أشتات

الألباني وأثره في الدرس الحديثي المعاصر

الألباني رحمه الله (1420هـ-1999م) بين ثلاثة اتجاهات:

لا شك أن الشيخ الألباني رحمه الله ظاهرة علمية كبيرة، وهنا سيقول بعض الناس: لماذا هو ظاهرة علمية؟

الجواب:

جاء الألباني رحمه الله في عصر لم يكن الاهتمام بصحة الحديث وضعفه ظاهرة واضحة، وإن كان قد بدأت بوادره على يد الشيخ أحمد شاكر رحمه الله، المتوفى سنة 1377هـ/1958م، وذلك بعد انقطاع عن هذا الاهتمام لقرون، من بعد عهد السيوطي رحمه الله، المتوفى في بداية القرن العاشر الهجري سنة 911هـ. (وقد اعتبرنا عصر السيوطي آخر عصور الاهتمام بصحة الحديث وضعفه كظاهرة؛ لأنه كان يرمز للأحاديث التي جمعها في “جوامعه” بالصحة والحسن والضعف. تنبيه: رموز السيوطي لا يعتمد عليها؛ لأن السيوطي متساهل في التصحيح والتحسين، ولأن الرموز حصل فيها إشكالات من النساخ الذين نسخوا كتب السيوطي، أو بما حصل في الطباعة فيما بعد).

وكان هناك تصحيح وتضعيف بعد عصر السيوطي، لكنه لم يكن ظاهرة، بل حصل تساهل كبير في الاستدلال بالأحاديث الضعيفة، لا سيما في الأحكام وفي الفضائل.

ثم جاء عصر ابن الأمير الصنعاني رحمه الله، المتوفى سنة 1182هـ، ثم عصر تلميذ تلميذه الإمام الأعظم محمد بن علي الشوكاني رحمه الله، المتوفى سنة 1250هـ.

فكان هناك اهتمام بصحة الأحاديث المتعلقة بأحاديث الأحكام؛ وقد شرح الشيخان اليمانيان كتابين في الأحكام؛ فالصنعاني شرح كتاب “بلوغ المرام” لابن حجر العسقلاني، المتوفى سنة 852هـ.

والشوكاني شرح كتاب “منتقى الأخبار” للجد المجد ابن تيمية رحمه الله، المتوفى سنة 652هـ.

ثم جاء أحمد شاكر رحمه الله -كما أشرنا سابقا- وبادر في هذا العصر إلى التنبيه على ذلك، وتكلم عن أحاديث مسند الإمام أحمد تصحيحا وتضعيفا، مع أنه لم يتمه، وقد أتم منه أقل من الثلث بقليل، وكان بادرة في هذا العصر قبل الألباني.

لكن لم يوجد في العصور المتأخرة كلها من اعتنى عناية خاصة وشاملة وتفصيلية بالأحاديث تخريجا وتصحيحا وتضعيفا في جميع الأبواب مثل الألباني رحمه الله.

وكان الألباني قد عمد إلى أشهر كتب الحديث، واهتم بها تحقيقا للصحة والضعف، فقد اعتنى بالجامع الصغير للسيوطي وزيادته للنبهاني، ثم اعتنى بالسنن الأربع: أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

ثم اعتنى بأشهر كتب المعاصرين له، ككتاب “فقه السنة” للسيد سابق، وكتاب “الحلال والحرام” ليوسف القرضاوي، وكتاب “فقه السيرة” للغزالي.

(أثر الألباني على المسؤولية العلمية في العصر الحديث):

باجتهاده السابق في تحقيق الكتب، وكتبه التي رد بها على خصومه، وكذلك خصومه الذين ردوا عليه، اشتهر الألباني بأنه يهتم بصحة الحديث وضعفه.

فكان هناك ما يشبه الثورة في طلب صحة الحديث، فكان الخطباء يتحرون ذلك، وإلا سألهم الناس عن صحة الأحاديث وضعفها.

وكذلك مؤلفو الكتب في الشرعيات، كانوا تحت رقابة القراء من طلبة العلم، فيما يتعلق بصحة الأحاديث وضعفها.

ثم أثر ذلك على الفقهاء والعلماء، كانوا يخشون رقابة طلاب العلم، وكل ذلك بعد الأعمال العلمية للألباني رحمه الله.

(منهج الألباني في التصحيح والتضعيف):

أما منهجه في التصحيح والتضعيف فلا نستطيع أن نتكلم عنه ببيان يشفي النفس في هذه الكلمات، لكننا سندل عليه بإيجاز فيما يلي:

كان الألباني عميقا في التخريج بأدوات عصره قبل التقنية، وفي التضعيف كان قويا، أما في التحسين والقبول فكان على مذهب الفقهاء، وليس على منهج أئمة النقاد “علماء العلل”.

(والعلماء وطلبة العلم نحو الألباني: ثلاثة اتجاهات):

1- الاتجاه الأول:

يحقدون عليه حقدا عقديا؛ فالخلاف معه في الأصل خلاف عقدي، وهم أكثر تساهلا منه، لكنهم يدعون أنهم أفضل منه في منهج التصحيح والتضعيف!!!

وكل من رد عليه في ذلك أقلوا الأدب معه، وهم ليسوا في مقامه في التخريج ولا في معرفة بعض تفاصيل الحديث، وغاية هؤلاء: يصححون ما يصححه بعض المتساهلين، أو بعض علماء القرون الوسيطة، أمثال السبكي والسيوطي، ثم الغماري في عصرنا، وهؤلاء لا يؤخذ منهم التصحيح؛ لأن السبكي ليس له علاقة بالنقد، وأما السيوطي والغماري، وإن كان لهما علاقة بالحديث وعناية كبيرة به، إلا أنهما في النقد الحديثي متساهلان جدا، وإن ضعفا فهو جيد منهما.

2- الاتجاه الثاني:

الذين أخذوا منه منهجه كاملا، واعتمدوا عليه اعتمادا كليا، لا يخرجون عنه لا في المنهج ولا في الحكم على آحاد الأحاديث إلا نادرا.

وهؤلاء هم أكثر طلابه، أو من المتأثرين به أو ببعض طلابه رحمه الله، وهؤلاء أكثرهم ليس لهم عناية حقيقية بعلم النقد الحديثي على طريقة علماء العلل، وهم درجات، بعضهم أفضل من بعض.

3- الاتجاه الثالث:

الذين يحترمون الشيخ الألباني احتراما كبيرا، ويعرفون له حقه، ويعترفون له بتأثيره على علم الحديث ودلالة الناس على هذا العلم، لكنهم لا يوافقونه في منهج النقد، ويعتقدون أنه يتساهل في قبول الأحاديث، وذلك مبني على استقراء لأحكامه، وعناية بمقارنة منهجه بمنهج الأئمة النقاد في عصر الرواية، لا في العصور الوسيطة.

ولهذا يعرضون أحكامه على الأحاديث على أحكام النقاد الكبار في عصور النقد، العصور الأولى، وآخرها إلى عهد الدارقطني، مع استثناء المتساهلين منهم.

أو يناقشون أحكامه بناء على منهج النقاد.

وهذا الاتجاه الثالث هو أعدل الاتجاهات الثلاثة، وأصوبها، وأكثرها دقة، وأعمقها تحقيقا.

الألباني وأثره في الدرس الحديثي المعاصررحم الله الشيخ الألباني رحمة واسعة، وأجزل له المثوبة، وجزاه عن العلم خيرا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى