجدل ولا يحتمل فيها الخلاف (الإطار الجامع):

وهي المسائل القائمة على نصوص قطعية الدلالة والثبوت، والإجماعات المعتبرة المستقرة. وهي الأساس الذي يمثل إطار الانتماء، وليست شعارات تملكها طائفة أو حزب أو جماعة ليقصي بها غيره.

ثانياً: التمييز الدقيق بين الثابت والمتحول:

إن إدارة الخلاف لا تعني تمييع الأصول أو إذابة الهوية، وهنا يكمن التوازن الدقيق، فالثوابت سياج لا سجن؛ تحمي الأصول من التمييع، والهوية من الذوبان، ولا تمنع العقل من التجوال ما كان مؤهلا لذلك، وبهذا يتم حفظ الثوابت وسط سيولة الخلاف، ويتم ضمان ذلك بما يلي:

1. بالوضوح في تعريف الثوابت: فما يُجمع عليه لا يُترك لاجتهاد كل فصيل، وقد سبق تعريفه.

2. التمييز بين الثابت والمتحول: وكثير مما يُظن ثابتاً هو في حقيقته اجتهاد تاريخي قابل للمراجعة، وتاريخ الأئمة الأربعة خير شاهد.

  والمتحول: ما بُني على اجتهاد في فهم النص، أو على قياس، أو مصلحة مرسلة، أو عرف زمني، أو كان تنزيلا لحكم على واقعة، وهذا النوع هو الذي كثيراً ما يُلبَّس عليه ويُظن ثابتاً.

ومن هنا يجب التفريق بين “الثابت” و”اجتهاداتنا الظنية الواقعة في دائرة ما يسوغ فيه الاجتهاد” التي تعد خلافاً معتبراً، له أدواته الفقهية، والتي تتناول مساحتين:

الأولى: فهم النص والحكم المستنبط منه.

 الثانية: تنزيل الحكم على الواقعة، ويتطلب ذلك فهماً لواقع وحال النازلة، وهو طبقتان:

الأول: تنزيل حكم ظني مجتهد في استنباطه عليها.

الثاني: تنزيل حكم قطعي (ثابت) عليها، كالشرك أو الكفر المتفق عليه، وتنزيله على جهة أو شخص معين، فإن هذا التنزيل هو اجتهاد ظني لا في أصل الحكم، وإنما في ملابسات الحال الذي أحاطت فيمن تلبس به؛ إذ لابد من توفر شروط وانتفاء موانع لا تعلم إلا بدراسة الحالة، ونتائجها تقع في دائرة الظن والاجتهاد، فمن توصل باجتهاده إلى تكفير معين، لا يحق أن يقول لمن لم يكفره: إن من لا يكفر الكافر فهو كافر، لأن تكفير ذاك المعين إنما حصل باجتهاد، بخلاف من لم يكفر اليهود والنصارى، فإن كفرهم قطعي ثابت بالنص القطعي والإجماع القطعي.

ومن أمثلة التفريق بين الثابت والمتحول (المجتهد فيه) في الفقه والتشريع:

أ. مسألة العقوبات التعزيرية:

يظن البعض أن كل عقوبة وردت في المأثور الفقهي هي حكم شرعي ثابت، والحقيقة أن الحدود فقط هي المحددة نصاً، أما التعزير: فهو اجتهاد تاريخي وسياسة شرعية تتغير بتغير الزمان والمكان والمصلحة، فما كان عقوبةً مناسبةً في القرن الثالث الهجري قد لا يكون كذلك اليوم.

ب. ولاية المرأة في عقد الزواج:

الخلاف بين الأئمة الأربعة في هذه المسألة مشهور مما يدل على أنها من مسائل الاجتهاد، وما يُقدَّم أحياناً باعتباره حكماً إجماعياً ثابتاً هو في الحقيقة محل خلاف فقهي معتبر.

ج. ومن الأمثلة في السياسة الشرعية والحكم: شكل نظام الحكم:

يظن بعضهم أن “الخلافة” بشكلها التاريخي المعروف حكم شرعي ثابت يجب إقامته بصورته التاريخية، لكن المحققين من العلماء يُفرّقون بين “مبدأ الحكم بالشريعة والشورى والعدل” وهو الثابت، وبين “الصيغة التنظيمية لنظام الحكم” وهي متحولة باجتهاد الأمة في كل عصر.

 د. ومن الأمثلة في المسائل الاجتماعية:

التصوير الفوتوغرافي: أفتى عدد من العلماء في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين بتحريمه قياساً على تحريم التصوير التشكيلي، ثم رجع أكثر العلماء عن ذلك معتبرين أنه اجتهاد.

3. الثالث من الضمانات الرجوع إلى العلم لا إلى الصخب: ومن آفات العصر تحكيم “الترند” ووسائل الإثارة الجماهيرية في قضايا تحتاج إلى بحث علمي رصين.

ثالثاً: تمييز الأولويات والمصالح التي تحددها المقتضيات والضرورات الواقعية والسياسية حيث تحكمها السياسة الشرعية المتغيرة، وأن الخلاف في هذا النوع مشروع تحكمه الدراسات الواقعية العميقة والشورى، كالخلاف في ترتيب خطورة الأعداء في زمن ومكان معينين، ولا يجوز فيه اتخاذ مواقف حدية تصل إلى الولاء والبراء، والتبديع والتفسيق، والتخوين والإسكات، والإبعاد والتنابز بالألقاب.

المرتكز الثاني بناء منهجية واستراتيجية إدارة الخلاف:

إن الانتقال من عقلية الإقصاء يتطلب تبني حزمة من “القواعد العلمية والسلوكية” الناظمة للعلاقات داخل الصف الواحد، ليكون التنوع رافداً للقوة لا سبباً للضعف، ومن ذلك:

أولا: ترسيخ قاعدة “الاتفاق على الاختلاف”: وهي لا تعني النسبية المطلقة وأن كل شيء قابل للاختلاف فيه، بل تعني: التزام أدب الخلاف مع الإقرار بوجوده، وقد قعّد الفقه الإسلامي ذلك بقاعدة: “لا إنكار في مسائل الاجتهاد”، وهي تختلف جوهرياً عما يردده البعض “لا إنكار في مسائل الخلاف”، لأن الخلاف قد يقع في الثوابت وهو أمر لا يجوز.

وفي هذا الإطار يتعين استبدال “منطق الحق والباطل” بـ“منطق الصواب والخطأ” في الدائرة الاجتهادية: فالحق في نفس الأمر واحد، لكن الوصول إليه اجتهادي، وتعليم الأفراد أن الطرف الآخر قد يكون مخطئاً لا مارقاً، يهذّب النفوس ويحفظ الأخوة الإسلامية، وهذا هو جوهر أدب الاختلاف.

ثانياً ترسيخ قواعد “التفكيك النقدي” للمحتوى:

الانتقال من عقلية التلقين السلبي إلى عقلية التساؤل المنهجي المنضبط عبر تدريب الأفراد على التساؤل العلمي: “ما مصدر هذه المعلومة؟ ما الفكرة التي تحاول إثباتها؟ ما أدلتها؟ ما الثابت الذي تمسه؟”.

هذا يحول المتلقي من مستهلك سلبي إلى عقل ناقد، قادر على تمييز التنوع المثري من الانحراف المخرب.

ثالثاً: الفصل بين شخصنة الخلاف وتأصيله:

من أخطر آفات ثقافة الإقصاء هي تحويل الرأي إلى هوية والمسألة إلى شخص، فيصبح الخلاف “أنا ضدك” بدلاً من أن يكون “ما الدليل على هذه المسألة؟”.

وعلاج ذلك يكمن في “أسألة الخلاف” أو “موضوعية الخلاف”، أي ردّه إلى مسائل موضوعية قابلة للنقاش العلمي.

ومثال ذلك: حين تختلف مع شخص في قضية معينة، بدلاً من وسمه بالتطرف أو التساهل، تقول: هل يمكن أن نُحدّد محلّ الخلاف بدقة؟ هل هو في الحكم الشرعي؟ أم في قراءة الواقع؟ أم في تحديد الأولويات؟

فبهذا تُحوّل الشحنة الشخصية إلى سؤال علمي يمكن الاشتغال عليه بأدوات البحث لا بأسلحة الاتهام.

لكن الحال الواقع الذي ابتليت به الجماعات المعاصرة وهو من أخطر آفاتها: تحول الخلاف من: “ما هو القول الصحيح؟” إلى” مع مَن تقف؟

فتصبح القيادات أو الرموز معيارًا للحقيقة، وعندها: يُرفض القول لمجرد قائله لا لدليله، وتتحول المناقشات إلى اصطفافات، وهذا يخالف المنهج العلمي عند أهل السنة، القائم على: تعظيم الدليل، لا تعظيم الأشخاص.

رابعاً: تجنب تسييس الاجتهاد:

والمقصود به هنا: تحويل الموقف السياسي إلى معيار عقدي أو منهجي يقصى بسببه المخالف، وكأن الخلاف فيه من باب الأصول القطعية.

فكثير من القضايا المعاصرة ليست خلافًا عقديًا أصلًا، وإنما: خلاف في تقدير المصالح، أو ترتيب الأولويات، أو فقه الموازنات، أو تنزيل الأحكام على الوقائع السياسية، لكنها تُحوَّل إلى: معارك ولاء وبراء، أو اختبارات “منهجيّة”، فيصبح الموقف من جماعة معينة، أو من حدث سياسي كالمشاركة السياسية، أو الموقف من المظاهرات أو التحالفات المرحلية أو طريقة التعامل مع السلطة، أو من أسلوب دعوي، معيارًا للحكم على سلامة المنهج كله، فهذه القضايا في كثير من صورها ليست من جنس التوحيد والشرك، أو الإيمان والكفر، أو إنكار القطعيات، بل هي اجتهادات تنزيلية مرتبطة بتقدير الواقع. والذي يحدث أحيانا أن البعض لا يكتفي بمناقشة الرأي بل يحول موقفه السياسي إلى المنهج الصحيح الوحيد ثم يبدأ: التبديع والتخوبن والإقصاء وإسقاط العدالة والطعن في النيات والانتماء، وهكذا يتحول خلاف الاجتهاد إلى صراع هوية.

وهذا خلل خطير؛ لأن السياسة الشرعية من أكثر أبواب الاجتهاد تغيرًا بالواقع والمآلات واختلاف البيئات والأزمنة؛ ولذلك إذا أعطي كل تقدير سياسي رتبة الثوابت؛ فإن مساحة الخلاف السائغ تضيق جداً، ويصبح كلُّ اختلاف تهديداً للهوية فتتشظى الجماعات والتيارات .

خامساً الخلط بين الثوابت والوسائل:

كثير من الوسائل التنظيمية أو الدعوية أو السياسية تُرفع إلى مرتبة “الثوابت”، مع أنها: اجتهادات بشرية قابلة للمراجعة، وليست نصوصًا معصومة، فينشأ النزاع لأن كل فريق يتعامل مع وسيلته الاجتهادية وكأنها جزء من الدين نفسه.

سادساً التحذير من خطاب “الإلغاء والتهشيم”: وهو ظاهرة تُحوّل الخطأ أو الرأي المخالف إلى جريمة دائمة تستوجب النبذ الكامل والنبذ والإسكات عبر حملات منظّمة لإسكات أصوات بعينها ومنع نشر أعمالهم.

وخطورته أنه لا يُصحّح الفكر بل يُرهب المفكر، ويُنتج مجتمعاً من الصامتين خوفاً لا اقتناعاً، فيُجفّف منابع الحوار الحقيقي من جذوره.

وهذا النوع من الإقصاء يتعارض مع مقاصد الشريعة من وجوه عدة:

أولها: أنه يُعطّل فريضة الاجتهاد، إذ لا اجتهاد في جو الرعب والإسكات.

ثانيها: أنه يُلغي مبدأ الشورى القائم أساساً على تعدد الآراء قبل اتخاذ القرار.

ثالثها: أنه يُنتج نفاقاً اجتماعياً، فالإقصاء يدفع المخالف إلى إخفاء رأيه وإظهار ما لا يبطن خوفاً من البطش المعنوي وهو ما حذّر منه القرآن في صفات المنافقين.

وبناء على ذلك فإن التعامل الصحيح مع الآراء المخالفة إنما يكون عبر ضبط آليات التعبير لا إسكات التعبير نفسه؛ لأن إسكات التعبير يعني: منع الرأي من الوجود أصلاً وتخويف صاحبه، والنتيجة: رأي مقموع في الباطن، وصمت مصطنع في الظاهر دون إقناع أو تغيير حقيقي.

وضبط آليات التعبير يعني: السماح للرأي بالوجود والتعبير عنه في إطار أدبي ومنهجي يضمن أن يكون التعبير بانياً لا هادماً، محاوِراً لا مستفزاً، مستنداً إلى دليل لا إلى بغي أو عدوان، فالمسألة ليست “ماذا تقول” بل ” كيف تقوله، ومتى، وبأي أدوات، وبأي أخلاق؟”

جدول توضيحي للفرق بين إسكات التعبير وضبط آلياته:

الموقفإسكات التعبيرضبط آليات التعبير
شخص يُخالف في مسألة فقهيةيُمنع من الكلام أو يُتّهم بالضلاليُدعى إلى تقديم دليله وفق أصول الاستدلال المعتبرة
رأي سياسي مخالفيُحذف المحتوى ويُلاحَق صاحبهيُناقَش في منبر منظّم بقواعد الحوار
نقد اجتماعي مشروع (ظلم، تناقض سلوكي،عادات موروثة لا سند شرعي لها)يُوصَم صاحبه بالإفساد وإثارة الفتنيُوجَّه لقنواته المشروعة: بحث، كتابة، حوار مؤسسي؛ حتى لا يتحول إلى فوضى رأي أو استفزاز إعلامي
خلاف داخل الجماعةإما معنا أو ضدنايُقال له: رأيك محل نظر، فأين دليلك؟
خلاف التنوع الانتقال من عقلية الإقصاء إلى إدارة الخلاف 3 خلاف التنوع الانتقال من عقلية الإقصاء إلى إدارة الخلاف

العناصر الأربعة الضابطة لآليات التعبير:

يتشكل ضبط آليات التعبير من خلال أربعة محددات أساسية:

١. أدب الخطاب: ألا يكون التعبير طعناً في النيات، أو تجريحاً للأشخاص، أو إثارةً للعصبية. (الرأي يُنقد، والشخص يُحترم).

٢. التأهّل العلمي: ليس كل رأي يستحق منبراً متساوياً، فرأي المتخصص المستند إلى دليل يختلف عن رأي الجاهل المبني على الهوى، لا إسكاتاً للثاني، لكن تمييزاً في الوزن والمقام.

٣. المنبر المناسب: ثمة آراء مكانها الأوساط العلمية المتخصصة، وأخرى مجالس عامة، وثالثة وسائل الإعلام. وطرح المسائل الدقيقة في غير منبرها قد يُحوّل النقاش من واحة علمية إلى فتنة اجتماعية.

٤. التوقيت والسياق: الرأي الصحيح في توقيت خاطئ قد يُنتج ضرراً بالغاً، فإعلان خلاف داخلي في لحظة أزمة خارجية أو تهديد وجودي يعد تفريطاً في المصلحة العامة، لا صدعاً بالحق.

الشواهد الشرعية على ضبط الآليات لا إلغاء التعبير:

الإسلام لم يقم على قمع الآراء المخالفة، بل أسّس منظومة كاملة لتأديب التعبير عن الخلاف، تتجلى في معالم واضحة:

أ. مشروعية الخلاف الاجتهادي أصلاً:

قال النبي ﷺ: “إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر.” فالاجتهاد الخطأ مأجور صاحبه، فوجود الرأي المخالف ليس جريمة تستوجب قمعها.

ب. تقييد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابط دقيقة:

من التثبت ومراعاة القدرة، والتدرج من الإنكار بالقلب إلى اليد، وألا يُفضي الإنكار إلى منكر أكبر، فهذا كله ضبط لآلية الإنكار لا إلغاء لأصله.

ج. المنهج القرآني في الجدال: قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥). فالآية لم تقل: “أسكت المخالف”، بل رسمت “آلية التعامل معه”: الحكمة، والموعظة، والجدال بالتي الحسنى. وهذا ضبط الآلية التعبير وليس إلغاء له.

د. المنهج النبوي في استيعاب الاجتهاد والاختلاف:

كإقراره ﷺ للصحابة في اختلافهم حول صلاة العصر في بني قريظة دون تعنيف لأي من الفريقين، وكذلك مناقشته لعمر بالدليل والحجة في عقوبة حاطب بن أبي بلتعة دون قمع أو إسكات.

هـ. الإجماع ضابط لا مسكت:

الإجماع يضبط الخلاف بإغلاق بابه عند تحقق الاتفاق الفعلي، فهو ضبط منهجي بعد نضج الآراء لا قمع لها قبل النضج.

مفهوم الإسكات المشروع في الإسلام:

هل يوجد إسكات في الشريعة؟ فالجواب نعم، لكنه إسكات “محدود المجال” ومحصور في حماية بيضة الدين الكبرى وثوابت المجتمع القطعية.

جدول توضيحي لمساحات الإسكات المشروع وغير المشروع:

مساحات لا يُسكَت فيهامساحات يُسكَت فيها (نقد مشروع)
الدعوة إلى الكفر والإلحاد في المجتمع المسلمالخلاف الاجتهادي في الفروع
الدعوة إلى إباحة وتشريع ما حرّمه الله قطعاًالنقد العلمي لفهم فقهي اجتهادي
إشاعة الفاحشة وترويجها اجتماعياًنقد السياسات والقرارات الحكومية بالدليل والحجة
إثارة الفتنة في لحظات الأزمات الحادةالاعتراض على الأحكام القضائية بطرق الطعن المشروعة
الطعن في الثوابت القطعيةمراجعة الاجتهادات الفقهية التاريخية بالدليل

والضابط الجامع في كل ذلك سؤال واحد:

هل النقد يستهدف الوصول إلى الحق بأدواته المعتبرة، أم يستهدف هدم الأصل ذاته؟

– إن كان الأول: فهو نقد مشروع ينبغي إتاحته وإن أزعج.

– وإن كان الثاني: فهو تعدٍّ على الثوابت يواجه بالحجة أولاً، وبالضبط المؤسسي ثانياً.

وعليه فإن الذي يمنع ويحظر هو القول المخالف للنص أو الإجماع أو أصول أهل السنة، أو ما أفضى إلى نقض القطعيات والثوابت، أو ما تعلّق بأصول الاعتقاد المجمع عليها، وهذا النوع لا يمكن جعله “تنوعًا مشروعًا”، لأنه يهدم الحقيقة الشرعية نفسها.

ومن الخطأ الكبير اليوم:

توسيع دائرة التضاد حتى تشمل كل اجتهاد سياسي أو تنظيمي. أو توسيع دائرة التنوع حتى تشمل الانحرافات العقدية الصريحة، والميزان السني الصحيح يقوم على التفريق بين المجالين.

وخلاصة الكلام في هذه القاعدة أن الإسلام لا يُريد مجتمعاً من الصامتين خوفاً، بل مجتمعاً من المتحاورين أدباً، وضبط آليات التعبير هو الوجه الإسلامي الأصيل للتعامل مع الخلاف، أما الإقصاء فهو خيار العاجز عن الحجة، أو ضيّقِ العَطَن والتفكير، أو المتسلط بغير حق.

سابعاً منع تحويل الاجتهادات إلى هويات مغلقة:

حين تتحول الجماعة، أو المدرسة، أو الشيخ إلى هوية مغلقة؛ يصبح كل اختلاف تهديداً وجودياً.

أما إذا بقي الانتماء الأعلى للكتاب والسنة ومنهج أهل السنة، بقيت مساحة التعايش واسعة، وهنا لابد من التفريق بين نوعين من الخلاف: الخلاف الموضوعي والخلاف الحزبي:

الخلاف الموضوعي هو: خلاف حول فكرة أو مصلحة أو اجتهاد، يمكن مناقشته بالأدلة، ويتغير بتغير البرهان، وعلاماته: قبول النقد، الاعتراف بالمحاسن، التفريق بين الخطأ وصاحبه، عدم التعميم، إمكان التعاون رغم الخلاف.

أما الخلاف الحزبي: فيدور حول الاصطفاف والانتماء، لا حول الحقيقة نفسها، وعلاماته: الانتقائية في النقد، تضخيم أخطاء المخالف، تبرير أخطاء المنتمي، اختزال الدين في الجماعة، تحويل الخلاف الجزئي إلى معركة هوية.

وهذا النوع إذا استحكم: يفسد العلم والدعوة والسياسة معًا.

ثامناً: إحياء أدب “احتمال الصواب والخطأ” والتواضع الاجتهادي:

كان الأئمة يقولون: “قولنا صواب يحتمل الخطأ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب”.

ليس المقصود الشك في الحق، بل: منع الاستبداد الاجتهادي، وكسر وهم العصمة الفكرية أو التنظيمية.

والاجتهاد السياسي خاصة: شديد التعقيد، ومتغير المعطيات، وكثير المآلات الخفية، ومن ثم فالتواضع فيه من أصول العقل والشرع.

تاسعاً: الفصل بين “الحكم على القول” و”الحكم على القائل”:

قد يكون القول: خطأ، لكن قائله: مجتهدًا معذورًا، أو متأولًا، أو مريدًا للحق.

وهذه من أعظم قواعد أهل السنة التي ضاعت في كثير من النزاعات المعاصرة.

خلاف التنوع الانتقال من عقلية الإقصاء إلى إدارة الخلاف 4 خلاف التنوع الانتقال من عقلية الإقصاء إلى إدارة الخلاف

عاشراً التدريب العملي على الحوار الصعب:

لا يكفي التنظير لإدارة الخلاف بل لابد من صناعة بيئات آمنة للحوار داخل المحاضن الدعوية والحزبية لمناقشة القضايا الحساسة عبر أسئلة مفتوحة تنأى عن إلغاء المخالف وتفكك الأفكار بموضوعية مثل:

ما وجه الخلاف؟

هل يمس الثوابت؟

كيف نتعامل مع الخطأ دون إلغاء صاحبه؟.

الحادي عشر: تربية “المناعة الفكرية” لا “الحجر الصحي”:

الهدف ليس عزل الأفراد عن الأفكار المخالفة، بل تقوية مناعتهم الفكرية تمكنهم من:

فهم الرأي الآخر، وتمحيصه، ونقده علميا.

فالشخص الذي يتعرّض للرأي الآخر في بيئة متماسكة، ويدرسه وينقضه بالأدلة، يصبح أثبت على الحق من شخص عاش في فقاعة نقية سرعان ما تنفجر عند أول احتكاك.

المرتكز الثالث لثقافة إدارة الخلاف متطلبات القيادات الإسلامية المعاصرة لتشكيل التلاحم:

للانتقال الفعلي إلى هذه المساحة تحتاج القيادات الإسلامية إلى تفعيل أربع أدوات استراتيجية:

1. تأسيس “فقه السعة السنية” أي: إحياء المساحات التي وسع فيها السلف الخلاف، فليس كل اختلاف: بدعة، ولا كل خطأ: انحرافًا منهجيًا.

2. صناعة مؤسسات للحوار الداخلي:

كثير من الأزمات تتفاقم لأن: كل تيار يعيش في غرفته المغلقة، ولا توجد منصات علمية راشدة لإدارة النزاع.

3. تدريب الكوادر على فقه المآلات إذ أن التراشق الداخلي، والتصنيف المتبادل، واستنزاف الطاقات، قد أضعف العمل الإسلامي أكثر مما فعل الخصوم أحيانًا.

4. إعادة الاعتبار لمقاصد الشريعة الكبرى مثل:

جمع الكلمة، وتقليل التنازع، ومنع التباغض، ما لم يؤد ذلك إلى تمييع الحق أو التفريط في الأصول.

خاتمة: نحو ميثاق ثقافي للتلاحم والاجتماع:

التلاحم لا يعني التطابق، بل هو كالعمارة تقوم على هيكل متين وجدران حاملة تمثل (الثوابت القطعية)، وتضم غرفاً متعددة تمثل (الاجتهادات الفكرية والفقهية السائغة)، وثقافة إدارة الخلاف هي التي تجعل هذا البناء قادرا على استيعاب الجميع، فيشعر كل فرد فيه بأنه شريك في حمايته، لا مهمّش يتربص بهدمه، وهكذا نتحول من “جماعة” هشّة يوحدها القمع، إلى “أمة” صلبة يوحدها الوفاق في الأصول، وسعة الصدر في الفروع.

إنَّ بقاء الصف الإسلامي متماسكًا لا يكون بإلغاء الاختلاف، فهذا متعذر شرعًا وواقعًا، وإنما يكون بـ:

تصنيف الخلاف تصنيفًا صحيحًا ومنهجياً، وردِّ التضاد المذموم، واستيعاب التنوع المشروع، ومنع تحوّل الاجتهادات إلى حروب هوية.

فالصف الواحد لا ينهار بسبب وجود الاجتهادات المختلفة، وإنما ينهار حين يفقد القدرة على إدارتها وفق أصول أهل السنة والجماعة.

ولتحقيق الانتقال من الإقصاء إلى إدارة الخلاف يتعين صياغة “ميثاق ثقافي” ضمني أو صريح يتم تنفيذه لا وضعه في الرف يقوم على ركائز واضحة:

– الاعتراف بالآخر: لا بوصفه صواباً مطلقاً، بل بوصفه موجوداً وله حق التعبير.

– الالتزام بالأدلة: الخلاف المبني على الحجة أشرف من الوفاق المبني على القهر.

– تغليب المصلحة الجامعة عند الاحتدام: بحيث يكون السؤال الحاكم: “ما الذي يجمعنا؟” لا “من منا سيُقصي الآخر؟

– التسامح مع عدم اليقين: الذي لا يحتمل الخلاف لا يحتمل التفكير.

إن الخلاف الحقيقي الخطير ليس خلاف الآراء، بل خلاف الأخلاق في التعامل مع الآراء، وتحويل الخلاف السائغ إلى محظور، وصاحبه إلى منبوذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى