
تُطرح قضية الانتحار والدوافع المؤدية إليها في كثير من الأحيان بطرحٍ أحادي متطرف؛ فإما أن يُردّ الأمر برمته إلى ضعف الإيمان والبعد عن الله، أو يُفسّر تفسيرًا ماديًّا بحتًا يجعله مجرد خلل كيميائي في الدماغ لا يد للإنسان فيه، والحقيقة التي لا بد من معرفتها هي أن هذه الظاهرة مركبة، ولا يمكن الوصول فيها إلى فهمٍ منصف ولا علاجٍ ناجع إلا بتفكيك زواياها الثلاث: الدينية، والنفسية، والطبية.
ليس كل منتحر مكتئبًا، ولا كل مكتئب فاقدًا للأهلية.
من الخطأ تعميم حالة واحدة على جميع الحوادث؛ فمن المنتحرين من يُقدِم على هذا الفعل الشنيع لجهلٍ بمصيره، وظنًّا منه أنه يحسن إلى نفسه دون وعي بعواقب الانتحار الأخروية والدنيوية، ورُبَّ متجاسرٍ انتحر لضعفٍ وفشلٍ في الصبر أمام أزمات الحياة وابتلاءاتها. وههنا – وإن عُذر بالجهل في بعض الأحوال – فإن عدم اطلاعه على حكم الشرع لا يرفعه عنه كليًّا؛ إذ إن نفسه ليست ملكًا له، وهذا معلوم بالضرورة، فمن أزهق روحه فقد ارتكب جرمًا عظيمًا وتعدى على حق الله؛ فهو قاتل بالمعنى الشرعي، يقول الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: ٢٩]. وقد حذر النبي ﷺ من شؤم هذا الفعل بقوله: (مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) [رواه البخاري].
أما إذا وصل الإنسان بسبب المرض النفسي الشديد أو الاكتئاب الحاد إلى مرحلة يفقد فيها وعيه وإدراكه وتوازنه العقلي لحظة الإقدام على الفعل، فهنا يتغير التكييف الفقهي والنفسي؛ استنادًا إلى قاعدة رفع التكليف عن فاقد الأهلية كما في الحديث: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ… وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ) [رواه أبو داود]، ويُوكَل أمره حينئذٍ إلى رحمة الله ولطفه، وهو أرحم الراحمين بعباده.
• فاعلية العلاج الطبي والدوائي:
الاكتئاب مرض نفسي له أعراض وتأثيرات عضوية وكيميائية، والاعتراف به لا ينافي الإيمان ولا الإسلام، بل هو من باب الأخذ بالأسباب التي أمرنا الله بها؛ فقد قال النبي ﷺ: (تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً) [رواه أبو داود].
وقد أثبت الطب الحديث فاعلية جيدة للأدوية والعلاجات النفسية؛ حيث تشير دراسات الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA) إلى أن ما بين ٧٠٪ و٨٠٪ من المصابين بالاكتئاب الحاد يستجيبون بشكل ملحوظ للعلاج المزدوج (الدوائي والسلوكي المعرفي). ولعل في قصص بعض الشخصيات العامة والمؤثرة — كقصة اليوتيوبر بندريتا ورحلته مع الاكتئاب، وكيف أنه كان بينه وبين الانتحار خطوات لولا أن تداركته عناية الله بأن قيَّض له من يدله على مختص نفسي انتشله من حالته المزرية — أثرًا جليًّا يوضح كيف يسهم العلاج الطبي والنفسي المتخصص في انتشال الإنسان من ظلمات هذا المرض وتخفيف وطأته.

• أثر الإيمان والصلابة الروحية:
في المقابل، لا يصح إغفال الجانب الروحي؛ بل هو أول ما يجب أن يُبدأ به، فالإيمان بالله تعالى واليقين بحقيقة الدنيا وهوانها يمنحان المؤمن حصانة وثباتًا في وجه الشدائد. من آمن بالله حق الإيمان علم أن الدنيا دار ابتلاء وليست المبتدأ والمنتهى، كما قال سبحانه: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: ٢]. فيكون حاله فيها كحال مستأجري الدور والبيوت؛ يمكثون فيها سنوات ولا يتعلقون بها كمِلْكٍ دائم، إذ إنهم يعلمون علمًا يقينًا أنهم تاركوها اليوم أو غدًا، فإنهم لا يأسون على حالها كثيرًا، وهذا هو الحال الذي يتوجب على المؤمن مع دنيا الفناء.
فالتدين والالتزام من أقوى أسباب حماية الإنسان من نزوات الشر، سواء لغيره أو مع نفسه، حيث تؤكد دراسة موسعة نشرتها مجلة JAMA Psychiatry التابعة للجمعية الطبية الأمريكية، شملت آلاف الحالات، أن المشاركة المنتظمة في الأنشطة الروحية والإيمانية تُخفض معدلات الخطر والانتحار بنسبة تصل إلى أكثر من ٨٠٪، نظرًا لما تمنحه العقيدة من معنًى للحياة وشبكة أمانٍ روحية في مواجهة الصدمات، وفي الحقيقة هذا الأمر معروف حتى دون دراسة، ولكن أتينا بالدراسة لزيادة التأكيد!
فالمؤمن يوم يعرف أنه مفارقٌ لما يُحب، إما بافتراقه عنه، أو بمفارقته له، هان عنده كل شيء، ومضى على رضا في غالب شؤون حياته، بخلاف من عظم في صدره شأن الدنيا وجعلها غايته الكبرى؛ فهذا يفشل عند أول صدمة، ويفقد توازنه، فيتحول رضاه إلى سخط، وتكفهر الدنيا في وجهه ليكون الانتحار بالنسبة له حلًّا — على جهل منه وضلال!
وهنا تظهر القيمة العظمى للتعلق بالله في أيام الرخاء قبل الأزمات، امتثالًا للتوجيه النبوي العظيم: (تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ) [رواه أحمد]. فالعبد الذي يعمر قلبه بالتقوى، ويوقن أن الذي وهبه النعمة قادرٌ على رفعها، والذي وهبه الصحة قادرٌ على سلبها، فإنه يحرر نفسه من التعلق المفرط، فيكون مستعدًّا لتفلّت الدنيا عنه بقدرٍ يجعله يقاوم الصدمة الأولى! فتتداركه عناية الله ويلحقه توفيقه ورحمته، ثم إن الذي خلق الابتلاء والاكتئاب قادرٌ سبحانه على رفعهما وإزالتهما متى ما رأى من العبد صدق اللجوء والاضطرار!
أما من تنكر لله أيام الرخاء ونسيه، ونسب نجاحاته لنفسه واستمتع بالصحة والمال بغرور، فإنه يعجز عن الصمود مع أول امتحان، وحتى لو قرر العودة إلى الله وقت الشدة، فلن يكون أثر عودته كأثر عودة من عرف الله في رخائه؛ إذ يظل يتقلب بين اللجوء وبين لوم النفس على التفريط، فيعيش قلقًا ضائعًا قد يقوده ضجره إلى النتيجة الكارثية.
إن التعامل مع قضايا النفس البشرية يتطلب منا الخطاب المتزن الذي لا يقسو على المريض ولا يبرر للمخطئ، بل يجمع بين الدعوة إلى التداوي بالأسباب المادية والطبية، وبين غرس العقيدة والصلابة الإيمانية التي تعصم القلوب من اليأس، ولا أعلم حلًّا أنجع من أن يُوقن الإنسان بأنه مفارقٌ هذه الدنيا لا محالة، وأن العاقل هو من يختار كيف يلقى ربه بكرامة وصبر، لا بفزعٍ وفرار.
