أدب

أمانة يامحمود..

أغمضت عينيها بذعر بعد أن دوى انفجار عنيف زلزل المكان برمّته….ثم لثوان غابت عنها الرؤية ظلام دامس وليل بهيم لا تسمع إلا أنفاسها اللاهثة… نادت بوهن آسرتتندى لها القلوب انفطارا وتتشقق منها الأفئدة انتثارا.. فرجع إليها الصدى ليس بأقلّ منها انكسارا …لتدرك بعد ساعت أنها تحت الأنقاض!

قمر فتاة يافعة قصف الاحتلال منزلهم في رمشة عين نسف ثلاث طوابق دفعة واحدة،  لتجد جسدها عالقا بين طابقين! قد نسجت بينهما أشلاء من لحم متطاير هنا وهناك.. بعضه علق في شجرة بالجوار وغيره تدلى من عمود الكهرباء، والبعض الآخر استقبلته الأرض في رحابة ودمار، أما آخرون فقد وسعتهم أسطح الجيران بطول نفس وانهيار..

تمدّد الصوت ثم انقطع، ثم ندّ الصوت مرة تلو مرة والكلّ مغبرّ قدمه تتخلّله أحجار الرّماد، بين أكفّ هزيلة تكدح بلهفة بحثا عن أحلام خطفها الموت، أو بقايا من حياة تشارف على الرّحيل وتعانق المقيل، أو أجزاء مقبورة من قصص طواها التراب هنا وهناك، وكلّ منهم يحمل ثقلا يكاد من سخطه أن تنهدّ له الجبال هدّا وتندكّ له الأرض دكّا!

وكلّ وجه باهت قد خدّدت فيه الحياة أوجاعها، وعن قسمات قد طبعت في أصحابها رتلا من الآلام ترزح تحت لهيب الحرب، وسيلا من المآسي يندفع طوفانا كلما بانت أنياب الفواجع تتبختر في جنون..!تلك الحرب التي ماخمدت لها نار منذ وطأ السابع من أكتوبر المجيد عبوره المقدّس…

وكل نفس منهدّة غارقة في وجعها، وكل روح تغوص في دهاليز الظلمة، التي غزلتها بعناية أكفان الموت وأكفاف الحرب .

هنا عاد الصوت يقطع هدوء عاصفة السموم الممتعضة ونيران الحمام السّاخطة، أعقبه حشرجة فم ممتلئ حدّ النهم بماذا ياترى؟  ممتلئ بالأتربة والحصا وفتات الحديد، وتوابله أسنة القهر الحارّة…

عاد بأسى يمزق سكون الليل الدامي، الذي ما رضي نور القمر أن ينزح عن مكانه المسلّط في زاوية ضيّقة على عتبة الباب، الذي كان يفترض أن يكون موجودا قبل أن يصبح ممسوحا.. طوال تلك الساعات المستغرقة  من التاسعة مساء حتى الخامسة صباحا، لايزال الصوت يردف بحاته المكسورة المنقطعة بآهات خفيّة، تلفح بين الحين والآخر، بين قطع الليل الظلماء الموحشة ،كان نور القمر يرسل بنوره أملا وحلما، أن لو وجد الصوت منشوده في حبور وسرور لمكان بلسما..آه على النور حين يخفو، تبهت البشرى..

جرى الصوت بقوة في ثلثه الأخير فاستلّ محمود رجل الدفاع المدني زمامه، وأقبل بلهفة بعد أن تلقّفت أذناه بضعة منه، كانت تشدّه بإصرار فقد كان الملفوظ اسمه!:” أمانة يامحمود..خلّيني أشوف السّماء!”

حاول الرجال تعقّب الصوت، وأخذ محمود يمسك بطرف الكام لئلا ينقطع مع قمر، يطمئنها ويثبتها بين حكاية وأخرى، وبين قصّ طريف ومد ّظريف، يؤنس بها وحشتها ويدفئ قلبها الحزين.

لوت الكرّة بوحها فنادت بوهن:” أمانة يامحمود خليني أشوف السماء، أهلي لهون استشهدوا كلّياتهم بابا، ماما، ستّي، عمو، ورهف وحنان ومؤمن وأنا لهلّا بدّي السماااا…”

يهتف على فؤادها المفجوع بشفقة تنزف ألما، ويثيره ثباتا ويستحثه رشادا:”ياابنتي سمّي الله، سمّي بسم الله الأعظم”.

حتى الخامسة صباحا مازال المشهد ينوء بثقله، ويغتمّ بهمّه فقد أراد العذاب أن يستفرد بهم، ومارضي أن يترك جوارهم ألبتّة! حتى أذن الله للحجارة أن تتنحّى واستطاع الطاقم -بعد جهد ضليع وعناء فظيع- بمعيّة الله أن ينتشلوا قمر ويرسلوها إلى مستشفى الشّفاء فسلّمها الله والحمد له، إلا من أهلها الذين استشهدوا جميعا، عدى أخت لها متزوجة هي في خارج البلاد.

لم تمكث قمر كثيرا في الشمال ونزحت إلى جنوب غزة، لتبدأ قصة أخرى من الجهاد والكفاح تلتها أيّام وحروب، وصبر ووجع، وألم وفقد، ومرض وقصف، ونزوح وجلدة، وكل هذه القصص شكّلت أجزاء مبعثرة من قصة القمر الجريح…

بعد ليال طوال، تلقّى محمود اتصالا أجنبيا يوما ما، فحمل الهاتف بحيرة:”ألو من بالهاتف؟” فلم يكد يتمّ كلامه حتى أسهب المتصل في فجيعته يروي مصيبته بنزيف مروّع، والاتصالات كغيرها من الاتصالات في غزة وإن تذبذبت فهي كنفوس أصحابها، وإن انقطعت فهي كأنفاسهم المعدودة، لا تكاد تخلو من سلسلة من الآلام تتلو كل خبر إن لم تكن نفسها هي الخبر !

ليسقط الكلام في روع محمود سقوط الدار من شدة القصف، وانصداع الجبل من نور الوحي…

نزف فؤاده فهوى..ما آلمته إلا روح يانعة مزهرة استشهدت بعد أن كانت آخر رمق تلفظ به العائلة العريقة في غزة أنفاسها، وآخر نبض يورق حكايتها ويسطّر تاريخها المجيد، قمر هي، كالبدر اليتيم في السماء كانت تأمل رؤية السماء وتمتّع ناظريها بجمال الكون المسبح لله، كانت تتنسّم نزفة هواء طيّبة تسقي روحها الظامئة، وتشبع أنسها المفتقد للحياة وربيعها، بكل معانيها وآياتها ونظراتها وبوحها ..

تهفو لتنعم بالسماء، بالسّماء فحسب ولاشيء أكبر من هذا! لم يكن حلّما عصيا أو غاليا نفيسا يعجز السّعي عن تحقيقه، فكيف يحرم الإنسان من طبيعته، من جزء حيّ منه؟!

أيّ حلم ترجوه صبا غزة، وأي آمال تحملها أفئدتهم اليافعة، وأي رضا تشبه ضحكاتهم الطفولية الآسرة ..

ترى بماذا ضننا عليهم وكيف آثرنا عليهم بكل شيء وبأي شيء حتى يحلموا بالسّماء؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى