
كنتُ أزعم أن تأييد الحوثي والمحور الإيراني كاملًا، ودعمهما، والقناعة بسرديتهما، والانخداع بشعاراتهما المعادية لإسرائيل، لا يكون إلا من عامة الناس، ممن تتحكم بهم العاطفة، وتقودهم الشعارات الرنانة والخطب العصماء. بيد أن الأمر بدأ عكس ما كنت أظن وأزعم؛ فمع اشتداد المعارك في اليمن بين الحكومة والحوثيين، حمي وطيس النقاش في وسائل التواصل الاجتماعي، وظهر أناس يرون الحوثي امتدادًا لمشروع المقاومة في غزة، وأن ما يقوم به الشعب اليمني من مقاومة إنما هو مؤامرة صهيوأمريكية برعاية سعودية خليجية. هذا التصور والتعاطف مع الحوثيين حديث عهد بالمجتمع العربي، وسببه الأساسي حرب غزة وما روّجه الحوثي من نصرة لها. هذه الحالة، والوقوف في صف جماعة ظالمة مستبدة من بعض الفضلاء، جعلاني أبحث عن الأسباب التي دفعتهم إلى ذلك، رغم كل هذا البيان والوضوح.
هل يعادي الحوثي أمريكا؟
لا تكاد تجد خطابًا للحوثيين إلا وفيه أن مسيرتهم القرآنية جاءت لمحاربة الشيطان الأكبر «أمريكا»، وتخليص المنطقة منه ومن شرّه؛ ولكن من تتبّع خيوط العلاقة بينهما رأى خلاف ذلك وعكسه. لم يقتل الحوثيون أمريكيًا واحدًا، بل إنهم حين دخلوا صنعاء أمّنوا السفارة الأمريكية، بما فيها من دبلوماسيين وكوادر، ثم جرى تسليمهم لواشنطن بوساطة عُمانية (١). وفي الوقت ذاته، اتجهوا يهدمون أسوار الجامعات والمساجد ومراكز التحفيظ. وفي عام ٢٠١٥، وبعد دخولهم صنعاء، لم تجد واشنطن حرجًا من إعطائهم الضوء الأخضر لاجتياح بقية المحافظات بحجة محاربة تنظيم الدولة والقاعدة (٢). وحين كان الجيش على بُعد خطوات من السيطرة على ميناء الحديدة، شريان الحوثيين الأساسي، كان تدخل المبعوث الأممي والسفير البريطاني حبل النجاة الذي تمسّك به الحوثيون للحفاظ على الحديدة. وأخيرًا، حين سيطروا على باب المندب في ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦، أعلن الحوثيون أنهم لن يتعرضوا للسفن الأمريكية في البحر الأحمر، وفي اليوم التالي جلسوا على طاولة التفاهمات مع الشيطان الأكبر في مسقط، وأعلن ترامب عن توصلهم إلى اتفاق (٣). وفي اللحظة نفسها التي جلسوا فيها مع الأمريكيين، كانت حمم الموت تُلقى على أهل غزة، التي لم تكن ضمن حسابات الجماعة حين كان المقابل هو دعم الأمريكيين ورضاهم بالسيطرة على المضيق.
لستُ هنا أروّج لنظرية المؤامرة، وأن كل ما يجري قد خطط له العقل الأمريكي، ولا يكون إلا بإرادته، ولكن أسعى إلى بيان أن الحوثي، كغيره من أذرع إيران، حين تتلاقى مصالحه مع الأمريكيين يكون من أخلص الحلفاء وأطوعهم لواشنطن، ولو كان ذلك بذبح المسلمين، وكثيرًا ما كان؛ وحين تقتضي مصالحه معاداتها، يكون من أشد الخصوم.
نصرة غزة
يتردد هذا السؤال كثيرًا: «ولكنهم نصروا غزة، وهاجموا السفن المتوجهة إلى الكيان؟». نعم، هم أغلقوا الممر أمام السفن الإسرائيلية، وأرسلوا مسيّرات وصواريخ إلى الأراضي المحتلة؛ فلسنا ناكرين لذلك، ولكننا نتساءل عن الأثر الذي أحدثته تلك الضربات. ثم إنه، ولو نصروا غزة حقيقةً، فإن ذلك لا يغسل سجلهم الدموي في اليمن، ولا جرائمهم التي لا تختلف عن جرائم الكيان. ولو امتلكوا طائرات إف-١٦ «F16» لشووا بها أطفال اليمن كما يفعل الكيان. وما يجعل الأنفس التي يزهقونها أقل عددًا هو عدم امتلاكهم التقنيات المتطورة والتكنولوجيا الحديثة؛ وإلا فبم نفسر قنص امرأة تجلب سطل ماء، وطفلة ذاهبة إلى المدرسة تحلم بمستقبل أفضل وغد أجمل؟ ولو كانت شظية، لقيل إنها أتت طائشة؛ ولكن قناصًا يوجّه بندقيته، ويشحنها، ويحدد الهدف: طفلة في العاشرة من العمر؛ يثبت المنظار على جبهتها، ويزهق تلك الروح البريئة. هذه الحوادث المتكررة تُظهر الدموية التي يتسلح بها مقاتلو هذه الجماعة الظالمة. واليوم هم يحاصرون تعز، ويمنعون عن أهلها الماء والغذاء والدواء. فلماذا تكون نصرة غزة بالدوس على رقاب اليمنيين؟

لماذا يُؤيَّد الحوثي؟
من تابع المشهد اليمني تبيّن له ما ارتكبه الحوثي من جرائم وما أظهره من طغيان؛ فلماذا لا تزال بعض المنابر السنية تثني عليه وتصفّق له؟ ولماذا يتحدث بعضها بلغة الحياد، فلا فرق عنده بين ظالم ومظلوم، وباغٍ ومَبغيٍّ عليه؟
وبعد تتبّع هذه الدوافع، وجدت أنها تتمثل في أربعة أمور، هي كما يلي:
١- الأنانية:
ثمة خطاب أناني من بعض المؤثرين والمفكرين، لا يرى للمسلمين قضية غير غزة، وما عداها قضايا هامشية لا تستحق أن نقف لها أو ندعمها أو نتعاطف معها، أو حتى أن نسمع عنها. وهذا تجاهل لجراح الأمة وتناسٍ لآلامها؛ فحيثما وُجد ظلمٌ للمسلم، فهي قضية المسلمين: اليمن، والسودان، وتركستان الشرقية، وفلسطين، وسوريا، وغيرها. هذه بلدان يعاني أهلها الويلات ويتجرعون المُرّ. لا شك أن العدو الصهيوني متجبر، وقد بلغ من التكبر ما لم يبلغه سابقًا؛ ولكن أن نراه هو الشر الوحيد، وما عداه خير، وندعو: «اللهم انصر من نصر غزة»، ولو كان الناصر لها موغلًا في سفك أرواح المسلمين، ويده ملطخة بدمائهم، فهذا اختلال في المعايير وأنانية قطرية لا تمثل المسلم ولا أمة الإسلام، التي هي كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر البدن بالسهر والحمى.
٢- المثالية في حل القضية والحرب الداخلية:
الكثير يرى الحرب اليمنية حربًا داخلية، وخلافًا بسيطًا يمكن حلّه بعدة جلسات على طاولة، وأتعجب كثيرًا ممن يؤمن بهذا الطرح: هل هو جاهل بالواقع اليمني وتعقيدات المسألة السياسية والعقدية مع الحوثيين؟ أم أنه عارف يحاول التجاهل؟ الحوثي تنظيم يدّعي الحق الإلهي في الحكم، فكيف ستحاوره وهو المعبّأ بأنه مخوّل من الله بالحكم، وأن السلطة لا تكون إلا في سلالته المقدسة؟ ثم إن اليمنيين قد سلكوا كل طرق الصلح معه، وحاولوا التوصل إلى حل يُبقي له حقه في الاعتقاد دون أن يفرض على الغير عقيدته، بدءًا بمؤتمر الحوار الذي كان مشاركًا فيه، ثم انقلب على مخرجاته. وبعد الهدنة، حاولت الدولة كثيرًا التوصل إلى حل سلمي يُخرج البلاد من المأزق، ولكنه متعنت، يرى نفسه المتحدث باسم اليمنيين، وما عداه شرذمة تابعة يوشك أن يبتلعها.
والأهم من ذلك الخلاف العقدي الكبير؛ فكيف بمن يتحدث عن اليمن ولا يكلّف نفسه قراءة فكر الحوثي وملازم حسين بدر الدين، ليستبين له فكر الجماعة وما تصبو إليه من هذا النزاع؟
ولو كانت الخلافات ستحل هكذا، فلماذا لا نحلّ كل الخلافات داخل الأمة بهذه الطريقة المثالية؟ يخرج مجموعة من العلماء ـ كما قالوا ـ إلى مصر، ويحلّون الخلاف بين السيسي والإخوان، ثم إلى السودان، فيؤلفون بين قلوب قوات الدعم السريع والجيش، ثم إلى المغرب، فيصلحون بينها وبين الجزائر، ومنها إلى العراق ثم لبنان، وينتهون بإيران، ويقنعونها بأن تسمح للسنة من الإيرانيين بأن يحافظوا على معتقدهم، وتسمح لهم بإنشاء المساجد وحلقات التحفيظ.
٣- العاطفة:
هناك من الناس من قطّعت قلبه أشلاء الأطفال في غزة، ودمعت عينه من صور الدمار، وفي تلك الأثناء ظهر الحوثي بخطاباته المعادية لإسرائيل، فرأى فيهم الأبطال المنقذين. وفي الوقت نفسه، لا يعرف عن المشهد اليمني شيئًا، فاغترّ بهم، واستمات في الدفاع عنهم. ولو رأى أخونا أشلاء أطفال تعز ونساءها المحاصرات، لدمعت عيناه مرة أخرى، وبان له الحوثي ومشروعه. القضية مركبة من تعاطف مع أهل غزة، وجهل بالواقع والمشهد اليمني.
٤- اتباع الهوى والمغالاة في الخصومة بسبب بعض الخلاف:
يمكننا أن نتطرق إلى هذا من محورين أساسيين. المحور الأول: بعض المدارس الإسلامية لديها خلاف مع المدرسة السلفية في السعودية، وهذا الخلاف أثّر بشكل غير مباشر على تصورها للحرب في اليمن. وبما أن الحكومة اليمنية تتلقى الدعم المباشر من المملكة، رأوا في الحوثي خيرًا مطلقًا؛ كونه يقاتل من تدعمهم السعودية، وراحوا يؤيدونه بالخطب والمنشورات، ويضعون الجيش اليمني في صف الأمريكيين والإسرائيليين. والمفارقة أن بعضهم مقيم في دولة راعية للكيان وحامية لحدوده؛ ولكنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
ومدارس أخرى تختلف مع الإسلام الحركي ـ كما يسمونه ـ في بعض الجزئيات، فترى أنه إن سقط الحوثي، فإما أن يكون الأمر لهم، أو للتيار السلفي، وهذا ما لا ترضاه، ولربما فضّلت الحوثي على هذين التيارين ـ والعياذ بالله ـ. وفي الحقيقة، لو نظرنا إلى موطن الخلاف لرأيناه بسيطًا لا يرقى إلى حد العداوة، ولكن النفس والهوى يغلبان في بعض الأحيان.
المحور الثاني: التيارات السياسية المعادية للسعودية، أو التي كان للسعودية موقف سلبي تجاهها في يوم من الأيام. هؤلاء أيضًا كسابقيهم يصوّرون الحكومة اليمنية امتدادًا لحكم آل سعود، فشايعوا الحوثي، وناصبوا اليمنيين العداء.
ولو نظروا إلى الوضع في اليمن بميزان القسط، لكان موقفهم مختلفًا. إن تلقي الجيش دعمًا من السعودية لا يعني أنه امتداد لها، ولا وكيلًا لتنفيذ سياستها في اليمن. لنحاكم الأمر بالميزان نفسه الذي حاكمنا به المقاومة الفلسطينية حين كانت تتلقى الدعم من إيران؛ فلم تكن يومًا وكيلة للملالي، ولا نشرت التشيع في القطاع. كان الميزان حاضرًا في غزة، ولكنه غاب في اليمن، والله المستعان.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
المراجع
(١) Agence France-Presse (2015, June 2). American freed in Yemen as Oman hosts “secret” US talks. The Peninsula:
https://thepeninsulaqatar.com/article/02/06/2015/american-freed-in-yemen-as-oman-hosts-secret-us-talks
(٢) مركز المخا للدراسات الاستراتيجية. «من شعار الموت لأمريكا إلى اتفاق عدم الاستهداف: ماذا تعرف عن تاريخ مفاوضات الحوثيين السرية مع أمريكا؟». تقرير صادر عن المركز.
(٣) المصدر السابق.