
قبل أن تُدوَّن السيرة نثرًا، كان الشعر هو الذاكرة التي تحفظ أخبار العرب وأيامهم. وحين بُعث النبي صلى الله عليه وسلم، وجد الشِّعر نفسه أمام قضية لم يعتدها من قبل: الدفاع عن دعوة جديدة، ثمَّ مَدْحِ صاحبها، ثمَّ -بعد ذلك بقرون- تخليد سيرته كلها بيتًا بيتًا. والقرآن نفسه لم يُغفل شأنَ هذا الفن، على ما وجَّه إلى الشُّعراء عامَّةً من نقد؛ فقد استثنى منهم أهلَ الإيمان والصَّلاح، الذين سخَّروا بيانهم لنصرة الحق والانتصار له، فقال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} [الشعراء: 227].
منذ تلك اللحظة، صار للسيرة رافد شعري يسير جنبًا إلى جنب مع رافدها النثري. البداية كانت قصائد الصحابة التي وثّقت الغزوات ودافعت عن الدعوة وهي في خضم الحدث. ثم جاءت مرحلة تالية صار فيها مدح النبي صلى الله عليه وسلم غاية في ذاته لا وسيلة لشيء آخر. وبعدها ظهرت منظومات علمية غرضها حفظ وقائع السيرة كما تُحفظ متون النحو والحديث، وموالد شعبية يرددها الناس في المساجد والزوايا والتكايا، وأخيرًا موجة إحياء حديثة أعادت لهذه المعارضات القديمة بعض بريقها.
وفي هذا المقال محاولةٌ لتتبُّعِ هذا الفن، من أوائل شواهده إلى آخر ما استُحدث فيه، والوقوف عند أبرز معالمه، والتماس الإنصاف في النظر إليه، من غير ادعاء استقصاءٍ ولا إحاطة.
أولًا: شعراء الرسول ﷺ في صدر الإسلام
الشعر في الجاهلية كان أشبه بسلاح إعلامي. لذلك لم يكن غريبًا أن تستعين قريش بشعرائها -مثل عبد الله بن الزِّبَعرى وأبي عزة الجُمَحي- لهجاء النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، سعيًا لإصابة الدعوة الوليدة بالكلمة كما تُصاب بالسيف[1]. في المقابل، نهض ثلاثة من الصحابة للرد بالطريقة نفسها: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك. وحسان تحديدًا كان له منبر خاص يُنصب له في المسجد النبوي، وثبت في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحضّه على الرد بقوله: اهجهم، وروح القدس معك[2].
لم يكن شعر هؤلاء مجرد دفاع عابر؛ فديوان حسان بن ثابت -رغم ما فيه من إشكالات في النسبة يعرفها المختصون- يحمل مرثيات صادقة في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأبياتًا تصف بدرًا وأحدًا والخندق. ولهذا اعتمد عليها مؤرخو السيرة اللاحقون، كابن إسحاق وابن هشام، كشواهد إلى جانب الروايات المسندة.
وأهمية هذا الشعر، في رأيي، لا تكمن في جماله المجرد بقدر ما تكمن في كونه شهادة معاصرة للحدث نفسه وهو يقع. هذا ما يميزه عمّا جاء بعده من مديح -ذاك جاء بعد الحدث بزمن، وهذا وُلِدَ معه.
وفي أواخر هذه المرحلة تقع واقعة ستصبح أصلًا لفن كامل بعد قرون: قصة كعب بن زهير بن أبي سلمى (ت:26)، كان قد هجا النبي صلى الله عليه وسلم فأُهدر دمه، ثم جاء تائبًا مستأمنًا وأنشد بين يديه لاميته المعروفة “بانت سعاد”، التي يقول في مطلعها:
بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ
مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُفدَ مَكبولُ
فعفا عنه النَّبي صلى الله عليه وسلم، وخَلَع عليه بردته إكرامًا له. والقصيدة في أصلها ليست سيرةً ولا توثيقًا لحدث؛ لقد كانت اعتذارًا بديعًا انتهى بمديح. وتلاحظ أنَّ مطلعها غزلٌ خالص، لا ذكر فيه للنَّبي صلى الله عليه وسلم إطلاقًا، وهذا نمطٌ سيتكرر عند كل من جاء بعده تقريبًا. غير أنَّ حادثة «البردة» هذه صارت لاحقًا رمزًا يستدعيه كل من أراد مدح النبي e ، وقالبًا تُحاكى قافيته وبحره، حتى غدا الاسم نفسه، «البُرْدَة»، عَلَمًا على جنسٍ شعري كامل، لا على قصيدةٍ واحدة.
ثانيًا: مديح النبي صلى الله عليه وسلم في العصرين الأموي والعباسي
بين عصر الصحابة وميلاد فن المديح النبوي المستقل، تمتد حقبة وسيطة لم يُفرد فيها الشعراء مدح النبي صلى الله عليه وسلم وحده، وإنما مزجوه بمدح آل بيته والدفاع عن حقهم. وقد لاحظ الباحث زكي مبارك في دراسته عن هذا الأدب أن هذه المرحلة كانت رافدًا وجدانيًا أبقى ذكر النبوة حاضرًا في الشعر إلى أن نضج فن المديح المستقل لاحقًا.
من أمثلة ذلك “الهاشميات” للكميت بن زيد الأسدي (ت:126)، التي مجَّدَ فيها نسب النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، وشعر دِعبِل الخزاعي الذي جعل هذا المدح محورًا لقصائده -بل وثمنًا دفعه من أمنه ورزقه. وفي العصر البويهي نجد الشريف الرضي ومهيار الديلمي يحملان النفس الوجداني نفسه في التعلق بالنبوة.
هذه المرحلة، رغم ما فيها من تحيزٍ مذهبيٍّ واضح، وما شابها من غلوِّ الرَّفْض ومجاوزة القصد في آلِ البيت، وهو مسلكٌ ننأى عنه؛ أدَّت وظيفة لا يستهان بها: أبقت جذوة التعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم متقدة في عصر انصرف فيه أكثر الشعر إلى المديح السلطاني والغزل. وربما دون قصد، مهّدت الأرضية التي سينبت فيها بعد قرون فنّ مديح لا يشرك مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصيدته أحدًا.
ثالثًا: ميلاد فن المديح النبوي المستقل: البوصيري وأثره
بلغ الشعر النبوي ذروته على يد شرف الدين محمد بن سعيد البوصيري، المولود سنة 608هـ والمتوفى بالقاهرة نحو سنة 694هـ. نشأ في بيئة صوفية معنية بالسيرة ودقائق أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، وأفنى شعره تقريبًا كله في مدحه.
قصته مع قصيدته “الكواكب الدرية في مدح خير البرية” -المعروفة بـ”البُرْدَة”- معروفة: أصابه شلل نصفي، فنظم القصيدة يستشفع بها، ثم رأى في منامه أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على وجهه وألقى عليه بردته فبرئ([3]). إن صحّت الرواية بتفاصيلها أو كانت من نسج المحبة الشعبية، لا فرق كبيرًا هنا؛ فالمؤكد أن القصيدة -نحو مئة وستين بيتًا- انتشرت حتى عُدّت أشهر قصيدة مدح في الشعر العربي كله، خاصته وعامته، وشُرحت عشرات المرات وتُرجمت إلى عشرات اللغات.
تسير البردة في بناء محكم: تبدأ بالغزل التقليدي كما جرت العادة، ثم تنتقل إلى التوبة ومحاسبة النفس، فمدح النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله ومعجزاته، فمولده وبعثته، فالإسراء والمعراج، فالجهاد والغزوات، وتختم بالمناجاة والتوسل. ومن أشهر أبياتها في المديح قوله:
مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الْكَوْنَيْنِ وَالثَّقَلَيْنِ
وَالْفَرِيقَيْنِ مِنْ عُرْبٍ وَمِنْ عَجَمِ
نظم البوصيري أيضًا “الهمزية” المعروفة بـ”أم القرى في مدح خير الورى”، لكن البردة بقيت الأشهر بفارق كبير.
ولعل سرّ خلودها – وهذا رأي شخصي أكثر منه حقيقة مثبتة – أنها لم تكن مدحًا صناعيًا متكلَّفًا، بل صدرت عن قلب يعترف بضعفه قبل أن يمدح. هذا المزيج بين الاعتراف الصادق والمحبة الصادقة نادرًا ما تكرر عند من جاء بعده.
ومع ذلك لم تسلم البردة من نقد بعض العلماء، خاصة لبيت مشهور فيها يقول:
فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا
وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمَ اللَّوْحِ وَالْقَلَمِ
فقد رأى جماعة من العلماء، منهم متأخرون كالعلامة ابن عثيمين، أن هذا البيت ينسب للنبي علمًا لا يليق إلا بالله، وأن “من” هنا للتبعيض فتجعل علم اللوح والقلم بعض علوم النبي. ودافع آخرون عن البيت بتأويلات مختلفة، منها أن الخطاب في الأصل موجّه لله وإن كانت صياغته ظاهرها خطاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وإنني أرى في هذا البيت تجاوزًا حقيقيًا لا مجرد اجتهاد لغوي في معنى “من”؛ فعلم اللوح والقلم صفة إحاطة مطلقة لا تحتمل التبعيض ولو على سبيل المجاز، ومهما حاولنا التماس الأعذار للبوصيري بحسن نيته وصدق محبته، يبقى البيت خطأً عقديًا لا نُقرّه ولا نُنشده إلا مع التنبيه عليه. فحرارة العاطفة في المديح لا تبرر أن ينزلق اللسان إلى ما هو من خصائص الألوهية وحدها.
المهم هنا أن هذا الخلاف نفسه يكشف عن طبيعة هذا الفن: كلما ارتفع سقف المدح، اقترب من حدود لا بد أن يتوقف عندها، وهذا ما سنراه مرة أخرى مع أحمد شوقي بعد قرون.

رابعًا: فنّ البديعيات
شهرة البردة أنتجت ظاهرة أدبية طريفة عُرفت بـ”البديعيات”: قصائد تُنظم على وزن البردة وقافيتها وموضوعها، لكن كل بيت فيها يُضمَّن -فوق المدح- شاهدًا على لون من ألوان علم البديع. بهذا تتحول القصيدة الواحدة إلى معجم بلاغي منظوم.
أول من فعل ذلك بشكل كامل هو صفي الدين عبد العزيز الحلي (677-750هـ) في “الكافية البديعية في المدائح النبوية”، وضمّنها نحو مئة وخمسة وأربعين لونًا بديعيًا في عدد مماثل من الأبيات. تبعه على هذا الدرب الشاعر الأندلسي الضرير ابن جابر الأندلسي (698-780هـ) في بديعيته “الحلة السيراء في مدح خير الورى”. وفي القرن التاسع جاء تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي (767-837هـ) ببديعيته المعروفة بـ”تقديم أبي بكر”، وشرحها شرحًا مطوّلًا سماه “خزانة الأدب وغاية الأرب”، صار في النهاية أوسع فائدة من القصيدة نفسها، بل موسوعة أدبية يُستشهد بها في اللغة والبلاغة والتاريخ.
العصر المملوكي أيضًا شهد إقبالًا واسعًا على هذا الفن، شارك فيه حتى نساء، منهن الشاعرة الصوفية الدمشقية عائشة الباعونية (ت922هـ)، وتُعد من أبرز من نظم في مدح النبي من النساء.
لكن هذا الفن، رغم براعته التقنية، حمل مأزقًا في داخله. بعض من قارن بديعية ابن حجة بالبردة الأصل لاحظ أن الانشغال بحشد الألوان البديعية أضعف أحيانًا صدق العاطفة الذي كان سرّ خلود قصيدة البوصيري. إذ تحوّلت القصيدة من مناجاة قلب إلى معرض صنعة، ومن مديح إلى امتحان في علم البيان. وثمَّة فارق جوهري بين هذه المرحلة وسابقتها، وإن ظل الدافع الديني حاضرًا في الحالتين.
خامسًا: منظومات السيرة العلمية
إلى جانب شعر المديح الوجداني، نشأ لون آخر من نظم السيرة له غاية مختلفة تمامًا. حيث أن علماء الحديث والنحو والفقه اعتادوا نظم متونهم شعرًا لتسهيل حفظها -كما فعل الإمام ابن مالك في ألفيته النحوية- وكان لعلم السيرة نصيبه من هذا التقليد أيضًا.
فدونكَ الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (ت806هـ) الذي ألَّفَ في أواخر حياته بالمدينة المنورة “ألفية السيرة النبوية”، المسماة “نظم الدُّرر السنية في السير الزكية”، في نحو ألف واثنين وثلاثين بيتًا. افتتحها بأسماء النبي صلى الله عليه وسلم ونسبه ومولده، ثم تدرّج زمنيًا عبر البعثة والهجرة والغزوات والوفود، وختم بشمائله وأخلاقه وخصائصه -ترتيب يوازي إلى حد بعيد هيكل السيرة النثرية التي أسّسها ابن إسحاق قبله بقرون- وقد أقبل عليها العلماء تدريسًا وشرحًا؛ شرحها إبراهيم الشبرخيتي (ت1106هـ) ومحمد البُرُلُّسي (ت1097هـ) من جملة من شرحها.
وقيمة هذه الألفية لا تُقاس بمعيار الجمال الشعري الذي تُقاس به البردة؛ فهي شعر تعليمي بالدرجة الأولى، غرضه سهولة الحفظ ومتانة الترتيب، لا الطرب أو الوجد؛ لأنَّ المنظومة مفتاحٌ للسيرة النثرية لا بديلٌ عنها، تعطي الطالب هيكلها العام قبل أن يغوص في تفاصيلها عند ابن هشام أو ابن كثير.
ولم تكن ألفية العراقي، رغم طولها، الخيار الوحيد؛ فقد نَظَمَ القاضي علاء الدين علي بن أبي العز الحنفي (731-792هـ) -صاحب الشرح المشهور للعقيدة الطحاوية- أرجوزةً أوجز بكثير، سماها «الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية»، مئة بيت فقط من بحر الرجز، تختصر أهم محطات السيرة اختصارًا يناسب المبتدئين أو من يريد حفظًا سريعًا. وهكذا نشأ في هذا الباب مستويان متكاملان: ألفية مطوّلة للمتخصص، وأرجوزة موجزة للمبتدئ، وكلاهما يخدم الغاية نفسها.
وإذا كانت ألفية العراقي قد اختزلت هيكل السيرة في نحو ألف بيت، فهناك مشروع أضخم منها بكثير قام به عالم مغربي متأخر هو أحمد بن العياشي سكيرج المراكشي (ت1363هـ/1944م، ودُفن في مراكش قريبًا من ضريح القاضي عياض نفسه). لم يكتفِ سكيرج بنظم وقائع السيرة، بل نظم كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى” للقاضي عياض (ت544هـ) بكامله -وهو من أوسع كتب الخصائص والشمائل نثرًا- في منظومته “مورد الصفا بمحاذاة الشفا”، التي بلغت نحو سبعة آلاف وسبعمئة وسبعة وأربعين بيتًا.
وهذا لعمري عملٌ نادر النظير سعةً واستيعابًا، يحوّل موسوعة نثرية كاملة إلى قصيدة واحدة ممتدة، لا لتُنشد طربًا بل لتُحفظ وتُدرَّس بيتًا بيتًا. والتقليد ما زال حيًّا؛ صدرت في السنوات الأخيرة منظومة “الاصطفا في مختصر كتاب الشفا” للأديب إسماعيل زويرق، تختصر الكتاب نفسه بأسلوب أيسر للمتأخرين.
وإلى جانب منظومات السيرة الشاملة، هناك فرع أدق موضوعًا اختص بنظم “الشمائل” وحدها -أوصاف النبي الخَلقية والخُلقية كما أحصاها كتاب “الشمائل المحمدية” للترمذي (ت279هـ)- دون بقية أحداث السيرة الزمنية. القاضي شرف الدين بن أحمد المهلل (ت1007) نظم كتاب الترمذي هذا كاملًا وسمّاه “عذبة المناهل في نظم الشمائل”، وتبعه على الغرض نفسه آخرون منهم شهاب الدين ابن أرسلان الرملي.
قيمة هذا الفرع أنه يفصل بين أمرين قد يختلطان: سرد الأحداث من جهة، ووصف الهيئة والخُلُق من جهة أخرى. فالمنظومات الكبرى تُعنى بمتى جرت الأحداث، وأين وقعت، وكيف كانت؛ أما منظومات الشمائل فتُعنى بالنبي ﷺ في مشيته، وضحكته، وطعامه، ولباسه؛ فتقدم صورةً قريبةً تُتمُّ الصورة التاريخية البعيدة.
سادسًا: شعر الموالد: حين ينزل المديح إلى الناس
منذ القرن السابع الهجري، حين شاعت الاحتفالات بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم في عدد من الحواضر الإسلامية، نشأ فن أدبي جديد يمزج النثر المسجوع بمقاطع شعرية منظومة. الغرض أن يُتلى بأسلوب إنشادي جماعي في مجالس المولد، فيصل إلى عامة الناس الذين لا تطولهم كتب السيرة المطوّلة ولا القصائد الفنية المتقنة. لم يبق هذا الفن حبيس طبقة العلماء، لقد أضحى جزءًا من الثقافة الشعبية المسموعة في المساجد والزوايا والبيوت.
أشهر ما أُلّف في هذا الباب “مولد البرزنجي”، واسمه الأصلي “عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر”، للسيد جعفر بن حسن البرزنجي (1128-1177هـ). نص يمزج السجع المرسل بمقاطع منظومة تروي مولد النبي ونسبه وبعض معجزاته بأسلوب عاطفي معدّ للإنشاد الجماعي، سبقه بقرون “مولد الديبعي” لعبد الرحمن بن علي الديبعي اليمني (ت944هـ) على المنوال نفسه.
وانتشر مولد البرزنجي انتشارًا واسعًا من الشَّام إلى الحجاز إلى جنوب شرق آسيا، وتناوله شراح منهم محمد عليش (ت1299هـ) مفتي المالكية بمصر والفقيه الجاوي محمد نووي البنتني (ت1316هـ). وهذا اللون من النظم يمثل -في تقديري- المحطة التي اكتمل بها مسار السيرة الشعري كله: من قصيدة الصحابي المدافع، إلى مدح الشاعر المتصوف، إلى منظومة العالم المعلّم، وصولًا إلى إنشاد العامة في الاحتفال الجماعي.

سابعًا: النهضة الحديثة: إحياء المعارضات الشعرية
مع مطلع القرن العشرين شهد فن المديح النبوي إحياء لافتًا على يد أمير الشعراء أحمد شوقي (1868-1932م). عارض بردة البوصيري بقصيدته “نهج البردة” على القافية نفسها، مفتتحًا إياها بغزل تقليدي يمتد أربعة وعشرين بيتًا قبل أن يبدأ المديح فعليًا، على عادة القصائد النبوية القديمة:
رِيمٌ عَلى القاعِ بَينَ البانِ وَالعَلَمِ
أَحَلَّ سَفكَ دَمي في الأَشهُرِ الحُرُمِ
ثم يمزج بين مدح النبي وسرد موجز لتاريخ الإسلام الأول ودعوة إلى الاقتداء بهديه في السياسة والأخلاق. ونظم كذلك “الهمزية النبوية” سنة 1917م معارضًا همزية البوصيري، مؤرخًا فيها لظهور الإسلام وانتشاره.
ولم يسلم نهج البردة أيضًا من نقد عقدي، خاصة لبيت يقول فيه:
إِذا خَفَضتُ جَناحَ الذُلِّ أَسأَلُهُ
عِزَّ الشَفاعَةِ لَم أَسأَل سِوى أَمَمِ
فقد رأى بعض أهل العلم أن ظاهر البيت دعاء موجّه للنبي صلى الله عليه وسلم مباشرة لا لله، وهو ما لا يجوز. وهذا يذكّرنا -مرة أخرى، وكما رأينا مع بيت البوصيري في اللوح والقلم- أن هذا الفن، مهما بلغت جودة صنعته، يبقى خاضعًا لميزان الدقة العقدية كما يخضع له كل كلام في هذا الباب. حيث أن الشعراء الكبار أنفسهم لم يكونوا في مأمن من هذا الانزلاق حين يشتد بهم الوجد.
إلى جانب شوقي برز حافظ إبراهيم بقصائد نبوية أخرى. واستمر هذا الفن حيًّا في مدارس شعرية إقليمية متعددة، أبرزها التقليد الشعري الموريتاني (الشنقيطي) الذي ظل -ولا يزال- من أكثر الآداب المحلية إقبالًا على مدح النبي ومعارضة القصائد القديمة.
ومن ثمار هذه النهضة أيضًا ميلاد الدراسة الأكاديمية لهذا التراث نفسه، وعلى رأسها كتاب زكي مبارك “المدائح النبوية في الأدب العربي” (1935م)، الذي تتبّع نشأة هذا الفن من حسان بن ثابت إلى البوصيري والبديعيات -أول محاولة علمية جادة لكتابة تاريخ هذا الشعر بذاته، لا لإنشاده أو الاستشهاد به فقط.
وامتدادًا لهذا المسار نظم الشاعر اليمني الكبير عبدالله البردوني (1929-1999)، في المولد النبوي قصيدته “بشرى النبوءة”، التي تبدأ بمشهد المولد التقليدي ثم تنتقل إلى تصوير مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم للظلم والطغاة، لتستخدم هذه المواجهة إطارًا لخطاب عن الظلم المعاصر. وتختم القصيدة بمخاطبة النبي مباشرة وربط نفسها صراحة بأول من مدحه بالشعر:
“طه” إذا ثارَ إنشادي فإنَّ أبي
“حسّان” أخبارُهُ في الشعرِ أخباري
فتُغلق بهذا البيت الدائرة التي افتتح بها هذا المقال: من حسان بن ثابت في صدر الإسلام، إلى شاعر أعمى في أواخر القرن العشرين ما زال يرى نفسه امتدادًا لتلك السلسلة نفسها.
خاتمة: لماذا نظم الشعراء السيرة؟
من قصيدة حسان المدافعة إلى همزية شوقي المجادلة، ومن بردة كعب المعتذرة إلى بردة البوصيري المتوسلة، ومن ألفية العراقي المعلِّمة إلى مولد البرزنجي المنشَد -يتضح أن الشعر لم يكن يومًا زخرفًا هامشيًا في تاريخ السيرة، لقد كان أحد أوعيتها الأصيلة.
يحفظ الحدث في زمانه، يُبقي معناه حاضرًا في القلب بعد ذهاب زمانه. يُيسّر حفظه على الطالب. وينقله أخيرًا إلى لسان العامة في المجالس والاحتفالات. أربع غايات إذن اجتمعت في هذا الشعر: التوثيق المعاصر، والتعبير الوجداني، والحفظ التعليمي، والانتشار الشعبي.
وما هذه المحاولة إلا إطلالة موجزة على بحر واسع من الشعر النبوي، لم تستقص فيه إلا أعلامه الكبار. تُرك من القصائد والمنظومات أضعاف ما ذُكر هنا -خصوصًا في اللغات المحلية والعصور المتأخرة، وهذا موضوع يستحق وِقْفة أخرى وحده.
وحسب هذه السطور أن تكون قد دلّت على معالم مسار طويل، بدأ يوم وقف كعب بن زهير بين يدي النبي منشدًا، وما زال ممتدًا كلما هتف شاعر في زمانه بحبّه لخير من مشى على الأرض.
[1] وكان لقريش ضربٌ آخر من محاولات وأد الدعوة في مهدها؛ إذ تصدَّى النضر بن الحارث يقصُّ على الناس أخبارَ الملوك وأساطيرَ الأولين، يصرفهم بها عن سماع القرآن، ويُلبِّس عليهم أمر النبي ﷺ، ويزاحم الوحيَ بالحكاية كما زاحمه الشعراء بالشعر.
[2] أخرجه أحمد (18642)، والنسائي في ((الكبرى)) (8237)، والطبري في ((تهذيب الآثار)) (924) جميعهم بلفظه.
[3] ذكر ابن حجر الهيتمي في “شرح الهمزية” (1/105، ط. دار المنهاج) أن القصيدة رواها عن ناظمها جمعٌ من كبار العلماء، منهم عز الدين بن جماعة وأبو حيّان الأندلسي، بأسانيد متصلة ذكرها بالتفصيل؛ وانظر أيضًا: داود الخالدي، نحت الحديد الباطل وبرده (ص20، ط. دار جوامع الكلم)
