
لمحة تاريخية
تاريخ اليمن حافل بظاهرة التدافع بين مركز القوى القبلية ومركز السلطة السياسية، سيما أن تكون اليمن هي جذر النسب القبلي للقبائل العربية، ويأتي الإسلام ليدفعها إلى الواجهة العربية كمادة بشرية ذات استراتيجية حضارية.
وفي الواقع التاريخي ظهر “مركز القبيلة” في اليمن أكثر قوة من خلال أمرين:
1- كانت تمثل الحاضن الاجتماعي والسياسي الآمن للدول الإسلامية.
2- ضخت بما لديها من طاقات بشرية ذات خبرة ووراثة للملك والإمارة والسيادة.. فكانوا موارد بشرية فاعلة في الدول المتعاقبة. كونها المخزون السياسي برصيدها التاريخي في الحكم، والذي انصهر مع ملك نبي الله “سليمان – عليه السلام -“، وثم عادت ملوك حمير في استقلالها السيادي.
واستطاعت الدولة الأموية أن تستخدم هذه الثروة القبلية في اليمن لتمد بها بلاد الأندلس كنواة عربية ذات روابط اجتماعية متينة.
المشكلة التاريخية للقبيلة اليمنية
التاريخ لكل بلد يألف الانسجام مع القبيلة التي تنمو ببيئتها الطبيعية، وتنشأ بأرض جدودها العريقة.. وقد تتفكك القبيلة، وتتحول إلى دويلات تتعدد مصالحها، وقد تحترب حولها…!
لكن التاريخ غالبا ما يتذمر من مشكلة الفصائل الوافدة على بيئة جديدة ليس لهم فيها جذور.
فعندما تبدأ الفصائل الوافدة منازعة القبائل الأصيلة في سيادتها التاريخية.. فهنا تبدأ مشكلة الصراع والاحتراب.
وهنا يقف التاريخ أمام حالة مرضية تؤثر في قيام الدول والحضارات، ونادرا ما يستتب الأمر لدولة بذاتها، حتى تلتف حولها قبائل الأصل لإضفاء شرعية الدولة أو كمركز قوة يؤهل للغلبة.
فاليمن تنحدر في قبائلها الأصل إلى بطون حمير ذات الجذر التاريخي والسيادي، وأما الفصائل الوافدة فهي هاشمية، أو حبشية، فارسية.. وهي التي دخلت اليمن تحت غطاء الولاء لبعض الدويلات، مثل:
الاحتلال الفارسي الذي استقدم فارسيين.
والهادوية التي استقدمت الهاشميين.
وبني نجاح الذين استقدموا الأحباش..
كانت هذه الظاهرة وما زالت حتى اليوم تعني أن “مركز الولاء القبلي” في خريطة القوى المجتمعية يشكل قوة تستمدها القبيلة لذاتها، أو تدخل في تحالفات ضمن مشاريع سياسية، وتمنحها ولاء قبليا داعما بأي شكل ومقابل أي ثمن، للقاعدة المطردة “الغنم بالغرم”.
مؤثرات مركز الولاء القبلي في الحرب اليمنية
الولاء القبلي في اليمن يحلله البعض بأنه يقوم في الحرب على ثلاث مؤثرات، وهي:
1- عمق الانتماء للجغرافيا.
2- عقيدة العصبية الجامعة.
3- ضرورة المصلحة.
فأين سيكون مبدأ الدفاع عن الوطن؟ وأين مبدأ استعادة الدولة؟
هذا المنطق لا يتقبله الحس القبلي، ولم يدخل في حسابات الولاءات القبلية المؤثرة. لأنها تضعه في خانات “ضرورة المصلحة أو عمق الانتماء لجغرافيا القبيلة”.
فهذه المؤثرات تختلف بتأثيرها من قبيلة لأخرى، فالقبيلة التي لا تخشى عمقها الجغرافي قد تحركها العصبية، أو ضرورة المصلحة..
خريطة الولاء القبلي
عندما ندرس هذا التقسيم لا نعني أنه يشمل كل القبائل، وانما هو عائد بالنسبة للأغلبية التي ظهرت على الواقع المجتمعي والسياسي. ولا يخلو من استثناءات معتبرة داخل القبائل ذاتها.
أولًا: قبائل الولاء خارج مبدأ الدولة
بعض القبائل عندما تتمرد على الدولة، أو ترى أنها صارت دولة ضعيفة، فإنها تتحول إلى عقد الولاءات خارج مبدأ الدولة، ولا يهمها قيام دولة من عدمه، وترى أن الولاء مقابل استقرار مصلحتها من أي دولة، فإذا زالت المصلحة معها، تتحول كقوة موالية لدولة أخرى غالبة.
والمشكلة عند هذه القبائل أنها سرعان ما تتخلى عن مسؤوليتها في قيام الدولة. وتتعامل بالمؤثر الأخير “ضرورة المصلحة”. خصوصا لو ترى أنها غير مهددة بانتمائها الجغرافي، وعصبتها القبلية. فلم يبق إلا كسب المصلحة.
وهناك سببان رئيسان لمشكلة الولاء خارج الدولة، وهما:
١- كثير من هذه القبائل لا تهتم بتطوير أبنائها وتأهيلهم ليكونوا كوادر بشرية داخل جسد الدولة. فصارت حساباتها المصلحية خارج وعي مبدأ الدولة..
٢- أنها اعتادت على هبات الدولة الممنوحة لضمان الولاء، وتسيير الوساطات والاعفاءات والخدمات.. فوجدت نفسها أقوى من الدولة.
لهذا ظلت تسبح في حوض مصلحي حول الدولة، ولم يتطور لديها الوعي إلى مستوى ضمان الاستحقاقات الوظيفية كرجال دولة بمؤهلاتهم التعليمية، وكفاءة الخدمة المدنية.. ليعرفوا قيمة الدولة.
ومن هذه القبائل – حسب ما أسماه الكاتب الاستاذ عادل الأحمدي – بـ “قبائل حزام صنعاء”، مثل: (أرحب، وهمدان، وسنحان، وبني حشيش، وبني مطر، وخولان الطيال.. ويتبعها قبائل الجوف والبيضاء).
ويلحق بهم “قبائل الجمالة”، مثل: ذمار، ويريم..
فالجمهورية لم تهدأ إلا بعدما ضمنت ولاء قبائل هذا الحزام وما حوله، رغم ضغط معارك الجمهورية، وحصار القوات المصرية للعاصمة.
ورغم هذه المشكلة فإن هذا الحزام القبلي تتوفر فيه قابلية التغيير والتحول عندما تكون بتأثير ايجابي من أبنائها وبعض رموزها ووجهائها.. كونها تمنحهم مجالا يرتب مصالحها، وتعتبرهم يمثلون جزءا من خياراتها.
كيف كسبت الميليشيا ولاءها
استطاعت الميليشيا أن تكسب ولاءها بعدة عوامل، أهمها:
١) علاقات الأسر الهاشمية مع رؤوس القبائل.
٢) التحالف مع حزب المؤتمر، والحرس الجمهوري.
٣) وساطات ساهمت في عقد اتفاقيات قبلية.
فاستفادوا بهم كقوة مجتمعية من خلال:
1- غض الطرف عن تجييش أبنائها إذا رغبوا بقناعاتهم الفكرية والمذهبية، فكانت بمثابة المخزون البشري لدعم الجبهات.
2- التمثيل المصلحي من وجاهات قابلة لتبادل الأدوار، ولديها مسؤولية عسكرية او سياسية.. تخول لهم التمثيل.
3- السَّالف أو العادة القبلية بأن الداعي القبلي مُجاب، وهو ما يتقبله ذوي الوعي الضعيف من الشباب.
4- ضمان الحياد عن عقد ولاءات مناهضة أو معارضة.
غفلة الرئيس هادي
في المقابل خسر الرئيس “هادي” الولاء القبلي خارج الدولة لأسباب منها:
١) ركون هادي على أن سلطة المبادرة الخليجية والمجتمع الإقليمي كفيلة في دفع العملية السياسية فوق سلطة القوى القبلية.. ولهذا لم يساعدها بتقديم دوره في كسب الولاء القبلي كفعل ذاتي داخلي يتقبل التغيير والانتقال! وربما همشها.
٢) تغليب حساباته في كسب ولاء الجيش والأحزاب، والتي رآها أولوية.
٣) اغرائه بأن مؤتمر الحوار والوطني رابطة وطنية جمعت كل القوى المجتمعية بما فيها الكيانات الثلاث التي تقلقه: (الاصلاح، المؤتمر، الحوثيون).
٤) عدم استفادته من سياسة الرئيس السابق.
٥) الغفلة التي جعلته يتهاون مع توسع الحوثيين في قضية دماج، ثم عمران.
٦) التعامل مع الحوثيين كورقة سياسية يلوح بها في وجه الرئيس السابق وحزبه من خلال خطاباته بأنهم شركاء في الانتقال السياسي. مما سوغ لـ “علي صالح” اللعب بمركز “الولاء القبلي” حول صنعاء حتى أوصلهم إلى بيته وتم حصاره.

ثانيًا: قبائل الولاء لمبدأ الدولة
وهي التي تحمل وعي الدولة والجمهورية، وساهمت في اسقاط المشروع الإمامي، وانفتحت على ثقافة الحكم والسياسة.. وترى أنها جزء من الدولة والجمهورية، وتعتبر مكاسبها مرهونة بوجود دولة شرعية، وتدرك مخاطر الانقلاب بالقوة.
فهذه القبائل اكتسبت الوعي الذي تعيب معه اتخاذ المواقف القبلية بباعث “ضرورة المصلحة” خارج نظام الدولة، بل تراه معيبا يخل بشرف القبيلة. وصارت لديها عادة في كسب المصلحة من خلال الدولة الشرعية بأي شكل أو دور.
كما أنها لا تميل للتنازل عن جانب “عمق الانتماء للجغرافيا، وعقيدة العصبية الجامعة”.
ولهذا من الطبيعي أنها لن تقبل توسع الميليشيا، فاتخذت موقفها الذاتي من ناحيتين:
الأولى: لم تستسلم لضغط قوات الحرس الجمهوري الذي أصبح يهدد “عمق الانتماء للجغرافيا”.
الثانية: خلعت الولاء الحزبي للمؤتمر الشعبي الذي أصبح يهدد “عقيدة العصبية الجامعة للقبيلة”.
واستطاعت أن تكون مركزا قويا لاستعادة الدولة.
ويمثل هذا “الولاء القبلي” اليوم ما يمكن أن نسميها “قبائل الحضارة الحميرية”، مثل: قبائل مأرب، وقبائل البيضاء، والجناح الجمهوري في قبيلتي بكيل وحاشد.
والفارق بينها وبين “قبائل الولاء خارج الدولة” أنها ما زالت تحتفظ بأعراف القبائل وأحكامها وناموسها، ولم تنقسم على نفسها بعوامل الحزبية والمذهبية، والصراع على المشيخ داخل القبيلة.
وفارق مهم أنها ضخت بأبنائها في سلك التعليم والتوظيف، ونافسوا غيرهم في وظائف الدولة… فكانوا جزءا من الدولة.
ثالثًا: قبائل الولاء لمبدأ الأمن الاجتماعي
التاريخ يقول هكذا بأن قبائل اليمن الأسفل تميل ببيئتها وطبيعتها إلى الأمن الاجتماعي.
وهو الأمر الذي ساعد على هجرة بعض الأسر من اليمن الأعلى إلى اليمن الأسفل، عند الهروب من وقع الحروب والمطاردات، أو عند انعدام وسائل العيش في مسقط رؤوسهم، أو انتداب الأئمة لهم.
فالغالب أن قبائل اليمن الأسفل تميل لـ “ولاء مبدأ الأمن الاجتماعي”، وتشتد لولاء الدولة من خلال أدوار غير قبلية، عن طريق رجال الوعي السياسي البارزين.
وتملك مخزونا من الرجال الذين يشتدون مع بناء الدولة، ويجدون مواقعهم لنبذ الطغيان، ويسجلون أسماءهم في سجل الانتصارات الشريفة.
فهذه القبائل لم يجمعها “عمق الانتماء للجغرافيا”، ولا “عقيدة العصبية الجامعة”، وهي تنهار أمام “ضرورة المصلحة”.
كيف كسبت الميليشيا ولاءها
استطاعت الميليشيا أن توفر غطاءً اجتماعيا وسياسيا لبعض رؤوس القبائل بنفس الأساليب التي اكتسبت بها ولاء “قبائل الولاء خارج الدولة”، وتركت مساحة من الواجهة لقيادات قبلية تنتمي لحزب المؤتمر، وتعاملت معها بمنطقهم المتداول أن قبائل اليمن الأسفل تميل للراحة والانشغال بالوضع الاجتماعي.
وحاولوا أن يصنعوا نموذجية في حل الخلافات والمشاكل، وقدموا أنفسهم بشكل من النزاهة والمسؤولية…
فاستفادوا بولائهم من خلال:
١) توفير الحاضنة الاجتماعية بشعبية حزب المؤتمر ذات الولاء الحزبي العميق.
٢) تضييق المساحة الجغرافية من نشوء كيانات مقاومة، بالاستعانة بولاءات أعضاء حزب المؤتمر الطاغية على ولاء القبيلة.
٣) تأمين الخط الرئيسي من صنعاء إلى تعز.
٤) وجود وسائل للدخل المادي للمجهود الحربي بسبب توافد الناس على مكاتب الميليشيا بمشاكل مادية وعقارية.. كانت مرهونة في المحاكم، أو لدى بعض مشايخ القبائل.
٥) وجود أسر هاشمية سبق التنسيق معها ودعمها، وتعزيز قوتها بالسلاح، وتخويلها ادارة السلطة مع الميليشيا كمشرفين أو مصلحين.
المتغيرات في المستقبل.. لصالح من؟
الميليشيا وقوات صالح كان لهم الدور الكبير في تحريك مركز الولاء القبلي للحرب، وتجييش أبنائها للقتال.. وحاولوا أن يرفعوا من مستوى الولاء القبلي ليكون داعما لهم في واجهة الحرب من خلال (ميثاق الشرف القبلي) كأداه استراتيجية، ولكنها فشلت لأمر واحد وهو : *”أن أدوات الحرب التقليدية لا مجال لها اليوم مع أساليب الحروب الحديثة”*
أما التحالف العربي فهو يتعامل مع مركز الولاء القبلي بسياسة عالية ودقيقة، إذ يستمد من القبيلة الولاء السياسي والوطني – خارج وعي القبيلة التقليدي- بأدوار محدودة بما يضفي تعزيز الحكومة الشرعية، وإضعاف المركز القبلي كقوة لصالح الانقلابيين في الوقت نفسه.
ولم يسمح التحالف برفع مستوى الولاء القبلي سياسيا وعسكريا حتى لا يكون مؤثرا في القرار السيادي، وذلك لأسباب:
١) أن العقل القبلي لا يستوعب بناء دولة. وإنما يعطيك من الولاء بحجم مصالح قبيلته ومستقبلها.
٢) أن التحالف يعطي الولاء القبلي أهميته كقوة اجتماعية، وصوت شعبوي.. ويراه أنه يحتاج إلى مزيد من التوعية الوطنية والسياسية بمستوى مناسب من الولاء الوطني الواسع مع الدولة.. أكثر من الولاء القبلي التقليدي.
وهذا التكتيك سيضمن متغيرات ناجحة لصالح الشرعية، ومنها:
1ـ إكساب الجيش الوطني الشرعية في الانتصارات وبسط النفوذ، والتي يكتسب منها الهيبة العسكرية لحماية مُنجز استعادة الدولة في المستقبل، ولا تتكرر سيناريوهات استغلال عنف القبيلة لإجهاض الدولة.
2ـ تحييد القبيلة عن مواقع الانتصارات الحاسمة، لأن هذا من دور الجيش الوطني، ووضع القبيلة في مكانها المناسب، حتى لا تتنامى بمركزيتها فتستقوي على الدولة بورقة الانتصارات وتعتبرها من رصيدها القبلي.
3- إبعاد القبيلة عن ذرائع الانتقام والثارات في المستقبل..
ونلمس هذا من خلال سياسة التحالف منذ أول يوم من انطلاق عاصفة الحزم، من خلال هذه الخطوات:
١ـ عدم دعم التحالف العربي للقبيلة بالتقدم نحو صنعاء، ومحاولة تأخيرهم في مربعات الممانعة بدون تحقيق تقدُّم.
٢ـ سيناريو استعادة عدن هو النموذج الذي سيكون في صنعاء. وأن الجيش هو الذي يفرض السيطرة، ويدرسها في الوقت المناسب.
٣- قرار دمج المقاومة بالجيش الوطني، حتى لا يظل الولاء القبلي عضلة مناوئة للولاء الوطني المتمثل بالجيش، حتى لا تتكرر الولاءات خارج مبدأ الدولة.
وهذه السياسة المتوازنة تزيد من الاطمئنان في استعادة الحياة السياسية بعوامل قوية تبني دولة ذات هوية وطنية، وتهدم جسور النفوذ السياسي عبر الولاءات القبلية والمذهبية. فيظل الولاء القبلي محدودا بمؤثر (العصبية الجامعة، والانتماء الجغرافي) ويترفع عن صراع “المصالح” على حساب الوطن والدولة.
