فكر

حقيقة تشيُّع “الحاكم”.. الحقيقة التي أغفلها د. فضل مراد

بعض الباحثين ينساق مع التهمة الموجهة للإمام الحاكم، بأنَّه شيعي متعصِّب، وأنَّه غير معتمد في أحكامه على الحديث -تصحيحًا وتضعيفًا، وينقل جانبًا واحدًا مِن أقوال علماء الجرح والتعديل، ويُغفل -عمدًا- الموازنة مع الأقوال الأخرى فيه، فيطمس بذلك هوية الإمام الحاكم كونه مِن رجال الحديث المعتبرين. وعلى هذا الرأي سيلحق بالحاكم غيره مِن المحدِّثين المعتبرين -ممَّن قبله، وفي عصره، ومَن جاء بعده، ممَّن اتُّهموا بالتشيع، وهم كثير.

وعلى سبيل المباحثة والإفادة، أشارك في إضاءة الجانب الذي أغفلته آراء الدكتور فضل مراد؛ ولن أقف عند كلِّ مفردات مقاله حول الحاكم، ويكفي تفكيك جذور التهمة بالتشيُّع، ونقض قول القائلين بها. وسوف يكون الحديث في نقاط مختصرة كما يلي:

أوَّلًا: (جرح العدول):

المحدِّثون مِن أهل السنَّة ليسوا على بصمة واحدة في المذهب، والمعتقد، والطريقة؛ لأنَّ علماء الحديث ورجاله هم أكثر العلماء الذين انتصبت فيهم موازين النقد والجرح والتعديل، بلا محاباة؛ ولم يسلم أئمَّة الحديث مِن جرح أو مطعن، لكنَّ ذلك لم يُسقط ثقتهم، وقد جمع فيهم الإمام الذهبي كتابًا خاصًّا، بعنوان: (الرواة الثقات المتكلَّم فيهم بما لا يوجب الردَّ)، وفيهم مِن الأئمَّة أمثال: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، والأعمش، والشعبي..، وهؤلاء الأئمَّة أسانيدهم ثابتة كالجبال.

ووصم التشيُّع للمحدِّثين الكبار، أو تغليب التحديث بفضائل أمير المؤمنين علي -t- يُعدُّ مِن الاجتهاد العالي، في تقدير الحاجة لها لمواجهة ظاهرتين: النصب أو الخوارج، أو أنَّ التصنيف الحديثي يقتضي جمع كلِّ المرويَّات على عهدة أسانيدها، كما هو صنيع الإمام الحاكم، فهو كان في بيئة يكثر فيها الخوارج الطاعنين في أمير المؤمنين علي -t، وكان مصنَّفه يقتضي جمع كلِّ إسناد توفَّر فيه رجال الصحيح، وقد أقرَّ بأنَّه أخرج فيها ما اتَّفق عليه الناس، وما اختلفوا فيه، كما قال في كتابه (المدخل إلى الإكليل): “وقد صنَّفتُ أنا على كتاب كلٍّ مِنهما كتابًا، وعرَّفت شرط كلٍّ مِنهما، الصحيح والسقيم، ممَّا اتفقنا عليه، واختلفنا فيه”[1]، وهو يقصد كتابه (المستدرك)، وهذا يكفي للعذر.

كما أنَّ بيئة نيسابور في القرن الرابع الهجري كانت تعيش تجاذبات مذهبية مركَّبة، فيكون اتِّهام الحاكم بالتشيُّع لا يعني بالضرورة الانتماء والولاء السياسي للشيعة المتطرِّفة، ويمكن إدراجه تحت ما يُمكن أن يُقال عنه: تشيُّع علمي، أو ميول عاطفي بالثناء لأهل البيت، وهو نمط مذهبي كان شائعًا ضمن أطر أهل السنَّة، لا يُخرجه عن دائرة العدالة والاعتبار، سيَّما أنَّ المحدِّثين كانوا يفرِّقون بين البدعة الخفيفة، والبدعة المغلَّظة.

ثانيًا: (معضلة الاستعجال):

المعضلة أنَّ الباحثين المستعجلين على علم الحديث إذا كتبوا فيه أفحشوا في النقل، وكسروا موازين المحدِّثين، وأفسدوا أحكام التصحيح والتضعيف بالظنِّ، والتخرُّص، والمبالغة بعبارات الأنا “ما أقرِّره، وما أراه، وما توصَّلت إليه، ولم أجد، ولم يسبقني أحد”، وهو سابق اللسان قبل التعقُّل!

وهذه الشروخ النفسية تتسرَّب مِنها أمراض النقد، وأغراض الجرح المظلم، واضطراب قواعد النقد الحديثي، ويغفل عنها في الترجيح لمثل هذا الاختلاف في الحاكم، إذ لن تخلو صفحة في ترجمة الإمام الحاكم مِن تعارض أقوال الجرح والتعديل فيه، ولكنَّ غير المنصف ينتقي ما يوافق غرضه، فيكون مَيَّالًا للتعصُّب قصدًا، ويحذف جانب التعديل والإعذار للإمام الحاكم.

علمًا بأنَّ عبارات الجرح بالتشيُّع عند علماء الحديث كانت دقيقة في الاستعمال، فهم يفرِّقون بين ثلاث عبارات[2]:

عبارة “التشيُّع” التي تعني محبَّة علي، ومجرَّد الميول إليه، وجاءت بعض عبارات الجرح بالنصِّ تقول: “يتشيَّع، يميل للتشيُّع”.

أمَّا عبارة “شيعي” فهي تعني أنَّ الشخص اعتنق آراء المذهب الشيعي، وإذا رأى تقديم عليٍّ على الخلفاء فهو “شيعيٌّ غالٍ”، وإذا انضاف إلى ذلك السبُّ والطعن والتصريح ببغض الخلفاء والصحابة فهو “الرفض”.

ومِن الضبط أن تُراعى عبارات الجرح، لأنَّها اصطلاحات مختصرة ذات مدلولات ومفاهيم معتبرة بين المحدِّثين، وأن يلاحظ استدراك النُّقاد على بعضهم بضبطها. وهذا ملحوظ كثيرًا في استدراك الإمام الذهبي على المتشدِّدين -خاصَّة في جرح الإمام الحاكم ذاته، عندما أطلقوا عليه تهمة الرفض، أو نسبوه إلى المذهب الشيعي، فقال: “كلَّا.  ليس هو رافضيًّا، بلى يتشيَّع”، وقال: “كان مِن بحور العلم على تشيُّعٍ قليلٍ فيه”، وقال: “تشيُّعه خفيف”[3]. وهذا التمييز للعبارات مقصود، حتَّى لا تختلط الأحكام بينها.

ولمعرفة المزيد يمكن الاستفادة مِن كتاب: (شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل)، للعلامَّة أبي الحسن السليماني -حفظه الله، وهو مِن أمتع وأجمع المصنَّفات التي استفدت مِنها.

حقيقة تشيُّع الحاكم. الحقيقة التي أغفلها د. فضل مراد 3 1 حقيقة تشيُّع "الحاكم".. الحقيقة التي أغفلها د. فضل مراد

ثالثًا: (موازنة الكبار):

استدراك الموازنة في تقييم الإمام الحاكم كما أفادها الإمام ابن تيمية -رحمه الله، بقوله: “لكن تشيُّعه وتشيُّع أمثاله مِن أهل العلم بالحديث، كالنسائي وابن عبد البرِّ وأمثالهما، لا يبلغُ إلى تفضيله على أبي بكر وعمر، فلا يُـعْرف في علماء الحديث مَن يُفضِّله عليهما، بل غايةُ المتشيِّع مِنهم أن يفضِّله على عثمان، أو يحصل مِنه كلامٌ أو إعراضٌ عن ذكر محاسن مَن قاتله، ونحو ذلك”[4].

وإذا ما درسنا مذهب الإمام الحاكم فهو يتجلَّى مِن منظومة إسناده الحديثي، إذ تلقَّى العلم والحديث عن أساطين أهل السنَّة، ولم ينقل مشايخه عنه طعنًا في عقيدته، وهكذا تلقَّى عنه تلاميذه، ومِن أشهرهم الإمام البيهقي، فلم ينقلوا عنه تحذيرًا أو طعنًا في عقيدته، ولا التهمة بالتقية والتخفِّي.

فثمَّت شوكة ميزان ينصبها الكبار حول ما قيل في الحاكم على أمثاله، وأنَّ التشيُّع في زمنهم كان مجرَّد التفضيل لعليٍّ، وأمَّا مَن غالى في التشيُّع سينتقص الخلفاء الثلاثة، ومَن ترفَّض سيسبُّ ويشتم الخلفاء.

أيضًا، لم يثبت أنَّ الإمام الحاكم كان يغمز برواة أهل السنَّة، فضلًا عن أن يطعن فيهم، بل كان يحملهم على العدالة، ويحكم فيهم بحسب مراتب التعديل المعتبرة، وليس عنده مِن الهوى والتشهِّي للطعن والجرح بتهمة “النَّصب”، ووجدت له جرحًا واحدًا بـ”النَّصب” في الراوي “جعفر بن سليمان الضبعي”[5]، وفي كتابه (تاريخ نيسابور) لم يظهر له طعن بالنصب، بل نزَّهه كثيرًا عن أغراض الميل المذهبي، حتَّى مع خصومه مِن الحنفية، والمعتزلة.

وهذا ما أفاده تاج الدين السبكي في دفاعه عن الحاكم، فقال: “ثُمّ نظرنا تراجم أهل السنَّة في تاريخه [تاريخ نيسابور] فوجدناه يُعطيهم حقّهم مِن الإعظام والثناء، مع ما ينتحلون، وإذا شئتَ فانظر ترجمة أبي سهل الصعلوكيِّ، وأبي بكر بن إسحاق، وغيرهما، مِن كتابه، ولا يظهر عليه شيء مِن الغمز على عقائدهم”[6].

حقيقة تشيُّع الحاكم. الحقيقة التي أغفلها د. فضل مراد 5 حقيقة تشيُّع "الحاكم".. الحقيقة التي أغفلها د. فضل مراد

رابعًا: (نقد الإمام الحاكم في رواة الشيعة):

يمكن للقارئ المنصف أن يطَّلع على عبارات الإمام الحاكم في جرح رواة الشيعة، إذ لو كان شيعيًّا ما طعن في بعض الرواة، بعبارة “شيعي”، وهذا مِن أهمِّ الأدلة التي يجب أن تكون محلَّ اهتمام في تقيم الإمام الحاكم، ومِن الأجدر أن نستقرئ عدله وميوله وصدق لهجته في الجرح والتعديل، ونذكر بعض الأمثلة التي أشار إلى بعضها العلَّامة عبدالرحمن المعلِّمي، وغيره مِن المحدِّثين المعاصرين، وما وجدناه يستحقُّ الإضافة. ومِن أهمِّها:

(١) قال الحاكم في شيخه الحافظ أبي بكر أحمد بن محمَّد بن السَّري بن أبي دارم: “هو رافضيٌّ غير ثقة”[7]. فلم يحابِ شيخه بميزان النقد.

(٢) وقال الحاكم في تليد بن سليمان المحاربي: “رديء المذهب منكر الحديث، روى عن أبي الجحاف أحاديث موضوعة، كذَّبه جماعة أئمَّتنا”[8]. وكان “تليد بن سليمان” شيعيًّا غاليًا في المذهب قيل فيه: “رافضي خبيث”، وقال أبو داود: “تليد رجل سوء يشتم أبا بكر وعمر[9].

(٣) وقال الحاكم في أبي الجارود الأعمى زياد بن المنذر الكوفي: “رديء، يروي المناكير في الفضائل عن الأعمش وغيره”[10]، وزياد -هذا- تنتسبُ إليه الجارودية، مِن فرق الزيدية، وهي أقربهم إلى الرافضة.

(٤) وقال الحاكم في عبَّاد بن يعقوب الرواجني: “وكان مِن الغالين في التشيُّع، إلَّا أنَّ أبا بكر محمَّد بن إسحاق كان يقول: حدَّثنا الصدوق في روايته المتَّهم في دينه”[11].

(٥) وقال الحاكم في الوليد بن عبدالله بن جميع: “في حديثه ما يدلُّ على ما رواه مِن الميل عن الطريق وغيره”[12]، والوليد -هذا- كوفي، وقد وثَّقه جمهور الأئمَّة، ولم يجرحه بالتشيُّع إلا الإمام الحاكم، والإمام البزَّار في قوله: “كانت فيه شيعية شديدة…”[13].

(٦) وقال الحاكم في يونس بن بُكير: “لم يُحتجَّ بحرف مِن حديثه في الأصول، على أنِّي قد تأمَّلتُ كلَّ ما قيل فيه، فلم أجد أحدًا مِن أئمَّتنا استزاره في حفظ أو إتقان، أو مخالفة للثقات في رواياته، إلَّا لميله عن الطريق في تشيُّعه”[14]. فإذا كان جمهور الأئمَّة على توثيق يونس بن بكير -هذا- فإنَّ الحاكم كشف جرحه بالتشيُّع بعد التحقُّق مِنه.

(٧) ونقل الحاكم في خالد بن مخلد القطواني قول إبراهيم بن يعقوب: “كان خالد بن مخلد شتَّامًا، مُعلنًا بسوء مذهبه[15]. وتُشير عبارة “مُعلنًا بسوء مذهبه” إلى أنَّ الجرح ينشأ مِن ظهور البدعة وإعلانها، وليس بمجرَّد التهمة بالتشيُّع.

(٨) وقال الحاكم: أخبرني أبو بكر محمَّد بن أحمد بن بالويه قال: ثنا معاذ بن المثنَّى العنبري، قال: سألت علي بن المديني، عن أبي إسرائيل الملائي، فقال: “لم يكن في حديثه بذاك، وكان يذكر عثمان. يعني بالسوء”[16].

(٩) وذكر الحاكم في معرفة علوم الحديث، عند النوع الثاني والثلاثين (معرفة مذاهب المحدِّثين)، أي المذاهب التي يُجرَح الراوي بها، وذكر مِنها مذهب غلوَّ التشيُّع، وروى بإسناده عن إبراهيم بن يعقوب قال: سمعت علي بن الحسين بن واقد، يحدِّث عن أبيه قال: “قدمت الكوفة فأتيت السدِّي، فسألته عن تفسير سبعين آية مِن كتاب الله -عزَّ وجلَّ- فحدَّثني، فلم أرم مجلسي حتَّى سمعته يسبُّ أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما، فلم أعد إليه”[17]، فهو يُقرِّر ترك رواية الشيعي لمجرَّد سبِّه الخلفاء.

حقيقة تشيُّع الحاكم. الحقيقة التي أغفلها د. فضل مراد 4 حقيقة تشيُّع "الحاكم".. الحقيقة التي أغفلها د. فضل مراد

خامسًا: (روايته عن معاوية بن أبي سفيان، ومناقب مَن خالف أمير المؤمنين علي):

اشتهر القول: أنَّ الحاكم أخفى مناقب أمير المؤمنين معاوية -رضي الله عنه، ولم يذكر مناقب مخالفي أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه! لكنَّ الناظر في كتاب (المستدرك) له يلتمس خلاف ذلك، ومِن الشواهد ما يلي:

(١) روى الحاكم مِن طريق أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان عشرات الأحاديث، وترضَّى عن معاوية، فقال: عن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -r- قال: (لا تُلحِفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحدٌ مِنكم شيئًا فتخرج له منِّي المسألة، فأعطيه إيَّاه وأنا كاره، فيُبارك له في الذي أعطيه)، ثمَّ قال الحاكم عقبه: “هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السياقة”، ووافقه الإمام الذهبي[18]. وهذا شاهد نادر ظفرت به، رغم أنَّ الكثير مِن الباحثين يتداولون أنَّ الحاكم كان يغمط معاوية، وأنَّه رفض أن يذكر له منقبة، وها هو قد ترضَّى عنه.

(٢) كما أورد الحاكم لمعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- خطبة في الحجِّ، في نهيه عن التحديث بالقصص والأهواء؛ ثمَّ قال الحاكم عقبها: “هذه أسانيد تُقام بها الحجَّة في تصحيح هذا الحديث”[19]، ولم يغمز في معاوية بأيِّ مغمز، فضلًا عن أن يطعن فيه.

(٣) وأورد الحاكم في (المستدرك) مناقب مخالفي أمير المؤمنين عليٍّ -رضي الله عنه؛ كالزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله -رضي الله عنهم، ما يعني أنَّ له اعتقادًا سليمًا فيهم.

(٤) وروى الحاكم عن علي بن أبي طالب، قال: “كنت إذا سمعت رسول الله -r- حديثًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني، وإذا حدَّثني غيره عنه استحلفته فإذا حلف لي صدَّقته، وحدثني أبو بكر وصدَق أبو بكر.. الخ”[20]، يقصد أنَّه لم يستحلف أبا بكر الصدِّيق -رضي الله عنه- لأنَّه مُصدَّق بحديثه عنده. والشاهد أنَّ الحاكم يعتقد أنَّ الخليفة أبا بكر في أعلى مراتب العدالة في حديثه، وأنَّ عليًّا كان يُصدِّقه في حديثه رضًا بمقامه عنده.

(٥) وأورد الحاكم مناقب عمرو بن العاص -رضي الله عنه، دون أن يطعن فيه بكلمة واحدة[21]. وأورد حديثًا لعمرو بن العاص أنَّه قال: “إنِّي لأرجو ألَّا يكون رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- مات يوم مات وهو يحبُّ رجلًا أن يدخل النار أبدًا. قالوا: إنَّا كنَّا نراه يحبُّك، ويستعين بك، ويستعملك. فقال: والله أعلم بحبِّي، ولكن كفى به، وكنَّا نراه يحبُّ رجلًا. قالوا: ومَن ذاك؟ قال: عمَّار بن ياسر. قالوا: فذاك قتيلكم يوم صفِّين”، ثمَّ قال الحاكم عقبه: “هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، إن كان الحسن بن أبي الحسن سمعه مِن عمرو بن العاص، فإنَّه أدركه بالبصرة بلا شكٍّ”[22]. وهذا شاهد صريح على عدم تعصُّب الحاكم بالتشيُّع، وكأنَّه يروي حديث عمرو بن العاص ليعتذر له أنَّه ندم على صفِّين بعد وقوع دلائل النبوَّة بقتل عمَّار.

ولمـَّا كانت تهمة الحاكم بالتشيُّع تتعلَّق بروايته الموضوعات في فضائل علي بن أبي طالب، أجاب العلَّامة المعلمي عن هذا بالقول: “لا أرى الذنب للتشيُّع، فإنَّه يتساهل في فضائل بقيَّة الصحابة كالشيخين وغيرهما”، فقد أورد موضوعات في فضائل الخلفاء الثلاثة، وهذا ما ينفي التهمة عنه، ولعلَّ صنيع الحاكم هذا كان لغرض الاستكثار مِن الروايات برجال الصحيح، وهو كما سبق يقرُّ بأنَّ فيها ما يخالفه غيره مِن المحدِّثين. وقد استطرد العلَّامة المعلمي في أغراضه[23].

سادسًا: (اختلاق معايير ليست مِن قواعد النقد الحديثي):

ليس مِن معايير النقد أنَّ مَن تحدَّث في فضائل أمير المؤمنين عليٍّ -رضي الله عنه، أو كتم مناقب معاوية -رضي الله عنه، يُنسب إلى التشيُّع، إنَّما قاعدة الجرح بالبدعة هي الولاء للبدعة، ثمَّ ما ينضاف إليها مِن التعصُّب والدعوة إليها، والطعن بالخلفاء والصحابة. ويجدر هنا التنبيه لأمور:

الأوَّل: أنَّ رواية الموضوعات في فضل أمير المؤمنين علي جعلها المحدِّثون محلَّ نقد لذات الوَضع، وليس لأنَّها ترفع مِن منقبة أمير المؤمنين علي، لأنَّ فضله أشهر مِن أن يَفتقِر إلى رواية الموضوعات، ولأنَّها مَشوبة بالغلوِّ فيه، أو تُفضي إلى الطعن بالصحابة. كما أنَّ علماء الحديث كانوا يذكرون التهمة بالتشيُّع في سياق الإجراء الحديثي المشعر بالتحرِّي في روايات الراوي، والتحقُّق بمدى علاقته بالبدعة، ولم يكن هذا الإجراء هو الحكم بالجرح، لأنَّ مطلق التهمة تحتاج إلى التفسير، بحسب قاعدة: (قبول الجرح مُفسَّرًا) وإلَّا فالأصل العدالة. والحاكم أورد الموضوعات مع البراءة مِن العُهدة بأسانيدها، ولم يقصد الدعوة إلى التشيُّع، لأنَّه لو كان شيعيًّا ما أورد موضوعات في فضائل الخلفاء الثلاثة، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يكن له ميل ظاهر بالاعتقاد ذاته. وقد ثبت أنَّ الحاكم لم يُصحِّح حديث الطير، كما أورد الذهبي عنه، أنَّه سُئل عن حديث الطير فقال: “لا يصحُّ، ولو صحَّ لما كان أحد أفضل مِن عليٍّ بعد النبيِّ -عليه الصلاة والسلام”، فقال الذهبي عقبه: “هذه حكاية قوية”[24]. والعجيب أنَّ للذهبي -رحمه الله- رسالة مستقلَّة في جمع طرق حديث الطير، ولم يحكم بوضعها.

الثاني: أنَّ اشتهار أحاديث صحيحة في فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بين المسلمين لا تُسوِّغ متابعتها برواية الضعيف والموضوعات بأيِّ حال، لكن حصل عند بعض المحدِّثين نوع مِن التساهل في إدراج الضعيف والموضوعات تحت أصل الأحاديث الصحيحة، فربَّما وقعت لهم التهمة بالتشيُّع لأجلها. وهذا استعمال خاطئ لقاعدة التحديث بما يندرج تحت أصل صحيح، وربَّما كانت التهمة للحاكم في هذا السياق.

الثالث: أنَّ تشدُّد علماء الحديث في حقِّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كان لأنَّ حبَّه صار ذريعة للوضع والكذب فيه، مع شَوب الاعتقاد الباطل في حقِّه، فمِن أجل هذه الشبهة “الاعتقاد بالكذب” اتَّخذوا الجرح في حقِّ الحاكم وغيره بمطلق التهمة لسدِّ الذريعة في الرواية عنه، ما يدعو إلى غلو التشيُّع؛ لكن لم يُسقطوا الاعتبار بأحكامه في سواها عند ثبوت صدق الحديث، وسلامة الإسناد، وإن كان معدودًا مِن المتساهلين مِن حيث الجملة.

ختامًا.. أتمنَّى أن أكون قد أضأت الجانب المهجور مِن صفحة الإمام الحاكم -رحمه الله، بهذه التعليقات، ولا زلت أتردَّد في التعقيب على الدكتور فضل مراد، في كثير مِن الأحاديث التي يشطبها بالتضعيف والبطلان، بأحكام كلِّيَّة شاذَّة، إمَّا لسوء استعمال قواعد النقد الحديثي، أو لعدم وضع أقوال علماء الجرح في سياقها الصحيح، والخلط في تقعيد مرتبة الراوي مِن مراتب الجرح، بين ما يجوز فيه الاعتبار والاستشهاد وما يجب فيه الردُّ وما يلزم مِنه الترجيح، والنظر بأقوى ألفاظ الجرح، والمقارنة بين الجرح مِن متشدِّد، أو معتدل، أو متساهل، وغيرها مِن طرق السبر والاعتبار في أحوال الرواة، ناهيك عن طرق كشف العلَّة، والتفريق بين التعليل الخفي والظاهر، والقادح وغير القادح، وهذا ما تميَّز به المهرة الممارسون لدراسة الأسانيد.

وأغرب ما اصطلح عليه الدكتور فضل مراد، وارتضاه لنفسه، أنَّه يرى الخلاف في الراوي جرحًا فيه، إذ يقول: إنَّه “مختلف فيه” ليطرح رواية الراوي، وهذا تصرُّف شاذٌّ، يقصد مِنه أن يُعفي نفسه عن الترجيح الذي لا بدَّ مِنه، أو يُخفيه للتعصُّب إن لم يكن إرضاء لرغبة الجمهور السنِّي في نقد الشيعة. وهذا خلاف المنهج العلمي المتَّبع.

وربنا المستعان.


([1]) المدخل إلى كتاب الإكليل، الحاكم، تحقيق د. فؤاد عبدالمنعم، دار الدعوة، الإسكندرية- مصر: ص٣٢.

([2]) انظر: فتح الباري (المقدِّمة خاصَّة)، ابن حجر، دار المعرفة، بيروت- لبنان، 1379ه: ج1/459.

([3]) انظر هذه الأقوال في: سير أعلام النبلاء، الذهبي: ج17/174، وأيضًا: ج16/358.

([4]) منهاج السنَّة، ابن تيمية تحقيق محمَّد رشاد سالم، جامعة الإمام محمَّد بن سعود الإسلامية، ط1/1406هـ- 1986م: ج7/373.

([5]) المدخل إلى الصحيح، الحاكم، تحقيق ربيع بن هادي المدخلي، مؤسَّسة الرسالة، ط1430هـ: ج4/126.

([6]) طبقات الشافعيّة، تاج الدين السبكي، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، ط2/1413هـ: ج4/159.

([7]) سير أعلام النبلاء، الذهبي: ج15/578.

([8]) المدخل إلى الصحيح، الحاكم، مرجع سابق: ج١/١٥٤، رقم: ٢٩.

([9]) انظر: سؤالات الآجري: ص30، رقم: 1871.

([10]) انظر: المدخل إلى الصحيح، الحاكم، مرجع سابق: ج١/ ١٦٦، رقم: ٦٢.

([11]) انظر: المدخل إلى الصحيح: ج٤/١٩٩، رقم: ٢١.

([12]) انظر: المدخل إلى الصحيح: ج٤/١٥٨، رقم: ٦٨.

([13]) مسند البزَّار، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة- السعودية، ط1/2009م: ج7/227، رقم: 2800.

([14]) انظر: المدخل إلى الصحيح: ج٤/١١٤، رقم: ١٣.

([15]) المدخل إلى الصحيح: ج٤/١٧٣، رقم: ٨٨.

([16]) معرفة علوم الحديث: ص١٣٦.

([17]) معرفة علوم الحديث: ص١٣٥- ١٣٦.

([18]) انظر: المستدرك، الحاكم، مرجع سابق: ج٢/٦٢، رقم: ٢٣٦٢، كتاب البيوع، باب هذا البيع يحضره الكذب.

([19]) انظر: المستدرك: ج١/١٢٨، رقم: ٤٤١.

([20]) انظر له: المدخل إلى الإكليل: ص٧٠.

([21]) انظر: المستدرك: ج٣/٥٢٤، مناقب عمرو بن العاص.

([22]) انظر: المستدرك: ج٣/٣٩٢، رقم: ٥٦٧٧.

([23]) ينظر: آثار الشيخ العلَّامة عبدالرحمن المعلِّمي، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، ط1/1434هـ: ج10/767.

([24]) سير أعلام النبلاء: ج12/571.

آدم الجماعي

كاتبٌ وباحثٌ في الفكر الإسلامي. ومدير - سابق - لمركز الإمام الشَّوكاني لتأهيل الدعاة، إب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى