
تمهيد:
ينبغي قبل الولوج في هذا المبحث المهمِّ أن نحدِّد المفاهيم التي نقصدها في ألفاظ العنوان، ذلك أنَّ مِن الطبيعي أن يحدث إشكال في الفهم، وتشكُّك في الطرح، وردَّة فعل إزاء الأفكار الواردة فيه، إذا التبست المفاهيم على القرَّاء. وأكثر ما يُعتنى به في البحث الأكاديمي تحديد المصطلحات، وبيان المراد مِنها، إذ هي الناقل الرئيس للأفكار والآراء التي يتضمَّنها البحث، وإذا ما أخطأ الباحث في هذا الأمر صدر عن غير رؤية واضحة.
ويمكننا أن نحدِّد المراد بالألفاظ الواردة في العنوان في المفاهيم المقابلة لها، كما يلي:
-نقصد بالديني: كلُّ ما يرجع تلقِّيه وأخذه عن الوحي باعتباره المصدر الرئيس له، وعلى أساس أنَّه محلُّ تصديق لله وطاعة له، أكان خبريًّا أو تشريعيًّا؛ وهذا ينطبق على الرسالات السماوية جميعًا، في حالتها النقيَّة الصحيحة.
-ونقصد بالدنيوي: كلُّ ما يُرجع فيه إلى الإنسان، ومداركه وغرائزه وخبرته، باعتباره المصدر الرئيس له، وعلى أساس أنَّ الوحي لم يأت فيه بشيء خبري ولا تشريعي.
-ونقصد بالإسلام: الدين الإسلامي الخاتم، الذي بعث به محمَّدٌ -صلَّى الله عليه وسلَّم، عقيدة وشريعة وأخلاقًا ومنهج حياة، باعتباره دينًا حاكمًا على الإنسان وما يصدر عنه، ومرجعًا له في عالم الغيب وفي معرفة ما يخبر الله به، ويأمره به.
ونقصد بالعلمانية: الفكرة الداعية إلى فصل الدين عن الدولة في الحدِّ الأدنى مِنها، وفصل الدين عن الحياة في الحدِّ الأعلى مِنها، باعتبار الدين نقيضًا للعلم والعقل.
فكلُّ ما سيكتب في هذه الورقة يلتزم بهذه المعاني بخصوص العبارات المذكورة، ولا تلزم الكاتب المفاهيم الأخرى التي يمكن تداولها في حقول العلوم الشرعية أو الدينية أو الطبيعية أو الفلسفية أو الفكرية، وإن عبَّرت عن وجه مِن وجوه التعبير عن تلك الألفاظ.
الدين والدنيا:
الدنيا هي الفترة الزمنية التي يعيشها بنو آدم في هذه الأرض، لاختبارهم فيها، والنظر إلى مدى قبولهم بالهدى المنزل مِن عند الله تعالى، والعمل بموجبه؛ قال تعالى: ((إِنَّا جَعَلنَا مَا عَلَى الأَرضِ زِينَةً لهَا لِنَبلُوَهُم أَيُّهُم أَحسَنُ عَمَلًا))[1]، فهي مرحلة زمنية متعلِّقة بالأرض يمرُّ بها الإنسان في رحلته مِن الوجود إلى الخلود.
أمَّا الدين فهو الهدى الإلهي المنزل إلى البشر، عن طريق الوحي، مِن خلال اصطفاء رسل مِن الملائكة ورسل مِن البشر لتبليغ هذا الدين والعمل على تمكينه في واقع البشر. وهذا الهدى مِنه ما هو: عقدي وعبادي وتشريعي وقيمي وأخلاقي؛ ما يجعله شاملًا للبعد المعرفي والروحي والعملي وال والوجداني. وهو خاصٌّ بالدنيا، أي أنَّ هذا الدين بهذه الأبعاد ينتهي دوره في الدنيا، إذ الآخرة مرحلة حساب وجزاء.
والقاسم المشترك بين هذين الأمرين (الدنيا والدين) هو الإنسان، وهي الثلاثيَّة التي يؤكِّد عليها القرآن الكريم والإنسان في الوسط مِنها. ولا تزال الدنيا قائمة ما وجد الإنسان، ولا يزال الهدى الإلهي ينزل ما دام هناك بشر يلتمسون الخروج مِن ظلمات الشرك والجهل.
وهذان العنصران لم يكونا في توافق تامٍّ في الوعي البشري، ما كان يجعله يجنح لأحدها أو يتطرَّف ضدَّه؛ فكما أنَّ في الإنسان نوازع للتديُّن فلديه كذلك غرانز وشهوات دنيوية تبعده عن الدين، ما يجعل الدنيوي والديني في حالة تنازع لديه، نفسيًّا وعقليًّا. وإنَّ مِن أبرز تجلِّيات هذا التنازع بين الديني والدنيوي في نفس الإنسان الذنوب، فالذنوب هي حالة تغلُّب الحالة الدنيوية على الحالة الدينية في الإنسان.
ومع انغماس المجتمع البشري في الشهوات والملذَّات، تنشأ لديه رغبة في التخفُّف مِن الدين أو تضييق حدوده أو تعطيل آثاره. قال تعالى على لسان قوم شعيب في استنكارهم على ما يدعوهم إليه: ((.. أَصَلَاتُكَ تَأمُرُكَ أَن نَّترُكَ مَا يَعبُدُ آبَاؤُنَا أَو أَن نَفعَلَ فِي أَموَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ))[2]، فهم لا يريدون لصلاته أن تؤثِّر في توجيه أفكار المجتمع ومعاملاته وخصوصًا مِنها المالية، فالدين لا ينبغي له تقييد معاملاتهم المالية، سواء مِن حيث جوهر الدين وأصله، أو مِن حيث تفسيره وتأويله وتطبيقه، فالآية لم توضِّح ذلك لكون الاحتمالين واردين على قومه، فمِنهم مَن يرى أنَّه مِن غير المتصوَّر أن يأت الدين بأحكام تتعلَّق بالجانب الاقتصادي، ومِنهم مَن يرى أنَّه وإن أتى بذلك فلا مجال للعودة للدين في أمور الدنيا، لهذا قالوا: ((إنك لأنت الحكيم الرشيد)).
وهناك صورة أخرى يلجأ فيها الإنسان لتجاوز الدين، وهي عندما يتحوَّل المجتمع إلى طبقات عُليا ودُنيا، ويكون مِن المتعذَّر أن تُلزَمَ الطبقات العُليا بذات الشرائع الملزمة للطبقات الدنيا؛ هنا يتدخَّل البشر لإعادة صياغة بديلة عن الدين أو تطبيق الدين بصورة مزدوجة. ففي الحديث أنَّه مُرَّ على النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- بيَهوديٍّ مُحَمَّمًا مَجلودًا، فدَعَاهم وقال لهم: (هَكَذا تَجِدونَ حَدَّ الزَّاني في كِتابِكم؟). قالوا: نعم. فدعا رجلًا مِن علمائهم، فقال: (أنشُدُكَ باللَّهِ الذي أنزَلَ التَّوراةَ على مُوسَى.. أهَكَذا تَجِدون حَدَّ الزَّاني في كِتابِكم؟). قال: لا، ولولا أنَّك نَشَدتَني بهذا لم أُخبِرك، نَجِدُه الرَّجم، ولكنَّه كَثُرَ في أشرافنا، فكُنَّا إذا أخَذنا الشَّريفَ تَرَكناه، وإذا أخَذنا الضَّعيفَ أقَمنا عليه الحدَّ، قُلنا: تَعالَوا فلنَجتَمِع على شيءٍ نُقيمُه على الشَّريفِ والوضيعِ، فجَعَلنا التَّحميم والجَلدَ مَكان الرَّجمِ[3]. وفي رواية أنَّ النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- سألهم: (فما أوَّلُ ما ارتَخَصتُم أمرَ اللهِ؟). قال: زنَى ذو قَرابةٍ من مَلِكٍ من مُلوكِنا فأُخِّرَ عنه الرَّجمُ، ثمَّ زنى رجُلٌ في أسرةٍ من الناسِ فأرادَ رَجمَه فحال قومُه دونَه، وقالوا: لا يُرجَمُ صاحبُنا حتَّى تجيءَ بصاحِبِك فترجُمَه، فاصطَلَحوا على هذه العقوبةِ بينَهم[4]. وقد حكى رسول الله عن بني إسرائيل أنَّهم (كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه)[5].
والصورة الأخرى هي عندما يعجز الفقهاء والعلماء مِن تحريك عجلة الاجتهاد والتجديد لمواكبة التغيُّرات والتحوُّلات بفقه شرعي واسع ومستوعب، يعزِّز مرجعية الدين ويرفع الآصار والأغلال التي يضعها البشر على عواتقهم. وهي مشكلة بدأت مبكِّرة في الدولة الإسلامية، ورصدها ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله، وعملا على تحليل مظاهرها وأسبابها ونتائجها، منبِّهين لخطورتها.
يقول ابن تيمية -رحمه الله: “لمـَّا صارت الخلافة في ولد العبَّاس، واحتاجوا إلى سياسة الناس، وتقلَّد لهم القضاء مَن تقلَّده مِن فقهاء العراق، ولم يكن ما معهم مِن العلم كافيًا في السياسة العادلة، احتاجوا حينئذ إلى وضع ولاية المظالم، وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع. وتعاظم الأمر في كثير مِن أمصار المسلمين حتَّى صار يُقال: الشرع والسياسة، وهذا يدعو خصمه إلى الشرع، وهذا يدعو إلى السياسة، وسوَّغ حاكمًا أن يحكم بالشرع والآخر بالسياسة. والسبب في ذلك أنَّ الذين انتسبوا إلى الشرع قصَّروا في معرفة السنَّة، فصارت أمور كثيرة إذا حكموا ضيَّعوا الحقوق وعطَّلوا الحدود، حتَّى تُسفَك الدماء وتؤخذ الأموال وتُستباح المحرَّمات. والذين انتسبوا إلى السياسة صاروا يسوسون بنوع مِن الرأي، مِن غير اعتصام بالكتاب والسنَّة، وخيرهم الذي يحكم بلا هوى وتحرَّى العدل، وكثير مِنهم يحكمون بالهوى ويحابون القويَّ ومَن يرشوهم”[6].
ويرى ابن القيم -رحمه الله- أنَّ تفريط طائفة أدَّى إلى تعطيل الحدود، وتضييع الحقوق، وتجريء أهل الفجور على الفساد، إذ “جعلوا الشريعة قاصرة، لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها، وسدُّوا على نفوسهم طرقًا صحيحة مِن طرق معرفة الحقِّ والتنفيذ له، وعطَّلوها، مع علمهم وعلم غيرهم قطعًا أنَّها حقٌّ مطابق للواقع، ظنًّا مِنهم منافاتها لقواعد الشرع، ولعمر الله إنَّها لم تناف ما جاء به الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم، وإن نافت ما فهموه مِن شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر، فلمَّا رأى ولاة الأمور ذلك، وأنَّ الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلَّا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء مِن الشريعة، أحدثوا مِن أوضاع سياساتهم شرًّا طويلًا، وفسادًا عريضًا، فتفاقم الأمر وتعذَّر استدراكه وعزَّ على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس مِن ذلك، واستنقاذها مِن تلك المهالك”. وأضاف إلى أنَّ هناك طائفة أخرى، تقابل هذه الطائفة، فرَّطت “فسوغَّت مِن ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله”. وكلتا الطائفتين بحسب ابن القيم “أُتيت مِن تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه”[7].

نشأة العلمانية:
لم تكن العلمانية في نشأتها في أوربَّا، في القرن السابع عشر الميلادي، نتيجة ترف فكري أو تقليد خارجي، بل نتيجة ضرورة ملحَّة أدَّت بأن يثور الأوربيُّون على الكنيسة والدين الكنسي. وتتلخَّص أسباب نشأة العلمانية بأوربَّا[8] في جناية رجال الدين النصراني والكنيسة بتحريف الدين واستغلالهم له، حيث يرى أنَّ العلمانية كانت نتاجًا حتميًّا لظروف تاريخية دينية واجتماعية معقَّدة عاشها الغرب.
فقد شهدت أوريَّا طغيانًا كنسيًّا لا مثيل له، حيث فرض رجال الكنيسة عقائد وتصوُّرات وتأويلات تخالف العقل والمنطق، وقهروا الناس على الإيمان بها والتسليم لها، وحاصروا وحاربوا وربَّما قتلوا كلَّ مَن يخالفها أو يعترض عليها؛ كما فرضوا الضرائب والرسوم الكنسية العالية جدًّا، وسيطروا على الأراضي الزراعية والغنية بالموارد، وعاشوا حياة باذخة في ظلِّ فقر وجوع يعيشه أتباع الكنيسة؛ وتحالف رجال الدين مع الملوك الجبابرة وبرَّروا ظلمهم وفسادهم واستعبادهم للشعوب.
فضلًان عن ذلك منح رجال الدين الكنسي أنفسهم ادِّعاء حقوق إلهية، مثل منح “صكوك الغفران” و”التوبة” و”الحرمان مِن الجنة” وبيع أراضي الجنَّة على رعاياهم؛ وحاربوا العلماء والمفكِّرين والمستكشفين، وأسَّسوا لـ”محاكم التفتيش”، التي تحاكم الناس على دينهم ومعتقداتهم ونواياهم، مِن خلال وسائل التعذيب البشعة. كما تورَّطوا في إشعال فتيل الحروب الدينية الخارجية، والمذهبية الطائفية بين أتباع المسيحية ذاتها.
هذه الأمور وغيرها صنعت فجوة وخلقت عداوة في نفوس الشعوب الأوربِّية تجاه الدين المسيحي، وحشد العلماء والمفكِّرين والمستكشفين والنخب المثقفة لبناء قوَّة مجتمعيَّة جماهيرية ثائرة، وقادت الثورة ضدَّ الأنظمة الملكية والدين المسيحي، وأنهت حالة الطغيان الديني والسياسي. ولكي تكون الثورة مكتملة حمل الثوَّار تصوُّرات حديثة عن الإنسان والكون والحياة تستند إلى العقل والعلم والتجربة، بعيدًا عن الدين وبديلًا عنه. ومِن هنا نشأت العلمانية، كموقف جمعي مِن الطغيان الكنسي، في سياق تاريخي لا ينبغي إهماله وإغفاله.
هذا التحوُّل أخرج الشعوب الأوربِّية مِن ظلمات الضلال والخرافة والدين المحرَّف، الذي عطَّل العقل والعلم والتجربة، إلى نور العقل والعلم والتجربة في الأمور الدنيوية، ما أنتج تقدُّمًا في العلوم والمعرفة والنظم الإدارية والمؤسَّسية والصناعات والعمليَّات الإنتاجية في ثورة لم يشهد لها التاريخ مثيلًا في السرعة والشمول. وهذا كلَّه لم يكن بعيدًا عن تأثير الميراث المعرفي الإسلامي الذي حصلت عليه أوربَّا مِن احتكاكها بالمسلمين في الأندلس والمشرق العربي والأناضول، فترجمته وأفادت مِنه وبنت عليه وانصرفت لشئونها الدينية لا تلوي على شيء مِن الدين والقيم والأخلاق.[9]
تشكُّلات العلمانية:
أخذت العلمانية تشكُّلات عدَّة، بحسب ظروفها وبيئتها ومجتمعها، وإن ظلَّت تتمحور حول تشكُّلين بارزين هما:
الأوَّل: التشكُّل السياسي: وهو تشكُّل أزاح الدين عن السلطة والدولة والشئون العامَّة، لا مِن حيث العقائد والتصوُّرات ولا مِن حيث التشريعات والقوانين. وحصر الدين في الجانب الاجتماعي والفردي، بحيث تكون الدولة كيانًا لا دينيًّا، خاضعًا فقط لهيمنة المجتمع وسلطة العقل، فلا مجال فيه لخطاب وتأثير ديني، ويبقى الدين في الكنيسة وفي المجتمع والقناعات الفردية. وهذه العلمانية أتاحت للمجتمعات المتعدِّدة الأديان والمذاهب أن تعيش بوئام، وأن تنصرف لشئون الحياة الطبيعية، وأتاحت للمجتمع أن يطوِّر نظمه وقوانينه ويدير شئونه بالطرق والأساليب الأنسب. لكنَّها نزعت روح التديُّن مِن المجتمعات وأحالته إلى طقوس “روحيَّة” غير ذات أثر في المجتمع والفرد، ما ساعد في الانحلال الأخلاقي والقيمي بقدر معيَّن.
الثاني: التشكُّل الأيديولوجي: وهو تشكُّل حارب ظاهرة الدين عمومًا، ورسَّخ للإلحاد المطلق، وأجبر المجتمعات على التخلِّي عن الدين والقبول بنظريَّات مناقضة لما فيه مِن العقائد والتصوُّرات عن الغيب والإنسان والحياة والوجود. وهو ما أسهم في سقوط كلِّ المعاني الإنسانية والقيم والأخلاق وفتح باب الانحلال على مصراعيه.
أخذت أوربَّا الغربيَّة بالتشكُّل العلماني السياسي فيما أخذت أوربَّا الغربية بالتشكُّل العلماني الأيديولوجي؛ وعلى هذا الأساس تشكَّل في العالم معسكرين وقطبين، هما: المعسكر الغربي اللبرالي، والمعسكر الشرقي الشيوعي. في حين تراجع دور المسلمين وغاب حضورهم عن المشهد العالمي، لكنَّ بلدانهم ومجتمعاتهم وقعت أسيرة لهذين المعسكرين وأطروحاتهم العلمانية، نتيجة تأثُّر نخب مِن العرب والمسلمين بهذه الأفكار ونقلها إلى بلاد المسلمين، وسعيهم الحثيث لتمكينها في المجتمعات العربية والإسلامية مِن خلال تكوين حركات وأحزاب منظَّمة تستهدف الوصول للسلطة والحكم وفرض رؤاها.
بانتقال “العلمانية” إلى العالمين العربي والإسلامي فكرًا وممارسة دخلت المجتمعات المسلمة في صراع طويل في ساحة الفكر والممارسة، بين نخبة تدعو للعودة للإسلام ونخبة مقابلة تدعو للأخذ بالعلمانية. ولقد شهد القرن العشرين أسخن المعارك الفكرية والثقافية والحركية والسياسية بين التيَّارين الإسلامي والعلماني. وكما أنَّ صفَّ التيَّار العلماني لم يكن موحَّدًا كان الصفُّ الإسلامي كذلك، حيث توزَّعت مواقف الإسلاميين مِن هذه الدعوة الدخيلة على الأمَّة ما بين يمين ويسار ووسط، ودرجات بين هذه المواقف، مع تمسُّك الجميع بالإسلام كهويَّة ومرجعيَّة.
وممَّا ساهم في قبول الدعوة إلى العلمانية الأسباب التي ذكرها ابن تيمية وابن القيم مِن جهة، وهي الجهل والجمود، إضافة إلى عوامل: الافتراق الطائفي، والتعصُّب والصراع المذهبي، وغلبة الخرافة والشعوذة والأضاليل في مساحات التشيُّع والتصوُّف، ما أفقد المجتمعات حالة الاستقرار والأمن والوحدة والتقدُّم. خاصَّة أنَّ اتِّساع حركة الاحتلال الأوربِّي في المنطقة، وسقوط الدولة العثمانية، أسهما في تصعيد الأقليَّات وتمزيق الجسد الإسلامي وإثارة النزاعات الطائفية. كما أنَّ عودة المبتعثين مِن الغرب، مِن حملة الشهادات الجامعية، محمَّلين بالأفكار والثقافة الأوربِّية، إلى أوطانهم، ونشرهم لهذه الأفكار والثقافة وتبشيرهم بها بعد أن رأوا أثرها في أوربَّا، ساهم بشكل فعَّال في إيجاد دعاة للعلمانية مِن داخل المجتمع ذاته؛ في وقت كانت فيه حركة الترجمة نشطة كذلك وتنقل كلَّ ما ينتج عن الغرب إلى العالمين العربي والإسلامي.
ومع طول الأمد، بات هناك تيَّار علماني عريض في العالمين العربي والإسلامي، ينتسب إليه: أتباع أقليَّات عرقية ودينية، وأتباع فرق مختلفة، ونخب علمية وفكرية، ومثقَّفون وسياسيُّون، وشرائح واسعة في المجتمع، خصوصًا مِن الطبقات الثرية والباذخة العيش، حيث بات يلائمها الانفتاح وحالة السيولة القيمية والأخلاقية التي تتيح لها ممارسة الشهوات دون خوف. وأصبحت بلداننا العربية والإسلامية لا تخلو مِن أنظمة أو أحزاب أو نخب أو ثقافة علمانية، على الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي والفكري. وهذا بدوره فرض صراعًا شرسًا بين الجماعات والحركات الإسلامية والأنظمة والأحزاب العلمانية، لا تزال راحه تدور حتَّى اليوم.
[1] الكهف: 7.
[2] هود: 87.
[3] صحيح مسلم، رقم: (1700).
[4] سنن أبي داود، رقم: (4450).
[5] انظر: صحيح البخاري، رقم: (3733)؛ و صحيح مسلم، رقم: (1688).
[6] كتاب السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية: ص10.
[7] الطرق الحكمية: ج1/13.
[8] قدَّم د. سفر الحوالي، في كتابه الشهير “العلمانية: نشأتها وتطوُّرها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة”، وصفًا دقيقًا وشاملًا لهذه الأسباب، فليرجع إليه للتوسُّع.
[9] هناك كتب وأبحاث تناولت أثر الحضارة الإسلامية والموروث المعرفي الإسلامي على تقدُّم أوربَّا وتطوُّرها، ومِنها: شمس العرب تسطع على الغرب، للكاتبة الألمانية، د. زيغريد هونكه؛ وتأثير الإسلام في أوربَّا في العصور الوسطى، للمستشرق البريطاني، وليام مونتغمري واط؛ وحضارة العرب، للفيلسوف والمؤرِّخ الفرنسي، غوستاف لوبون؛ وبوتقة الله.. الإسلام وصنع أوربَّا، للمؤرِّخ الأمريكي الحائز على جائزة بوليتزر، ديفيد ليفرينغ لويس.
