
لطالما اعتدنا على تسمية الأعسر من العُسر وهو الصعوبة، لكنّ الأمر -في نفسه- غير عسير على مَن خُلق له، وفي الوقت نفسه، الأعسر هو مَن يستعمل يده اليسرى، واليسرى من اليُسر وهو السهولة المضادّة للعسر، فأيّ ترادف وتضادٍّ يمكن أن يجتمعا في كلمة واحدة!
يحتفل العالم في 13/ آب (أغسطس) من كل عام بمستخدمي اليد اليسرى، الذي أسّسه “دين آر كامبل” عام 1976 لمواجهة عالَم مصمَّمٍ في أساسه لمُستخدمي اليد اليمنى؛ ليلفت النظر إلى التحديات التي قاساها العسران على مرّ الزمان.
قيل لي لمّا كنت طفلة صغيرة إني بدأتُ أتحسّسُ الأشياء في العالم حولي بشمالي! وكانت يُسرايَ أسرعَ إلى فمي من أختها اليمنى.. لا شكَّ أنّ ذلك أحدث نوعَ إرباك لوالديَّ، وربّما شعرا بقلقٍ على مستقبل ابنتهما البِكر! ومِن حُسن حظي أنّهما (أمي وأبي رحمهما الله) قد أَوكلَا مهمّة تعليمي استعمالَ يدي اليمنى في الأكل والشرب إلى خالي (رحمه الله) أملًا في إصلاح هذا العيب الظاهر! وخالي قريبٌ إلى قلبي، عزيزٌ عليّ أن أُغضبه أو أَعصي أمره.. كثير التردد إلى بيتنا وهو ما زال شابًّا أعزب، كلما رآني أُمسك شيئًا بيدي اليسرى صاح بي:
كخ كخ خالو! ضاربًا بلطفٍ ذلك الشيء في يدي ليسقط، فيتناوله ويضعه في يمناي قائلًا:
كذا خالو!
ومرة بعد مرة.. بعد محاولات لا أحصيها.. لكنْ بيُسر وسهولة.. تمّت المهمة بنجاح (بحمد الله) دون أن تترك في نفسي أثرًا سيّئًا كما كان يعتقد كثير من الآباء آنذاك (وإلى الآن)، و”إنّ الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه”.
جاء في لسان العرب لابن منظور: “ويقال رجل أعسر وامرأة عسراء إذا كانت قوتهما في أشمُلِهِما (جمع شمال)، ويعمل كل واحد منهما بشماله ما يعمله غيره بيمينه. ويقال ليس شيءٌ أشدَّ رميًا من الأعسر. ويقال للمرأة عسراء يسَرَة إذا كانت تعمل بيديها جميعًا، والرجل أعسر يَسَر (والجمع عُسْرٌ يَسَرَة)” إذا كانت الأعمال قسمةً بين يديه؛ اليمين ماهرة ببعضها، والشمال ببعضها الآخر. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أعسر يَسَرًا”.
أما “الأَضْبَطُ” فهو مَن يعمل كلَّ شيءٍ بيديه جميعًا (بقدرة متكافئة بينهما لا تفضل يدٌ أختَها في القوة). والمرأة ضبطاء، والجمع: ضُبْط. والضَّبْطُ لزوم الشيء وحفظه بالحزم.
أجد ذهني -الآن- خِلوًا من تفاصيل ذلك العهد، لكنني أذكر جيّدًا عند دخولي المدرسة (وعمري ست سنوات) أني كنت أنسى أحيانًا؛ فألتقط قلم الرصاص بيدي اليسرى، ثم أنتبه (على الفور) أن ذلك لا يجوز لي (وربما شعرتُ بيد خالي فوق الشيء الذي أُمسكه، أو بصوته يقول لي: كخ خالو) فأنقل الشيء بسرعة إلى يدي اليمنى وأبدأ الكتابة. فإذا لمحتني المعلمة أو أحد التلاميذ، وأنا أبدّل بين يدي، سارعوا إلى سؤالي عن ذلك، فأجيب بفخر (لم أكن أعلم مصدره) أني أستطيع الكتابة بيديَّ كلتيهما.. فيعجبون لذلك أشدَّ العجب، ويطلبون مشاهدته بأعينهم.. فأقول لهم: انظروا! وأكتب أمامهم جملة واحدة مرتين.. ربما بدا لي ذلك في تلك السن الصغيرة شيئًا يشبه القوة الخارقة التي لا يمتلكها إلا الخارقون من البشر. ومما أدركه أيضًا، أني عندما بدأتُ تعلُّمَ العزف بالبيانو (بعد ذلك بسنوات)، كان يسيرًا بالنسبة لي استعمالُ اليد اليسرى (مع اليمنى) لضبط إيقاع النغم (خلافًا للطلبة الآخرين). وفي لعبة ” المُكاسرة” (التي أحبّها) كانت المنافسة تبدأ باليد اليمنى، حتى إذا تعبَت اليدان أو تعادلَتا في بأسهما، تحوّل كلا المتنافسَين إلى يسراه، فأجد شِمالَ منافسي ضعيفة، وتُبدي ذراعي اليسرى تجلُّدًا وصبرًا على الثبات لوقتٍ أطول، فتَحسم النتيجة لصالحي.
على ما تقدّم فلم أكن إذن “عسراء” كما ظنّ أهلي، بل كنتُ “عسراء يَسَرَة” أو بعبارة أدق: لقد كنتُ “ضَبْطاء”!
وأغلب الناس كما نرى من حولنا يعتمدون على أيمُنِهم، ولا يشكّل العُسران إلّا 10%ٍ إلى 12% من سكان العالم، بينما لا تتجاوز نسبة “الضُّبْط” بينهم 1% فقط. ولذا قامت الأرض بما فيها من أدوات وآلات وقوانين ونظام عام لخدمة الكثرة الكاثرة من أبناء الأرض، وعانى العسران بالمقابل لتدبير شؤونهم بأنفسهم (بالضغط على طبيعتهم أو إخفائها) ما عانَوه حتى صاروا (غير بعيد) ضميمةً إلى إخوانهم “الأيامِن” في إعمار هذا الكون.. وصُنعت لأجلهم أدوات خاصة تسعدهم في ممارسة نشاطاتهم اليومية وفي تنمية إبداعاتهم؛ وأذكر هنا أني رأيت (لأول مرة) قبل ما يزيد على العقد من السنوات أدواتٍ للخط العربي خاصةٍ بالعسران (من قصبات وأقلام).
وعلى ما بين الشرق والغرب قديمًا من اتفاق على إنكار كون الأمر طبيعيًّا، وعلى إساءة معاملة العُسْر من الناس، فقد كانا مختلفَين في تفسير نظرتهما إليهم؛ مِن معتقِدٍ أن ذلك الاختلاف مَبعث شؤمٍ أو بسبب مَسٍّ من الشيطان، إلى أنه علامة مرض أو اضطراب سلوكيّ. وكانت بواعثهم في اعتقاداتهم تلك (المَسوقة بسلطان الجهل) دينية أو اجتماعية؛ ولا ينكر عاقل ما للمؤتلَف بين الناس من سطوة على قبول المشابهين ونبذ المخالفين، ولكلِّ امرئٍ مِن دهرهِ ما تعوّدا! تلك طبيعة بشرية قام عليها اجتماع الناس وجنَت البشرية منها منافع للناس. ومن المعلوم أن الإسلام ما زال يحضّ على التيامن في كل الأمور الحسنة؛ لكنه لا يأمر به أمرًا إلا في المأكل والمشرب “يا بنيّ سَمِّ الله، وكُل بيمينك، وكُل ممّا يليك”، وما عدا ذلك فلا جُناح على أعسر أو أيسر. ثم كشف العلم الحديث حقيقةَ أوهامٍ كثيرةٍ عن أحوال العسران (كانت تنتقص منهم أو تدّعي ما ليس فيهم من قدرات ومكرمات) فصحّحها بعد ما شاعت وتوارثها أبناء الأرض قرونًا ممتدة بلا دليل من علم أو أثارة من وحي. ومن تلك الحقائق المثبتة بالدراسات ما خلص إليه الباحثون في مهارات الأشخاص “الضُّبْط” الذين يستعملون كلتا يديهما بقوة؛ ما لهم وما عليهم؛ حيث يمنحهم ذلك التكوين الدماغي المتماثل (الموزع على نصفي الدماغ كليهما) قدرة فائقة على التفكير الإبداعي؛ وهذا ما يفسر تميزهم في الفنون والموسيقى والهندسة وكل المهارات التي تتطلب تنسيقًا حركيًّا ثنائيًّا معقّدًا. كما يُبدي العسران نزعة شديدة نحو التنافس، وقدرة على ضبط انفعالات النفس والتحكم بعاداتها. بينما تسلب منهم المنطق الصارم، وبعض القدرة على استرجاع الذكريات. وقد يعاني بعضهم في طفولته من التشتت، أو صعوبات في النطق والتعلّم، لأن مراكز اللغة لا تتركز في فصٍّ واحدٍ بل تتوزع بشكل يُربك التنسيق السريع. وفي كلّ منحةٍ أو محنةٍ -لمَن تأمّل- غُنم وغُرم.
وحَفظ لنا التاريخ أسماء مَن اشتُهر من أولئك العسران، مثل الإسكندر الأكبر، والملكة البريطانية فيكتوريا، والإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت، والمبدع ليوناردو دافنشي، وبابلو بيكاسو، والموسيقار العالمي موزارت. ومن الشخصيات المعاصرة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وبيل غيتس (مؤسس مايكروسوفت)، وألبرت أينشتاين (وقد أظهرت الدراسات ترابطًا استثنائيًّا بين فصّي دماغه).
لقد صدق أجدادنا الحكماء حين أقرّوا أنّ “الإنسان عدوُّ ما يجهل.. وأنّ “الجود بالموجود” هو أعظمُ الجود .. وأنّ الأصالة تبدأ في نفس الأصيل لا من خارجه.. وصدق رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام في قوله (وكلُّ قوله حقّ): “اعملوا فكلٌّ ميسَّرٌ لِما خُلق له”.
تبارك ربُّنا الخلّاق ذو الهِبات.. وبوركت يد الإنسان صانعة الحضارات.. الممدودة بالسلام والتحيات.. والمانحة صنوف العطف والصدقات.. تغزل أناملها الإبداعات.. وتمسح الدمعات.. وتستمطر بدعاء خالقها الرحمات.
