آثار

الأعمى الذي أشعل النار (ج2)

أبو الجارود زياد بن المنذر الهمداني الخارفي: المؤسِّس الحقيقي للفرقة الزيدية

الفصل الرابع: النسبة – هل قال أبو الجارود بحصر الإمامة في ولد الحسن والحسين؟

غاب صوت أبي الجارود، وبقي اسمه على مقالةٍ حاسمة في الإمامة.لكن اتفاق المصادر على اسم الفرقة لا يثبت وحده مقالة مؤسسها. فهل كان حصر الإمامة في البطنين قولَه، أم قولَ أصحابه بعده؟

السؤال ومعيار الإثبات

حين بلغ أبو الحسن الأشعري الجارودية في فرق الزيدية كتب: «فمنهم الجارودية أصحاب أبي الجارود، وإنما سُمُّوا جاروديةً لأنهم قالوا بقول أبي الجارود».[1] وظاهر العبارة أن اسم الفرقة علمٌ على قولٍ صاحبُه رجلٌ بعينه. غير أن «وإنما سُمُّوا» صيغةٌ يعلّل بها الأشعري أسماء الفرق الكبرى: فالغالية سُمّوا كذلك «لأنهم غلوا في علي»، والزيدية «لتمسكهم بقول زيد بن علي»، والبترية «لأن كثيرًا كان يلقب بالأبتر».[2]

والمسألة: هل قال أبو الجارود زياد بن المنذر نفسُه إن الإمامة بعد الحسين في ولد الحسن والحسين خاصة، أم نشأ القول في أصحابه ثم نُسب إليه؟ وتحتها ثلاثة أحكام لا يغني أحدها عن غيره: أن تنسبه إليه المصادر المبكرة، وأن يكون قاله على الأرجح تاريخيًّا، وأن يكون أول من قاله. وهذا الفصل يحكم في الأوّلين، وأما الثالث فموضعه فصل الأولية، لأن ثبوت القول لرجلٍ لا يثبت أنه لم يُسبق إليه.

أقدم ما نُسب إليه بشخصه

لم يصل من أبي الجارود كتابٌ في الإمامة، وليس في مروياته المحفوظة لفظ الحصر، وإن حمل بعضُها مقدماته. فأثقل ما بقي نصوصٌ تسمّيه قائلًا، أقدمها في كتاب «مسائل الإمامة» المطبوع منسوبًا إلى الناشئ الأكبر، وهو على الأرجح من النصف الأول للقرن الثالث.[3] يبدأ صاحبه بالجماعة: «فممّن يقول بالنص على علي من الزيدية أبو الجارود وفضيل الرسان وأبو خالد الواسطي ومنصور بن أبي الأسود، وهؤلاء رؤساء الزيدية»، ثم يقول: «وهؤلاء الجارودية زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم  نصّ على علي ثم على الحسن ثم على الحسين ثم انقطع النص، إلا أن الإمامة لا تخرج من ولد فاطمة، وزعموا أن ولد فاطمة شرعٌ واحدٌ في الإمامة، كلٌّ من دعا إلى نفسه فهو إمامٌ مفترض الطاعة على الناس إجابته».[4] فالحصر والانعقاد بالدعوة هنا مقالة جماعةٍ لها أربعة رؤساء، أبو الجارود أولهم ذكرًا. ثم ينتقل إليه وحده:

«وزعم أبو الجارود أنَّ الحلال ما أحلَّه آل محمد، والحرام ما حرَّموه، وعندهم جميع ما يحتاج إليه الأمة مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم  تامًّا كاملًا عند صغيرهم وكبيرهم، لا فضل لأحدٍ منهم على صاحبه إذا بلغ الناشئ منهم وقد تكاملت فيه الفضائل. هكذا حكى جماعةٌ من مشايخ الشيعة وعلمائهم عن أبي الجارود، وأنَّه قال: لو فضَّلتُ بعض ولد فاطمة على بعض، إلا من نصَّ رسول الله صلعم على فضله ـ يعني الحسن والحسين ـ لزمني أن أقول أنَّ بعضهم منقوصٌ لا يصلح للإمامة، ولو كان هذا هكذا لم يصل الناس إلى معرفة من يستحق الإمامة منهم … قال: واستخراج أفضلهم وأعلمهم والمستحق للإمامة منهم ـ إن يكونوا مستوين في الفضل والعلم ـ لا يمكن لكثرتهم وصعوبة الأمر في امتحانهم، فزعم لهذه العلة أنهم يستوون في العلم والفضل، فمن خرج منهم فهو إمام. وهو يقول في العلم بالإلهام، فزعم أن الإمام يُلهَم العلم بالأحكام في الحوادث إذا احتاج إليه».[5]

فالمنسوب إليه بشخصه ثلاثة: التسوية بين ولد فاطمة في العلم والفضل بعد البلوغ، وانعقاد الإمامة لمن خرج منهم، وإلهام الإمام علمَ ما يحدث من الأحكام عند الحاجة.

وتظهر قيمة «مسائل الإمامة» في تمييزه بين وصف الجماعة وتعليل أبي الجارود نفسه؛ فهو يحكي عنه التسوية بين ولد فاطمة وانعقاد الإمامة بالخروج.[6] وفي المقابل يورد النوبختي هذه المعاني في وصف السرحوبية، ويقول: «وإنما قالوا بهذه المقالة كراهةَ أن يُلزِموا الإمامةَ بعضَهم دون بعض».[7] فتُثبت لكل مصنِّف شهادته: الأول يخصُّ الرجل بالتعليل، والثاني يصف مقالة الجماعة. واتفاقهما في المعنى يُستفاد منه في تقوية النسبة، دون افتراض أن أحدهما نقل عن الآخر أو أنهما رجعا إلى مصدر واحد.

والنص الثاني من أوائل القرن الرابع، ولم يكن متاحًا لمن بحث المسألة قبل نشر كتاب «المقالات» لأبي القاسم البلخي (ت٣١٩هـ) عن نسخةٍ يمنيةٍ فريدة.[8] والبلخي شاهدٌ معتزليٌّ تُدرس عبارته بذاتها، وتُقارن بأقوال سائر المصنفين دون افتراض أنها مصدرهم. يقول في الفرق بين الزيدية والإمامية: «والذي يفرّق بينهما أنَّ الزيدية تقول: إنَّ عليًّا كان أولى بالإمامة لفضله على جميع الصحابة، وإنَّ الخروج على أئمة الجور واجبٌ إذا أمكن، وإنَّ الإمامة إنما تُستحق بالفضل والطلب والقيام وبالعقد والبيعة، لا بالوراثة والنص، إلا ما حُكي عن أبي الجارود وأصحابه من القول بأنَّ النبي صلى الله عليه استخلف عليًّا».[9] ثم يقول في فرق الزيدية:

«فمن الزيدية الجارودية، والذي بانوا به أنهم زعموا أنَّ رسول الله صلى الله عليه نصَّ [على] عليٍّ بالوصف لا بالتسمية، فكان هو الإمام من بعده، ثم الحسن ثم الحسين، ثم الإمام بعد هؤلاء الثلاثة ليس بمنصوصٍ عليه، ولكن من خرج من هذين البطنين ـ يعنون بالبطنين: ولد الحسن وولد الحسين ـ شاهرًا بسيفه يدعو إلى سبيل ربه، وكان عالمًا فاضلًا، فهو الإمام».[10]

فالبلخي يسمّي أبا الجارود في مسألةٍ النص على علي، وينسب إليه  الحصر في البطنين والانعقاد بالخروج؛ وتُظهر المقارنة بنص الأشعري اختلافَ عبارتيهما؛ إذ يذكر الأشعري: «وأنَّ الناس ضلّوا وكفروا بتركهم الاقتداء به»، ويخصُّ إحدى فرقتي الجارودية بالشورى في ولد الحسن والحسين، بينما يورد البلخي ذلك في وصف الجارودية.[11] والحكم الجزئي: أقدم نصٍّ معتزليٍّ باقٍ يعرف أبا الجارود صاحبًا للقول بالنص على علي، وأن فرقته حصرت الإمامة في البطنين.

أسطورة العشيرة المقدسة والحق الإلهي في السلطة. كيف تسللت إلى عقول المسلمين؟ ج6 2 الأعمى الذي أشعل النار (ج2)

الشهادات المتقاطعة

تُعرض الشهادات بحسب انتماء مؤلفيها: أهل السنة، ثم المعتزلة، ثم الزيدية، ثم الإمامية. ويُعتدُّ بكل مؤلف على حدة، وتُوزن شهادته بزمنه وعنايته بالفرق وصراحة عبارته وما يبيِّنه من مصادره. فإذا صرَّح بالنقل أُثبت مصدره، وإذا سكت نُسب القول إليه دون افتراض أخذه عن غيره لمجرد التشابه. وتُقارن الأقوال لبيان اتفاقها واختلافها في نسبة المقالة إلى أبي الجارود أو إلى جماعته، ثم تُلحق بها أخبار حضور الجماعة في الوقائع.

أهل السنة

حكم أئمة الجرح في القرنين الثاني والثالث على رواية أبي الجارود، ولم يتعرضوا لمقالته في الإمامة.[12] لكن أحدهم، أبا نعيم الفضل بن دكين الكوفي (ت٢١٩هـ)، استعمل اسمه علامةً على جماعة: سأله عثمان بن أبي شيبة عن مهلّل العبدي فقال: «هذا من أصحاب أبي الجارود»، وسُئل عن عمر بن حمزة فقال: «كان هذا من أصحاب أبي الجارود».[13] وهذه أقدم شهادةٍ من خارج كتب الفرق على أن «أصحاب أبي الجارود» دائرةٌ معروفة في الكوفة في الجيل الذي يليه، يُعرَّف بها الراوي. وسيأتي في الفصل السابع بيان الفرق بين اتساع الاسم الزيدي واستقرار المقالة، بشواهده.

وتنسب كتب أهل السنة مقالةَ البطنين إلى أبي الجارود وأصحابه؛ فالأشعري يربط اسمَ الجارودية بقوله، والإسفراييني يصرِّح بنسبة المذهب إليه، ثم يقول في الإمامة بعد الحسن والحسين: «ويكون بعدهما الإمامة شورى في أولادهما».[14] فالنسبة في هذه الكتب تجمع بين الرجل والمقالة والجماعة التي حملتها.

المعتزلة

وتلتقي كتب المعتزلة مع هذه النسبة؛ فالبلخي يحدُّ مقالة الجارودية بحصر الإمامة بعد الحسنين فيمن خرج من ولدهما، ويورد القاضي عبد الجبار وصفًا موافقًا له، ثم يجمع الحاكم الجشمي بين اسم المؤسِّس وأصل المقالة: «ومنهم الجارودية نُسبوا إلى أبي الجارود»، ويجعل الإمامة في الخارج من هذين البطنين.[15] وهكذا يستقرُّ في كتب المقالات اقترانُ الحصر بأبي الجارود والفرقة المنسوبة إليه.

الزيدية

أقدم شهادةٍ زيدية استعمالٌ لا تصنيف. يقول محمد بن منصور المرادي (ت نحو ٢٩٠هـ)، صاحب أحمد بن عيسى بن زيد، في رجال أحمد: «منهم حسن بن هذيل على مذهب أبي الجارود».[16] فـ«مذهب أبي الجارود» في كوفة القرن الثالث علامةٌ يُميَّز بها رجلٌ من رجال إمامٍ زيدي، ولا يحتاج قائلها إلى شرحها. ثم يسكت التراث الزيدي المبكر عن الرجل صاحبَ مقالة: فلا يظهر اسمه، بحسب البحث النصي، في مجموع كتب القاسم الرسي ولا في مجموع الهادي، ويرد في أمالي أحمد بن عيسى وأمالي أبي طالب راويًا عن الباقر في الفقه والأخبار، لا صاحب رأيٍ في الإمامة.[17] وهذا سكوت من لا يحتاج إلى التسمية، فأئمة الزيدية لا ينسبون مذهبهم إلى أحدٍ من غير أهل البيت؛ فلا يُستدل به على نفي النسبة ولا على إثباتها.

وترد النسبة الشخصية في كتب الزيدية عند المتوكل على الله أحمد بن سليمان (ت٥٦٦هـ) في اليمن: «فقال أبو الجارود ومن قال بقوله من الزيدية: عليٌّ وصيُّ رسول الله ﷺ والإمام بعده بلا فصل، وأنّ الأمة قد كفرت في تركها بيعته، ثم الإمام بعده الحسن والحسين بالنص، ثم هي بينهم شورى، فمن خرج من أولادهما مستحقًّا للإمامة فهو الإمام».[18] وهذه شهادةٌ زيديةٌ صريحة تجمع بين نسبة القول إلى أبي الجارود وتحديد الإمامة في الخارج من ولد الحسنين، وتُوزن في ذاتها دون ردِّها إلى الإسفراييني أو غيره لمجرد تشابه العبارة. ويختلف المتأخرون بعده في الاسم نفسه: فنشوان الحميري يروي عن البلخي أن الجارودية وحدهم زيدية اليمن؛ والمنصور بالله عبد الله بن حمزة يجعلهم معظم الزيدية و«أهل الحق منهم».[19] وتكشف هذه النصوص استعمالات الاسم عند مؤلفي الزيدية، وتُقرأ كل شهادة في سياقها مع إبقاء دلالتها على نسبة المقالة.

الإمامية

عند الإمامية أقدم المادة وأوسعها. يصف النوبختي الفرقة التي قالت إن الإمامة «صارت بعد مضيّ الحسين في ولد الحسن والحسين، فهي فيهم خاصةً دون سائر ولد علي بن أبي طالب، وهم كلهم فيها شِرعٌ سواء، من قام منهم ودعا لنفسه فهو الإمام المفروض الطاعة»، ثم يقول: «وهم الذين سُمّوا السرحوبية، وأصحاب أبي خالد الواسطي واسمه يزيد، وأصحاب فضيل بن الزبير الرسان، وزياد بن المنذر وهو الذي يُسمّى أبا الجارود»، ثم يعدّه في «الأقوياء» من الزيدية مع أبي خالد وفضيل ومنصور بن أبي الأسود.[20] ويطابقه سعد بن عبد الله القمي، ويزيد في موضعين: «وإليه نُسبت الجارودية»، و«ثم هي شورى بين أولادهما، فمن خرج منهم وشهر سيفه ودعا إلى نفسه فهو مستحقٌّ للإمامة».[21] ويذكر الكشي نسبة الجارودية إلى أبي الجارود، وترد هذه النسبة أيضًا في كتب رجال الإمامية عند الطوسي والنجاشي؛ فتُعرض شهادة كل مصنِّف بعبارته، دون افتراض طريق انتقالها من كتاب إلى آخر.[22]

ويحرر المفيد (ت٤١٣هـ) حدّ الحصر عندهم: «وقالت الزيدية الجارودية إنها بعد الحسين في ولد الحسن والحسين دون غيرهم من ولد أمير المؤمنين وسائر بني هاشم وكافة الناس»، ثم يحكي احتجاجهم على الإمامية بخبر «ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا»، وبحديث الثقلين في «تخصيص ولد فاطمة» بالإمامة.[23] وقيمة نصه أنه يُظهر الجارودية في بغداد القرن الرابع محاورًا حيًّا له أدلته.

جدول ٤: شواهد النسبة بحسب انتماء المؤلفين ودلالة أقوالهم

المؤلفالانتماءصيغة الشهادةدلالتها
أبو نعيم الفضل بن دكين (ت ٢١٩هـ)أهل السنة«من أصحاب أبي الجارود»معرفة دائرة أصحاب الرجل
الأشعري (ت ٣٢٤هـ)أهل السنة«قالوا بقول أبي الجارود»نسبة الفرقة إلى قول الرجل؛ الحصر
المقدسي (ت بعد ٣٥٥هـ)أهل السنة«من هذين البطنين»حصر الإمامة في وصف الجارودية
الإسفراييني (ت ٤٧١هـ)أهل السنة«وكان يقول»نسبة الإمامة في أولاد الحسنين إلى الرجل
الناشئ الأكبر (ت ٢٩٣هـ)المعتزلة«وزعم أبو الجارود»التسوية والخروج وتعليل الاستحقاق
أبو القاسم البلخي (ت ٣١٩هـ)المعتزلة«أبو الجارود وأصحابه»؛ وصف الجاروديةالنص على علي والحصر والخروج
القاضي عبد الجبار (ت ٤١٥هـ)المعتزلةوصف ما اختصت به الجاروديةحصر الإمامة في ولد الحسنين
الحاكم الجشمي (ت ٤٩٤هـ)المعتزلة والزيدية«نُسبوا إلى أبي الجارود»النسبة إلى الرجل والخروج من البطنين
محمد بن منصور المرادي (ت نحو ٢٩٠هـ)الزيدية«على مذهب أبي الجارود»معرفة مذهب باسمه في الوسط الزيدي
المتوكل أحمد بن سليمان (ت ٥٦٦هـ)الزيدية«فقال أبو الجارود»النسبة الشخصية والحصر والخروج
نشوان الحميري (ت ٥٧٣هـ)الزيديةيصرح بالنقل عن البلخيوصف الجارودية وحصر الإمامة
النوبختي (ت ٣١٠هـ)الإماميةوصف الجماعة وتسمية رؤسائهاحصر الإمامة في ولد الحسنين
سعد بن عبد الله القمي (ت ٣٠١هـ)الإمامية«وإليه نُسبت الجارودية»نسبة الجماعة والخروج من ولد الحسنين
الكشي (ت ٣٥٠هـ)الإماميةنسبة الجارودية إلى أبي الجارودمعرفة الفرقة باسم الرجل
الطوسي (ت ٤٦٠هـ)الإماميةنسبة الجارودية إلى أبي الجارودإثبات النسبة في كتب الرجال
النجاشي (ت ٤٥٠هـ)الإماميةترجمة أبي الجارود ونسبة الجماعةإثبات موقع الرجل في الفرقة
المفيد (ت ٤١٣هـ)الإمامية«وقالت الزيدية الجارودية»تحديد الحصر وعرض أدلة أصحابه

الخلاصة وحدود الحكم

تتضافر شهادات أهل السنة والمعتزلة والزيدية والإمامية، على اتصال مقالة البطنين بأبي الجارود وأصحابه؛ فلا تُهدم هذه الشواهد بدعوى أنها كذبٌ عليه بلا حجة. ومن يردُّها جملةً فعليه البرهان؛ فالتشكيك ليس تحقيقًا، والإنكار ليس دليلًا. وحكم هذا الفصل ثبوتُ النسبة، لا ثبوتُ السبق. وهنا ينتقل البحث من سؤال: أقالها؟ إلى سؤال: أكان أول من قالها؟ وذلك ميدان الفصل الخامس: أوَّلية القول.

الفصل الخامس: الأوَّلية — هل سبقه أحد، ومنهم زيد؟

خريطة الدعاوى المنافسة

تتنازع أوَّليةَ أبي الجارود خمس دعاوى. الأولى أن زيدًا نفسه قائلُ الحصر، وعمدتها تقريرُ الشهرستاني. والثانية جماعةٌ قبل زيد، وعمدتها خبرُ الواقفة عند نشوان. والثالثة أن البيت الحسني أصلُ الفكرة، وعمدتها بيعةُ الأبواء ومهدويةُ النفس الزكية. والرابعة أن الحسن بن صالح بن حي الهمداني والصالحية قالوا بها، وعمدتها عنوانُ كتابه «إمامة ولد علي من فاطمة». والخامسة سليمان بن جرير وقوله «لا تصلح اليوم إلا في ولد فاطمة».

زيد بن علي ليس قائلًا بالحصر

لا يثبت في النصوص المعروضة عن زيد قولٌ بحصر الإمامة في البطنين. فقد رُوي عنه في الشيخين: «قد ولُّوا فعدلوا في الناس وعملوا بالكتاب والسنة»[24]. ووصفه الأشعري بأنه «يتولَّى أبا بكر وعمر، ويرى الخروج على أئمة الجور»، ثم نسب الجارودية إلى «قول أبي الجارود»؛ ونشوان يخصُّهم بالحصر في «هذين البطنين»[25]. أما إلحاق الشهرستاني زيدًا بهذا المذهب فنسبةٌ متأخرة لا يسوق لها سندًا، ولا تنهض وحدها لإثبات السبق[26]. فالثابت هنا اختلاف النسبة، لا انتقال المقالة من زيد إلى أبي الجارود؛ ويُفرد تحقيق موقف زيد ببحث مستقل.

المرويات الموهمة للسبق

وتروي كتب الفرقتين ألفاظًا منسوبةً إلى النبي ﷺ أو إلى علي تُوهم أن الحصرَ منصوصٌ عليه قبل أبي الجارود. أشهرها حديث «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»؛ يحتج به المؤيد بالله على إمامة الحسنين، ويجعله الجارودية في مناظرة المفيد «نصًّا صريحًا» على الحسنين، ويقول فيه ابن المرتضى: «وهو صريح لكنه متلقَّى بالقبول وليس بمتواتر فيحتاج إلى النظر في صحته».[27] ولم أقف له على إسنادٍ في دواوين السنة المسندة، وهو في الكتب الزيدية والإمامية التي قوبلت بلا إسنادٍ متصل؛ ثم هو على فرض ثبوته نصٌّ في الحسنين لا في ذريتهما، وقد فصل المؤيدُ نفسُه بينهما. ومنها أحاديثُ اللوح بأسماء الأوصياء الاثني عشر، وبعضها من رواية أبي الجارود نفسه عن الباقر عن جابر؛ وهي عند الإمامية حجةٌ على الحصر الحسيني لا على البطنين، وفي أسانيدها أبو الجارود المتفق على تجريحه، وقد استدلَّ بها الخوئي على رجوعه عن الزيدية، فهي أبعدُ ما يكون عن أن تكون أصلًا لمقالته.[28] ومنها آيةُ أولي الأرحام وآيةُ القربى وحديثُ الثقلين، وهي أدلةُ المتأخرين من الزيدية على الحصر لا أخبارٌ تُؤرِّخ نشأته؛ وقد قال المفيد لمن احتج بالثقلين من الجارودية: «هذا الخبر بأن يكون حجةً لمن جعل الإمامة في جميع بني هاشم أولى من أن يكون حجةً لمن جعلها في ولد فاطمة».[29] فليس في هذه المرويات ما يُسنِد الحصرَ في البطنين إلى قائلٍ قبل أبي الجارود.

الفرضيات المنافسة الباقية

أولًا: الواقفة. خبرُها عند نشوان في القرن السادس بلا سندٍ ولا أسماء، وبنيتُه بنيةُ الفرقة التي وصفها النوبختي والقمي وسمَّيا رؤوسَها أبا الجارود وأبا خالد وفضيلًا، حتى في تفصيل الصفات والسيف ومباينة الظالمين؛ و«ستون سنة» حاصلُ طرحٍ بين كربلاء وخروج زيد لا تاريخٌ مروي. فالخبرُ إسقاطٌ لتعريف الجارودية على جماعةٍ مفترضةٍ قبل زيد؛ وإن قُبل على ظاهره أدخل أبا الجارود فيها، إذ هو الرجل الوحيد المسمَّى في أقدم المصادر رأسًا للقائلين بهذا القول قبل خروج زيد.[30]

ثانيًا: البيت الحسني. دعوتُه دعوةٌ إلى شخصٍ معيَّن هو «المهدي» محمد بن عبد الله، لا نظريةٌ في معدن الإمامة؛ وبيعةُ الأبواء هاشميةٌ لا فاطمية كما مرَّ، والمغيرةُ وبيانٌ حصرا الأمرَ في النفس الزكية نفسه؛ وليس في أخبار الحسنيين نصٌّ واحد بأن الإمامة في ولد الحسن والحسين دون غيرهم. فالدعوة الحسنية مؤثِّرٌ محتملٌ في توسعة أبي الجارود مقالتَه إلى البطن الحسني، لا أصلٌ للمقالة.[31]

ثالثًا: الحسن بن صالح بن حي الهمداني والصالحية. الشواهد عليهم متنازعة، وأقدمُها ينفي الحصر. يحكي ابن حزم عن «الميزان» لهشام بن الحكم، وهشامٌ جارُ الحسن بالكوفة ومعاصرُه، «أن مذهبه كان أن الإمامة في جميع ولد فهر بن مالك»، ويقول: «والثابت عن الحسن بن صالح هو قولنا أن الإمامة في جميع قريش».[32] ويصف النوبختي البتريةَ، والحسنُ منهم عنده، بأنهم «يرون الخروج مع كل من ولد علي … ولا يقصدون في الإمامة قصدَ رجلٍ بعينه حتى يخرج، كل ولد علي عندهم على السواء من أي بطن كان»؛ ويُقرِّر الكشي مثلَه.[33] وعنوانُ كتاب الحسن «إمامة ولد علي من فاطمة» عند ابن النديم قضيةٌ موجبةٌ تُثبت أهليةَ ولد فاطمة ولا تنفي أهلية غيرهم، والكتاب مفقود.[34] وابنُه الذي صحب يحيى بن عبد الله بعد فخ «كان يذهب مذهب الزيدية البترية في تفضيل أبي بكر وعمر».[35]

رابعًا: سليمان بن جرير. قوله في مسائل الإمامة: «وزعم أن الإمامة لا تصلح اليومَ إلا في ولد فاطمة لقول النبي ﷺ: إني تارك فيكم … ووجدت الأعناق في كل عصر تمتد إليهم بأكثر من مدِّها إلى غيرهم، فالأصلح أن يختار الناس إمامًا من القوم الذين تمتد إليهم الأعناق».[36] والقيد «اليوم» والتعليلُ بالأصلح يجعلان حصرَه مصلحيًّا مؤقتًا لا معدنًا شرعيًّا، وهو يجعل العلمَ مشتركًا، فحصرُه غيرُ حصر أبي الجارود بنيةً وعلة. ثم إن طبقتَه بعد أبي الجارود: فقد ناظر هشامَ بن الحكم المتوفى سنة 179هـ، ودعا له يحيى بن خالد البرمكي لقتل إدريس بن عبد الله بعد فخ سنة 169هـ، فوصفه أبو الفرج بأنه «من متكلمي الزيدية البترية ومن أولي الرياسة فيهم»؛ فهو من الجيل الذي تلا جيلَ أبي الجارود، وقولُه «اليوم» نفسُه يُشعر بأنه يُقيِّد حصرًا كان قد شاع قبله.[37]

الحكم المدرَّج

وتنتهي محاكمةُ الدعاوى إلى حكمٍ مدرَّج. الأوَّليةُ في الواصل ثابتةٌ بدرجةٍ عالية: أبو الجارود أولُ رجلٍ مسمًّى في المصادر الواصلة يُنسب إليه القولُ بحصر الإمامة في ولد الحسن والحسين، ولا منافسَ له مسمًّى في طبقته ولا قبلها؛ فزيدٌ لم يقل بها في شيءٍ ثابتٍ عنه، والواقفةُ بلا أسماء، والحسنيون دعوةُ شخص، والحسنُ بن صالح الهمداني على السعة في أقدم ما حُفظ عنه، وسليمانُ بن جرير بعده طبقةً وقولُه مقيَّدٌ بـ«اليوم». والأصالةُ، أي أنه منشئُ المقالة لا ناقلُها، راجحةٌ بقوة: يُرجِّحها التعليلُ الشخصي المنسوب إليه، وغيابُ القول في تعريفات عصره، وتفرُّدُ سيرته بالعناصر التي تتركَّب منها المقالة. وأما الأوَّليةُ المطلقة، أي أنه لم يخطر هذا القولُ لأحدٍ قبله في مجلسٍ أو حلقة، فلا تُدَّعى؛ إذ لا يُحيط بها علمُ باحث. والذي يُدَّعى، ويُقام عليه الدليل، أن المقالةَ دخلت التاريخَ المدوَّن باسم أبي الجارود، وأن كلَّ من نُسبت إليه بعده إنما أُلحق بها لاحقًا.

بين وصف الزيدية وإعادة صياغتها . 2 الأعمى الذي أشعل النار (ج2)

الفصل السادس: التكوُّن — كيف تفتَّق ذهنُه عن المقالة

«وتغيَّر لما خرج زيد». ثلاث كلماتٍ عند النجاشي تختصر انتقالًا في حياة رجلٍ كان من أصحاب الباقر فصار رأسًا لفرقةٍ تُسمَّى باسمه.[38] وهذا الفصل يسأل سؤالًا من جنسٍ آخر: كيف تكوَّنت هذه المقالة في ذهن صاحبها؟ وهو سؤالٌ لا تُجيب عنه النصوص إجابةً مباشرة، لأن أبا الجارود لم يترك سيرةً ذاتية؛ وإنما يُعاد بناءُ قصة الفكرة على مسرح الفصل الثالث، على أن تكون كلُّ خطوةٍ فيها مشدودةً إلى نصٍّ أو قرينة، وأن يُوسَم كلُّ استنباطٍ بأنه استنباط، وأن لا يُعوَّض نقصُ النصوص بتحليلٍ نفسي لا تحمله.

المرحلة الأولى: المادة

ورث أبو الجارود من بيئته وشبكته ثلاثَ مواد. الأولى الولاءُ العلويُّ الهمدانيُّ الذي رأيناه في خارف وصفين وكرسي المختار؛ وهذه مادةٌ عاطفيةٌ لا نظرية، تُفسِّر الاستعدادَ لا المقالة. والثانية مادةُ «النص» التي يُرجَّح أنه استمدَّها من مرويات الشيعة المتداولة في الكوفة والمنسوبة إلى أهل البيت، لا من تعليمٍ ثابتٍ عن الباقر[39]: أن الحسنين ابنا رسول الله ﷺ لصلبه بآية “ومن ذريته”، وأن عليًّا منصوصٌ عليه، وأن الوصيةَ انتقلت من علي إلى الحسن ثم من الحسين إلى علي بن الحسين؛ ففي كتب الإمامية تُروى عنه أخبارٌ ينسبها إلى الباقر في انتقال الوصية، وتفاصيلها في الحاشية.[40] فهذه مروياتٌ منسوبةٌ إلى أبي الجارود، لا برهانَ فيها على أن الباقر علَّمه هذه المقالة؛ ولا تعيِّن بنفسها زمنَ تلقّيه لها أو طريقه. والثالثة مادةُ «السيف» التي حملها إليه شيوخُه من أصحاب المختار: أن الحقَّ لأهل البيت لا يُنال إلا بالطلب، وأن القاعدَ لا يُنتظر منه شيء.

المرحلة الثانية: زيدٌ أيقونةً

ثم جاء زيد. وقد قدَّم خروجُه، في هذا التفسير، نموذجَ الإمام القائم الداعي إلى نفسه بالسيف، في مقابل أخبار النص والوصية؛ وجعل أصحابُ هذه المقالة القيامَ شرطًا ورفضوا إمامةَ القاعد. وهذان العنصران هما اللذان تشترك فيهما كلُّ أوصاف مقالة أبي الجارود: «من قام منهم ودعا إلى نفسه وجرَّد سيفه فهو الإمام المفروض الطاعة». فالذي تلقَّاه من حركة  زيد شرطُ الانعقاد، لا معدنُ الاستحقاق.

المرحلة الثالثة: لحظة الافتراق

وبين الباقر وزيد وقع الافتراق. فأصحابُ الباقر الذين فارقوا زيدًا قالوا «سبق الإمام»، وعدُّوا جعفرًا إمامَهم «بعد أبيه»، أي أخذوا بمادة النص المتسلسل إلى نهايتها: إمامٌ واحدٌ معيَّن في كل عصر من ولد الحسين، قاعدًا كان أو قائمًا.[41] ويورد الكشي، في الخبر الذي مرَّ في الفصل الرابع، تصويرًا إماميًّا لموقف أبي الجارود من هذا الافتراق.[42] والخبرُ ضعيفُ الطريق عند الإمامية أنفسهم؛ فلا يُثبت واقعةَ الافتراق ولا تحوُّلًا فكريًّا محددًا لأبي الجارود، وإنما يُستفاد منه تصويرُ الإمامية لموقفه: إذ يُنسب إليه رفضُ تعيين الباقر «إمامَ أهل الأرض»، وإحالةُ الكلمة إلى علي. أما تفسيرُ ذلك بالانتقال من النص على شخصٍ إلى النص على صنف، فاحتمالٌ تفسيريٌّ لا يثبته هذا الخبر، ولا تُعيِّنه عبارةُ النجاشي «تغيَّر» وحدها.

المرحلة الرابعة: التركيب

وها هنا تتركَّب المقالة من موادِّها. النصُّ موجودٌ لكنه ينتهي بالحسين.[43] والقيامُ شرطٌ لكنه لا يُعيِّن وحده، فإن قام رجلان من البيت لم يُعيِّن القيامُ أيَّهما الإمام؛ والحلُّ الذي يُنسب إلى أبي الجارود بشخصه هو التساوي، بالتعليل الذي مرَّ نصُّه في الفصل الرابع.[44] ويُقرِّر النوبختي العلةَ نفسها من جهة الخصم.[45] فالتساوي صمَّامُ المقالة: به تُحفظ الإمامةُ للصنف كلِّه، وبه يصير الخروجُ وحده علامةَ الإمام، وبه يُسدُّ بابُ التفاضل الذي لو فُتح لعاد التعيينُ الفردي من نافذته. وأما تعيينُ الصنف فهو موضع «البطنين»، وهو موضع المرحلتين الآتيتين.

المرحلة الخامسة: النفس الزكية والتوسعة الحسنية

تتضمن المرويات المنسوبة إلى أبي الجارود أخبارَ وصيةٍ حسينيةِ المدار، ولم يحصر الإمامةَ في ولد الحسين كما فعل الذين فارقوا زيدًا؛ وها هنا يدخل البيتُ الحسني. فالرجل روى عن عبد الله بن الحسن مباشرةً، وعاش حتى رأى الراية تنتقل من الحسيني المقتول سنة 122هـ إلى الحسني المبايَع بالأبواء سنة 126هـ والمقتول سنة 145هـ، ورأى ابنَ زيد عيسى على ميمنة الحسنيَّين، كما مرَّ في الفصل الثالث.[46] فالذين خرجوا مع زيد خرجوا بعده مع الحسنيَّين؛ ومقالةٌ تجعل الإمامةَ في ولد الحسين وحدهم كانت تُخرج النفسَ الزكية من الإمامة وتُكفِّر القائمَ به. وقد أثبت الأشعريُّ، وتبعه البغداديُّ مع اختلافٍ في اسم الثالث، أن الجارودية انتظروا بعد ذلك ثلاثةً: «محمد بن عبد الله بن الحسن» الحسني، و«محمد بن القاسم صاحب الطالقان» و«يحيى بن عمر صاحب الكوفة» الحسينيَّين؛ فمنتظَروهم من البطنين كليهما دون سائر الناس، وهذا هو سلوكُ جماعةٍ تعتقد التساوي بين البطنين اعتقادًا عمليًّا.[47] وهذا، في استنباطٍ موسوم، هو «الجسر» الذي عبرت عليه المقالةُ من أخبار الوصية الحسينية إلى إدخال البيت الحسني؛ وهو في الوقت نفسه «السياج»: فالتوسعةُ إلى ولد الحسن لم تمتدَّ إلى ولد علي من غير فاطمة، ولا إلى بيت جعفر الذي روى عنه، ولا إلى العباسيين الذين بايعوا بالأبواء.

المرحلة السادسة: علة النسب ووظيفة التعميم

وبقي تعليلُ اختصاص البطنين، وفيه العناصر الثلاثة الأخيرة من الفرضية التفسيرية. العنصر الثالث أن مسارَ التعيين الفردي، الذي سلكته الكيسانيةُ بالوصية ثم الإماميةُ بالنص المتسلسل، كان يحمل في بنيته علةَ انشعابه: فكلُّ وفاةِ إمامٍ معيَّن تفتح نزاعًا على خلفه؛ وقد انشعبت الإماميةُ بعد الصادق سنة 148هـ إلى فطحيةٍ وإسماعيليةٍ وناووسيةٍ وموسوية، وبعد العسكري سنة 260هـ إلى أربع عشرة فرقةً يعدُّها النوبختي، ولم تستقر على العدد الاثني عشر إلا في منتصف القرن الرابع كما حقَّق (كولبرغ).[48] وهذا الانشعاب متأخرٌ عن صياغة أبي الجارود، فهو شاهدٌ على منطق المسار لا سببٌ للمقالة. والعنصر الرابع أن التعميمَ في البطنين قام على علةٍ نسبية صريحة: أن الحسنين ابنا رسول الله ﷺ لصلبه، فذريتُهما ذريتُه؛ وهذه هي المادةُ التي يُحاجُّ بها الباقرُ أبا الجارود فيما ينسبه إليه في خبر القمي، وهي التي صارت عند الزيدية دليلَ الحصر: يقول المتوكل أحمد بن سليمان إن القرابةَ إلى رسول الله ﷺ أولى المحامد، «فكما كانا أقربَ الناس إلى رسول الله كذلك أولادُهما»، ثم: «ومن طريق النظر أن الإمامة لو كانت في جميع الناس لأدَّى ذلك إلى الفساد والالتباس، ولوُضع الشيءُ في غير أهله … ولعسر على الناس طلبُ الإمام … وكثُر المدَّعون للمقام».[49] ويُعلِّل سليمانُ بن جرير اختيارَ الفاطميين بأن «الأعناقَ في كل عصرٍ تمتد إليهم».[50] ويحتج الجاروديةُ في مناظرة المفيد بأن العترةَ في اللغة «اللباب والخاصة» فعترةُ النبي ورثتُه «دون غيرهم من بني هاشم».[51] فالعلةُ النسبية تُضيِّق الدائرةَ عن بني هاشم إلى ولد فاطمة، والعلةُ السياسية، وهي كثرةُ المدَّعين والالتباس، تمنع أن تُفتح على كل الناس أو على كل قريش.

والعنصر الخامس وظيفةُ التعميم. فمقالةٌ تجعل الإمامةَ في صنفٍ متساوٍ لا في شخصٍ معيَّن لا تنشعب بموت أحد؛ لأن الإمامَ فيها لا يُعرف بالوصية بل بالقيام، فإذا مات القائمُ أو قُتل لم يبقَ سؤالُ «من خلفه؟» معلَّقًا بنصٍّ مفقود، بل بقي بابُ الخروج مفتوحًا لكل من استكمل الشروط. فالتعميمُ في البطنين سدَّ بابَ الانشعاب الذي فتحه التعيينُ الفردي، وأبقى الحقَّ في بيتٍ واحدٍ لا في شخصٍ واحد؛ وهذه هي الوظيفة التي أدَّتها المقالةُ في تاريخ الزيدية بعد ذلك لقرون.

الاختبارات الإلزامية

ويلزم اختبارُ هذه القصة من أربعة وجوه قبل الحكم عليها. الأول: دعوى أن المقالةَ ردُّ فعلٍ على الدعوة العباسية بعد سنة 132هـ لا على الافتراق عن الإمامية. والجواب أن النوبختي وسعدًا يرتِّبان الفرقةَ التي سمَّيا رؤوسَها قبل خروج زيد، ويقولان إنها «التقت» بزيد عند خروجه، وأن مسائل الإمامة يقول: «فخرجت هذه الفرقة مع زيد بن علي فسمَّتهم الشيعةُ الزيدية»؛ فأصحابُ أبي الجارود جماعةٌ قائمةٌ قبل الخروج عند مصدرهم.[52] وفي المقابل يقول سعدٌ إن الإمامَ عندهم من كانت «دعوتُه وخطبُه للرضا من آل محمد»، وهذا شعارُ الدعوة العباسية بعينه، فيُشعر بأن الصياغةَ الموصوفة تلقَّفت لغةَ ما بعد سنة 132هـ.[53] والتوترُ بين الشاهدين يُحلُّ بالتفريق بين الجذور والصياغة: جذورُ الجماعة في الوسط الشيعي الكوفي قبل الخروج، فأبو خالد الواسطي وفضيل الرسان من أصحاب الباقر كأبي الجارود، وهم الذين «قالوا بالنص» ثم خرجوا مع زيد؛ ولا تثبت صحبتُهم للباقر أن القولَ من تعليمه؛ وصياغةُ المقالة بصنفها وتساويها وتكفير قاعدها بعد الخروج، وترسيخُها في مواجهة شعار «الرضا من آل محمد» بعد قيام الدولة. فالعباسيون لم يُنشئوا المقالة، لكنهم أعطوها خصمَها الذي صيغت ضدَّه: فإذا كان «الرضا من آل محمد» شعارًا يسع كلَّ هاشمي، فمقالةُ أبي الجارود تُجيب: الرضا من ولد فاطمة وحدهم.

الثاني: أن البتريةَ والصالحية، وهم شركاءُ زيدٍ في الخروج، لم ينتهوا إلى الصيغة نفسها. والجواب في بنية مقالتهم: فهم لا يقولون بالنص على علي، بل يُجيزون بيعةَ الشيخين «لأن عليًّا ترك ذلك لهما»، فالإمامةُ عندهم اختيارٌ وعقد؛ ومن جعل الإمامةَ اختيارًا لم يحتج إلى معدنٍ ضيق، فوسَّعوها إلى «كل ولد علي من أي بطن كان» أو إلى «جميع قريش».[54] أما من قال بالنص على علي وكفَّر المتقدِّمَ عليه فقد التزم أن الإمامةَ حقٌّ إلهيٌّ لا يُنال بالاختيار، فلزمه أن يُعيِّن معدنَه؛ ولما رفض التعيينَ الفردي لم يبقَ له إلا الصنف، ولما كان الصنفُ ذريةَ من نُصَّ عليهم لم يبقَ إلا البطنان. فالحصرُ في البطنين هو الموضعُ الذي يلتقي فيه النصُّ الإمامي والقيامُ الزيدي؛ ولهذا لم يصل إليه من فقد أحدَ الطرفين.

الثالث: ما في سيرة أبي الجارود مما يُفرِده بهذا الجمع. فقد اجتمع فيه ما لم يجتمع في أحدٍ من رؤوس الزيدية الأُول مما مرَّ في الفصل الثاني. فأبو خالد وفضيل من أصحاب الباقر لكن لا تُعرف لهما صلةٌ بالبيت الحسني، والحسنُ بن صالح الهمداني وكثيرٌ النواء لم يكونا من أصحاب الباقر على مقالة النص؛ وهذا تفرُّدٌ في الشروط لا دليلٌ على الفعل، لكنه يُعين على فهم لماذا نُسبت المقالةُ إليه دون أصحابه.

الرابع: تركُّبُ التفسيرات الأربعة التي عُرضت في المقدمة. فالتفسيرُ المنطقي، وهو أن الحصرَ في الصنف المتساوي لازمٌ لمن جمع النصَّ والقيام، يُفسِّر بنيةَ المقالة ولا يُفسِّر لماذا البطنان لا كلُّ ولد علي؛ والتفسيرُ السياسي القريب، وهو الجسر الحسني بعد مقتل زيد، يُفسِّر التوسعةَ ولا يُفسِّر السياج؛ والتفسيرُ العباسي يُفسِّر الترسيخَ بعد سنة 132هـ ولا يُفسِّر النشأة؛ والفرضيةُ الكبرى، وهي انقسامُ المطالبة الهاشمية الجامعة وتعميمُ الحق في البطنين لعلةٍ نسبية لسدِّ باب الانشعاب، تجمع الثلاثةَ في إطارٍ واحد: البنيةُ من المنطق، والدائرةُ من النسب، والتوقيتُ من السياسة. وهذا الإطارُ هو الذي يُفسِّر لماذا صارت هذه المقالةُ بالذات، دون مقالات أصحاب زيد الآخرين، المقالةَ التي بقيت.

المخطط

الشكل ٢: البنية المنطقية لمقالة أبي الجارود: النص على الثلاثة، فالصنف المتساوي من البطنين، فالانعقاد بالخروج، فنفي إمامة القاعد

الأعمى الذي أشعل النار 2 الأعمى الذي أشعل النار (ج2)

وتنتهي قصةُ الفكرة إلى حكمٍ في أصالتها: أن مقالةَ البطنين لم تكن منقولةً إلى أبي الجارود من زيدٍ ولا من البيت الحسني ولا من البترية، بل تركَّبت في ذهنه من موادٍّ عرفها كلُّ من في طبقته، لكنه وحده جمعها في قاعدةٍ واحدة لأن سيرتَه وحدها جمعت أطرافَها. فالأصالةُ راجحةٌ بقوة، والزمنُ بين خروج زيد ومقتل النفس الزكية راجح، والترسيخُ في مواجهة الدولة العباسية ثابتٌ بالقرينة اللفظية. وبقي سؤالُ الفصل التالي: هل هذه المقالة هي التي تُعرِّف الفرقة؟


الهوامش:

[1] الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص٦٦–٦٧.

[2] المصدر نفسه، ص٥ (الغالية)، ص٦٥ (الزيدية)، ص٦٨ (البترية)؛ وبالصيغة نفسها يعلّل اسم الرافضة (ص١٦) والقطعية (ص١٧) والكيسانية (ص١٨).

[3] مسائل الإمامة، المطبوع منسوبًا إلى الناشئ الأكبر، ص٤٢–٤٣. وفي نسبة الكتاب إلى الناشئ خلاف؛ ويرجّح ويفر أنه من النصف الأول للقرن الثالث: Weaver, The Shīʿa in Iraqi Heresiography, 46–48.

[4] مسائل الإمامة، ص٤٢، فقرة ٦٥–٦٦. وفيها: «وزعموا أنه من دعا إلى نفسه بالإمامة من ولد فاطمة وهو في بيته مرخًى عليه ستره فليس بإمامٍ ولا طاعته مفروضة».

[5] المصدر نفسه، ص٤٣، فقرة ٦٧. و«الناشئ» تصحيح المحقق من هامش الأصل مقابل «الناس»؛ وعبارة «إن يكونوا مستوين» هكذا في المطبوع، والسياق يقتضي نفي الاستواء. والمحذوف: «بعضهم على بعض في العلم وفي الأمور التي تحتاج الأمة إلى أن يكون الإمام بها عارفًا».

[6] مسائل الإمامة، ص٤٢–٤٣. يحكي المصنِّف القول عن «جماعة من مشايخ الشيعة وعلمائهم» من غير تسمية أفرادهم؛ فتُثبت هذه الصيغة كما وردت، ولا يُعيَّن لهم مصدر آخر بالتخمين.

[7] النوبختي، فرق الشيعة، ص٥٤–٥٦.

[8] البلخي، المقالات. والنسخة يمنية فريدة نُسخت سنة ٤٠٨هـ: Weaver, The Shīʿa in Iraqi Heresiography, 180 n. 109.

[9] البلخي، المقالات، ص٨٥. و«وإنَّ الإمامة» تصحيح المحقق، وفي الأصل: «الأمة».

[10] المصدر نفسه، ص٨٦، والزيادة بين شرطتين من المحقق. ثم يذكر افتراقهم فرقتين في طريق النص على الحسن والحسين، وثلاث فرق في المنتظَر.

[11] قارن: الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص٦٦–٦٧، بالبلخي، المقالات، ص٨٦. ولنص القاضي عبد الجبار: المغني في أبواب التوحيد والعدل، ٢٠/٢: ١٨٤، بنقل (Weaver), The Shīʿa in Iraqi Heresiography, 182.

[12] ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٣: ٥٤٥–٥٤٦، رقم ٢٤٦٢؛ البخاري، التاريخ الكبير، ٣: ٣٧١، رقم ١٢٥٥؛ ابن حبان، المجروحين، ١: ٣٨٤. وعند ابن حبان (المجروحين، ط. زايد، ١: ٣٠٦) أنه «كان رافضيا يضع الحديث في مثالب أصحاب النبي ﷺ ويروي عن فضائل أهل البيت أشياء ماله أصول»؛ فتعرُّضهم لمذهبه في التشيع واقع، ولا يُنسب إليهم تناول مقالة الحصر في البطنين بعينها.

[13] ابن أبي شيبة، مسائل ابن أبي شيبة عن شيوخه، ص١٢١، رقم ٥٩؛ ص١٢٤، رقم ٦٩؛ كلاهما من رواية المؤلف عن أبيه عثمان بن أبي شيبة (ت٢٣٩هـ) عن أبي نعيم. وأبو نعيم نفسه معدودٌ عند الخوارزمي في فرق الزيدية («الدكينية وهم أصحاب الفضل بن دكين»): الخوارزمي، مفاتيح العلوم، ص٤٩؛ فشهادته من داخل الوسط الكوفي المتشيع.

[14] الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص٦٦–٦٧؛ الإسفراييني، التبصير في الدين، ص٢٧–٢٨؛ المقدسي، البدء والتاريخ، ٥: ١٣٣، وهو ينسب الجارودية إلى «سليمان بن جرير الجارود» لا إلى أبي الجارود، فشهادته على المقالة لا على نسبتها إليه. أما قول ابن حزم إن الإمامة عند «جميع الزيدية» في جميع ولد علي، فمتعلِّق بعموم الاسم، ولا ينسب مقالة البطنين إلى قائلٍ آخر: الفصل، ٤: ٧٦–٧٧. ويُنقل عن عبد الجبار وصفُ «العقبية» بإجازة الإمامة في ولد علي من غير الحسنين؛ انظر: الغيلي، الفكر الزيدي المبكر، ص٦٢، حاشيته، محيلًا إلى المغني، ٢٠/٢: ١٨٥؛ والنقل هنا بواسطة الغيلي، لا عن أصل المغني.

[15] البلخي، المقالات، ص٨٦؛ عبد الجبار، المغني، ٢٠/٢: ١٨٤؛ الحاكم الجشمي، شرح عيون المسائل، مخطوط، ٢١ظ–٢٢و؛ والأخيران بنقل (Weaver), The Shīʿa in Iraqi Heresiography, 182. تُوزن شهادة كل مصنِّف بحسب عبارته؛ وهذه الإحالة بواسطة ناقل النصين، لا اعتمادٌ لمنهجه في افتراض مصادرهم. وينقل عبد الجبار، عن مصدر لم يسمِّه، اختلاف أبي الجارود وأصحابه في الرجعة والحكم على الشيخين؛ ويورد الجشمي حكايات عن الورّاق في المنتظَرين والرجعة ثم يردّها. وهذه النقول تتعلق بمقالات الفرقة، لا بأسبقية الحصر في البطنين؛ ولا يُعيَّن مصدر عبد الجبار المبهم بأنه الورّاق. انظر: عبد الجبار، المغني، ٢٠/٢: ١٨٥، بنقل (Weaver)، ص٢٠٨، حاشية ١٣٩؛ الجشمي، شرح عيون المسائل، ٢١ظ، بنقل (Weaver)، ص١٨٣.

[16] العلوي، الجامع الكافي، القسم السادس، ص٤٨٧. والقائل المرادي، جامع أمالي أحمد بن عيسى (ت٢٤٧هـ).

[17] أمالي أحمد بن عيسى، ص٨٠، ١٦٣، ١٩٤–١٩٥، بطريق محمد بن بكر عنه عن الباقر؛ أمالي أبي طالب، ص١٢، ١٦، ٢٢٩. ولم يظهر اسمه في البحث النصي في مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي ولا في مجموع رسائل الإمام الهادي.

[18] المتوكل، حقائق المعرفة، ص٤٦٦؛ ثم قال (ص٤٦٧): «وعندنا أنَّ من تقدَّم على أمير المؤمنين… فقد ظلمه وجحد حقه وفسق، وهو كافر نعمةٍ فاسقٌ ظالم».

[19] نشوان، الحور العين، ص١٥٦؛ وله، شمس العلوم، ٢: ١٠٤٩؛ المنصور بالله، المجموع المنصوري، القسم الأول، ص٤٦٩ (الرسالة النافعة)؛ وجوابُه الذي افتُتح به الفصل السابع: حميدان، المجموع، ص٤٠٢. والحكاية عن البلخي تنتهي عند تقسيم الزيدية إلى فرق؛ أما قوله «وليس باليمن من فرق الزيدية غير الجارودية» فكلام نشوان نفسه (الحور العين، ص١٥٦).

[20] النوبختي، فرق الشيعة، ص٥٤–٥٥، وص٥٧: «وأما الأقوياء فمنهم أصحاب أبي الجارود وأصحاب أبي خالد الواسطي وأصحاب فضيل الرسان ومنصور بن أبي الأسود».

[21] سعد بن عبد الله، المقالات والفرق، ص٧١، فقرة ١٣٧؛ وص١٨، فقرة ٥٤، وفيه: «الجارودية أصحاب الجارود زياد بن المنذر بن زياد الأعجمي».

[22] الكشي، اختيار معرفة الرجال، ٢: ٤٩٥، الخبر ٤١٣ («حكي أن أبا الجارود سمي سرحوبا، ونسبت إليه السرحوبية من الزيدية»؛ فالمنسوب إليه عنده «السرحوبية» لا «الجارودية»)؛ الطوسي، الفهرست، ص١٣١، رقم ٣٠٣ («واليه تنسب الزيدية الجارودية»)؛ وله، الرجال، ص١٣٥، رقم ١٤٠٩ («إليه تنسب الجارودية منهم»)؛ النجاشي، الرجال، ص١٧٠، رقم ٤٤٨ (ولا نسبة فرقة إليه فيه).

[23] المفيد، المسائل الجارودية، ص٢٧–٢٨، ٣٥، ٤١.

[24] الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ٧: ١٧٢–١٧٣، ١٨٠–١٨١، من رواية هشام الكلبي عن أبي مخنف.

[25] الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص٦٥–٦٧؛ نشوان الحميري، الحور العين، ص١٥٥–١٥٦.

[26] الشهرستاني، الملل والنحل، ١: ١٥٤–١٥٥، ١٥٨؛ الخطيب، زيد بن علي وآراؤه الاعتقادية، ص٢٠٩.

[27] المؤيد بالله، التبصرة، ص٨٧؛ المفيد، المسائل الجارودية، ص٣٤–٣٥؛ ابن المرتضى، البحر الزخار، ١٦: ٨٧. (نصوصٌ من الإمامية والزيدية.) والحكم في الحديث: لا أصل له في دواوين السنة المسندة ولا في كتب التخريج التي وقفتُ عليها، وقد ورد بلفظ «قاما أو قعدا» في المواضع الإمامية والزيدية المذكورة، ومسندًا عند الصدوق، علل الشرائع، ١: ٢١١ (باب ١٥٩، ح٢)، وكذلك في حاشيةٍ لناسخٍ على نسخةٍ من شمس العلوم لنشوان (٢: ١١٧٣، في الحاشية لا المتن)، وفي كتبٍ معاصرة تنقله عن الزيدية والإمامية، منها العمراني، نيل الأماني، ٢: ٨١٧، ناقلًا عن الانتصار ليحيى بن حمزة والبحر الزخار؛ فالخلاف في صحة إسناده لا في وجود الخبر، ويُنظر إليه بوصفه حجةً كلاميةً تداولتها الفرقتان الإمامية والزيدية.

[28] الكليني،الكافي، ١: ٥٣٢؛ الصدوق، كمال الدين، ص٢٦٩، ٣١١–٣١٢؛ الخوئي، معجم رجال الحديث، ٨: ٣٣٦. تحقيق السند: لا يثبت، وعلَّته أبو الجارود. رواه الكليني من طريق الحسن بن محبوب السراد (من كبار رجال الإمامية؛ ذكره ابن حجر بلا جرح ولا تعديل) عن أبي الجارود (متفق على تجريحه) عن أبي جعفر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه. انظر تراجمهم في: ابن حجر، لسان الميزان، ٣: ١١٠–١١١ (الحسن بن محبوب)؛ وتهذيب التهذيب، ٣: ٣٨٦ (أبو الجارود)؛ ٩: ٣٥٠ (الباقر). (نصوصٌ من داخل الإمامية.)

[29] المفيد، المسائل الجارودية، ص٤٠ (ط. المؤتمر العالمي للشيخ المفيد، قم ١٤١٣هـ؛ والقول للإمامية في ردّهم على الجارودية). وأدلة المتأخرين عند حميدان، المجموع، ص٤٢١–٤٢٢ (العقل والكتاب والسنة وإجماع الأمة وإجماع العترة)، ومجد الدين المؤيدي، مجمع الفوائد، ص١٧٨. (نصوصٌ من الإمامية والزيدية.)

[30] نشوان، الحور العين، ص١٨١؛ النوبختي، فرق الشيعة، ص٥٤–٥٥؛ سعد، المقالات والفرق، ص٧١. ويُلاحظ أن ترتيب النوبختي الفرقةَ عقب مقتل الحسين ترتيبُ مصنِّفٍ للافتراقات لا تأريخٌ لنشأة كل تفصيل؛ وفي قوله «فالتقوا هؤلاء … فصاروا مع زيد» ما يُشعر بأن الفرقة عنده قائمةٌ قبل الخروج، وهو توترٌ يُحلُّ في الفصل السادس. (نصوصٌ من الإمامية والزيدية.)

[31] أبو الفرج الأصبهاني، مقاتل الطالبيين، ص٢٢٤–٢٢٧؛ البلاذري، أنساب الأشراف، ٣: ٣٠٧؛ وينظر الفصل الثالث. وقد نبَّه أحمد الكاتب إلى أن عبد الله بن الحسن «كان ينكر حصر الإمامة في البيت الحسيني»، وهذا إنكارٌ للحصر الحسيني لا إثباتٌ للحصر في البطنين: تطور الفكر السياسي الشيعي، ص٧١.

[32] ابن حزم، الفصل، ٤: ٧٧؛ ٢: ٨٩. والإحالة إلى الميزان بواسطة ابن حزم؛ والكتاب مفقود. وقد قال ابن حزم: «وهشام بن الحكم أعلم به ممن نسب إليه غير ذلك، لأن هشامًا كان جاره بالكوفة وأعرف الناس به وأدركه وشاهده».

[33] النوبختي، فرق الشيعة، ص٥٧؛ الكشي، اختيار معرفة الرجال، ٢: ٤٩٩، الخبر ٤٢٢: «ويرون الخروج مع بطون ولد علي بن أبي طالب». (نصوصٌ من داخل الإمامية.)

[34] ابن النديم، الفهرست، ١: ٦٤٠. وأثبت الوجيه العنوان في كتب الحسن وقال إن الآراء المنسوبة إلى الصالحية «من روايات الخصوم»: أعلام المؤلفين الزيدية، ص٣٢٠. (والوجيه شهادةٌ من داخل الزيدية.)

[35] أبو الفرج، مقاتل الطالبيين، ص٣٩٢.

[36] مسائل الإمامة، ص٤٤–٤٥، الفقرة ٦٩. والقيد «اليوم» ثابتٌ في النص فلا يُحذف عند الاستدلال.

[37] أبو الفرج، مقاتل الطالبيين، ص٤٠٧: «ودعا سليمان بن جرير الجزري، وكان من متكلمي الزيدية البترية ومن أولي الرياسة فيهم»؛ ومناظرته هشامَ بن الحكم مشهورةٌ في كتب الإمامية. ووفاة هشام سنة 179هـ على أحد القولين. ويُلاحظ أن أبا الفرج يعدُّه بتريًّا لا رأسَ فرقةٍ مستقلة، وهو ما يوافق «الجريرية» عند نشوان و«السليمانية» عند الأشعري.

[38]النجاشي، الرجال، ص١٧٠، رقم ٤٤٨. (نصٌّ من داخل الإمامية.)

[39] ورد في «اختيار معرفة الرجال»، فيما نقله بدر محمد باقر، عن جعفر الصادق أن المغيرة بن سعيد «دسَّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي»، ونُقل عنه في إنكار الغلو: «لو أقررت بما يقول فيَّ أهل الكوفة لأخذتني الأرض». الطوسي، اختيار معرفة الرجال، ٢: ٤٨٩، ٥٩٠، نقلًا عن بدر محمد باقر، الروض الناضر في سيرة الإمام أبي جعفر الباقر، ص٧١، ٢٢٥. وهما شاهدان على ورود إنكار الدس والغلو في المرويات المنسوبة إلى أهل البيت، لا دليلٌ على طريق تلقّي أبي الجارود هذه الأخبار بعينها؛ لذلك أُثبت التفسير الكوفي ترجيحًا، ولم يُحكم بصحة هذين الخبرين بمجرد ورودهما.

[40] الكليني،الكافي، ١: ٢٩٨ (باب الإشارة والنص على الحسن بن علي) و١: ٣٠٤ (باب الإشارة والنص على علي بن الحسين). ومن ألفاظ الخبر الأول أن عليًّا رضي الله عنه لما حضره الموت «قال لابنه الحسن: ادنُ مني حتى أُسرَّ إليك ما أسرَّ رسول الله إلي، وأئتمنك على ما ائتمنني عليه»؛ وفي الثاني أن الحسين لما حضره ما حضره «دفع وصيته إلى ابنته فاطمة ظاهرةً في كتابٍ مدرج، فلما أن كان من أمر الحسين ما كان دفعت ذلك إلى علي بن الحسين». تحقيق السند: لا يثبت بهما قولٌ للباقر، ويُستفاد منهما موضعُ هذه المادة في المرويات المنسوبة إلى أبي الجارود، لا ثبوتُ تعلُّمه لها من الباقر. رواه الكليني في الأول عن علي بن إبراهيم القمي عن أبيه إبراهيم بن هاشم عن محمد بن أبي عمير عن عبد الصمد بن بشير عن أبي الجارود (متفق على تجريحه) عن أبي جعفر؛ وفي الثاني عن عدةٍ من أصحابه عن أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري عن الحسين بن سعيد الأهوازي عن محمد بن سنان عن أبي الجارود (متفق على تجريحه) عن أبي جعفر؛ ورجالُ الطريقين من رجال الإمامية، ذكر ابن حجر بعضَهم بلا جرحٍ ولا تعديل. انظر تراجمهم في: ابن حجر، لسان الميزان، ٥: ٤٧٧ (علي بن إبراهيم)؛ ١: ٣٧٦ (إبراهيم بن هاشم)؛ ١: ٥٩٨ (أحمد بن محمد بن عيسى)؛ ٣: ١٦٦ (الحسين بن سعيد)؛ وابن حجر، تهذيب التهذيب، ٣: ٣٨٦ (أبو الجارود)؛ ٩: ٣٥٠ (الباقر)؛ ولا تراجم لابن أبي عمير وعبد الصمد ومحمد بن سنان الزاهري في هذه الكتب. وخبر البنوة في علي بن إبراهيم القمي، تفسير القمي، ١: ٢٠٨–٢٠٩. (نصوصٌ من داخل الإمامية، بصيغة «فيما ينسبه أبو الجارود إلى الباقر».)

[41] الطبري، تاريخ، ٧: ١٨١.

[42] الكشي، اختيار معرفة الرجال، ٢: ٤٩٧، الخبر ٤١٧. تحقيق السند: خبرٌ إماميٌّ ضعيفُ الطريق، يُستفاد منه صورةُ الافتراق كما حُفظت عند الخصم لا واقعةٌ بعينها. رواه الكشي عن محمد بن الحسن البراثي وعثمان بن حامد عن محمد بن زياد عن محمد بن الحسين عن عبد الله المزخرف عن أبي سليمان الحمار داود بن سليمان؛ ورجاله لا تراجم لهم في كتب الرجال عند أهل الحديث، وتراجمهم في كتب رجال الإمامية، وقد ضعَّف الخوئي أخبارَ الذم كلَّها (معجم رجال الحديث، ٨: ٣٣٤). (نصٌّ من داخل الإمامية.)

[43] مسائل الإمامة، ص٤٢، الفقرة ٦٦؛ وقارن أبا الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص٦٧، في افتراق الجارودية فرقتين في كيفية النص على الحسنين.

[44] مسائل الإمامة، ص٤٣، الفقرة ٦٧.

[45] النوبختي، فرق الشيعة، ص٥٦؛ ومثله سعد، المقالات والفرق، ص٧٢: «وإنما قالوا بهذه المقالة كراهةَ أن يُلزِموا الإمامةَ بعضَهم دون بعض فينقض قولُهم إن الإمامة صارت فيهم جميعًا فهم فيها شرعٌ سواء». (نصٌّ من داخل الإمامية.)

[46] أمالي أحمد بن عيسى، ١: ٨٧: «عن أبي الجارود قال: حدثني عبد الله بن الحسن»؛ أبو الفرج، مقاتل الطالبيين، ص٣٤٩. وينظر الفصلان الثاني والثالث. وليس في نص المقاتل ذكرٌ لأبي الجارود، وفيه: «كان عيسى بن زيد على ميمنة محمد بن عبد الله بن الحسن يوم قتل، ثم صار إلى إبراهيم فكان معه على ميمنته حتى قتل»؛ فرؤيته لعيسى استنتاجٌ من ترتيب الوقائع لا نصٌّ في المصدر.

[47] الأشعري، المقالات، ص٦٧؛ البغدادي، الفرق بين الفرق، ص٢٣؛ والإسفراييني، التبصير في الدين، ص٢٨. والبغدادي يسمِّي الثالث «محمد بن عمر الذي خرج بالكوفة»، والمراد يحيى بن عمر على ما عند الأشعري، فإمَّا تصحيفٌ وإمَّا وهم. ومحمد بن القاسم من ولد عمر بن علي بن الحسين، ويحيى بن عمر من ولد زيد بن علي، فكلاهما حسيني؛ والنفس الزكية حسني.

[48] النوبختي، فرق الشيعة، ص٦٥–٦٧ (الافتراق بعد الصادق) وص٩٦ وما بعدها (الافتراق بعد العسكري)؛ (Kohlberg), “From Imāmiyya to Ithnā-ʿashariyya”: 521–522: “Only in the mid-fourth/tenth century does a major addition appear in the form of a doctrine: it is the belief that there are 12 Imams”؛ ويقرِّر (كولبرغ) أن النوبختي وسعدًا لا يُشيران صراحةً إلى أن العدد بلغ اثني عشر.

[49] المتوكل، حقائق المعرفة، ص٥٠٠، ٥٠٤. (شهادةٌ من داخل الزيدية؛ والتعليلُ تعليلُ المتوكل في القرن السادس، ولا يُؤرَّخ به إنشاءُ العلة في القرن الثاني إلا بقرينة تعليل أبي الجارود نفسه في مسائل الإمامة.)

[50] مسائل الإمامة، ص٤٥، الفقرة ٦٩.

[51] المفيد، المسائل الجارودية، ص٤٠: «قالت الجارودية: فإن العترة في اللغة هم اللباب والخاصة، من ذلك قيل: عترة المسك، يُراد به خاصته، وذلك موجبٌ لكون عترة النبي ورثتَه دون غيرهم من بني هاشم». (نصٌّ من الإمامية يحكي حجة الجارودية.)

[52] النوبختي، فرق الشيعة، ص٥٥: «فالتقوا هؤلاء مع الفرقتين اللتين قالتا إن عليًّا أفضل الناس بعد النبي فصاروا مع زيد بن علي بن الحسين عند خروجه بالكوفة»؛ سعد، المقالات والفرق، ص٧٢؛ مسائل الإمامة، ص٤٢: «فخرجت هذه الفرقة مع زيد بن علي بن الحسين فسمَّتهم الشيعةُ الزيدية». وفضيل بن الزبير «من أصحاب محمد بن علي» عند ابن النديم، الفهرست، ١: ٦٤٠؛ وأبو خالد الواسطي (متفق على تجريحه) يروي عن الباقر عند المزي، تهذيب الكمال، ٢١: ٦٠٣. (النوبختي وسعد نصَّان من داخل الإمامية.)

[53] سعد، المقالات والفرق، ص٧١، الفقرة ١٣٧: «وإن كانت دعوته وخطبه للرضا من آل محمد فهو الإمام». وشعار «الرضا من آل محمد» في وصية محمد بن علي لبكير بن ماهان: أخبار الدولة العباسية، ص٢٠٠. وهذه قرينةٌ لفظية على زمن الصياغة الموصوفة لا على زمن نشأة المقالة. (نصٌّ من داخل الإمامية.)

[54] الأشعري، المقالات، ص٦٨–٦٩؛ النوبختي، فرق الشيعة، ص٥٧؛ ابن حزم، الفصل، ٢: ٨٩؛ ٤: ٧٧.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى