أشتات

النظام الاتحادي التعاوني في ميزان الأدبيات والنقد

قراءة تحليلية في أطروحة ضياء السعيدي حول شكل الدولة في اليمن

تمهيد

ثمة نمط متكرر في الكتابة السياسية العربية عن الدولة وهو النقد الحادّ للنموذج القائم، يتبعه صمت عن البديل، أو قفز إلى بديل مستعار من سياق آخر. وتنبع أهمية مقال ضياء السعيدي “كيف يبني اليمن دولة تشبهه” من أنه لا يكتفي بوصف العطب، بل يقترح له بنية مؤسسية يسميها “النظام الاتحادي التعاوني”. فهو يريد تحويل القبيلة والجماعات المحلية من قوى مؤثرة خارج الدستور إلى وحدات مسؤولة داخله، من دون أن يقطع رابطة المواطنة المباشرة بين الفرد والدولة.

تسير هذه المقالة في ستة أقسام: عرض موجز للأطروحة، ثم تحديد موقعها في الأدبيات، ثم اختبارها مقابل ست تجارب مقارنة، ثم مقابل سابقة يمنية بعينها، ثم مراجعة نقدية في سبعة مواضع، ثم خلاصة تقويمية تقترح اسئلة للكتاب الذي أعلن الكاتب أنه سيصدر قريبا.

أولا: الأطروحة في سطور

1) التشخيص

ينقل السعيدي مركز النقاش من أعراض الأزمة  الفساد، والميليشيات، وعسكرة السلطة  إلى لحظة التأسيس نفسها. فالجمهورية أعلنت أن الشعب مصدر السلطات، لكنها بنت مؤسساتها فوق مجتمع لم تعترف بوحداته الفاعلة ولم تُخضعها، في المقابل، لقواعد مسؤولية عامة. ومن هنا نشأ دستور مكتوب يحدد أصحاب المناصب، ودستور نافذ غير مكتوب يحدد أصحاب القدرة على المنع والتمرير والحماية.

بهذا المعنى، لم تكن الجمهورية بلا مجتمع، بل بلا صيغة دستورية تجعل المجتمع شريكًا مسؤولًا. استوعبت الشيخ فردًا في البرلمان والجيش والوزارة، وتركت القبيلة مؤسسةً خارج القانون. وكانت النتيجة اعترافًا بلا مسؤولية: امتيازات سياسية ومالية من دون التزام معلن تجاه أعضاء الجماعة أو تجاه الدولة. فاستقر للبلاد دستوران متوازيان الأول مكتوب يسمّي أصحاب المناصب، والثاني نافذ يحدّد أصحاب القوة والقرار.

2) الفساد كوسيط بنيوي

حين تنفصل السلطة القانونية عن القدرة الفعلية، يتولى الفساد إعادة وصلهما. الوزير يملك القرار على الورق ويحتاج إلى الشيخ لإنفاذه، والشيخ يملك الحماية أو التعطيل ويحتاج إلى الوزير لتمويل نفوذه. لذلك لا يبدو الفساد هنا مجرد انحراف أخلاقي، بل آلية تشغيل لنظام مزدوج. وهذه من أكثر أفكار المقال إقناعًا، لأنها تفسر لماذا ظلّ تغيير الأشخاص أقل أثرًا من المتوقع.

3) البديل المقترح

يقوم “النظام الاتحادي التعاوني” على مسارين متوازيين: مواطنة فردية مباشرة تحمي الحقوق أمام الدولة، وتمثيل جماعي يُدخل القبائل والجماعات السكانية إلى المؤسسات بوصفها وحدات قانونية ذات وثائق تأسيس ومسؤوليات محددة. ويقترح مجلسًا للمواطنة، ومجلسًا للجماعات، ومجلسًا للاتحاد، مع توزيع للاختصاصات يبدأ من المستوى المحلي ولا يصعد إلى الأعلى إلا بعد استنفاد قدرة الأدنى. ويمكن تلخيص القاعدة الناظمة بعبارة: المسؤولية تصعد، ولا تهبط تلقائيًا من المركز.

النظام الاتحادي التعاوني في ميزان الأدبيات والنقد النظام الاتحادي التعاوني في ميزان الأدبيات والنقد

ثانيا: أين تقع الأطروحة في الأدبيات؟

  1. الدولة المستوردة والنظام الهجين:

يستعمل السعيدي مفهوم “الدولة المستوردة” في المعنى الذي صاغه برتران بادي: نقل مؤسسات تشكلت داخل تاريخ اجتماعي وسياسي بعينه إلى مجتمعات أخرى، ثم مطالبة الواقع بأن يطابق القالب. وهذه الإحالة لا تنتقص من أصالة تطبيق الفكرة على اليمن؛ لكنها تضعها في نسبها النظري الصحيح. كما يقترب تشخيص “الدستورين” من أدبيات النظم السياسية الهجينة التي ترى الدولة الهشة تركيبًا بين السلطة الرسمية والسلطات المحلية، لا نسخة ناقصة من دولة أوروبية مكتملة (بادي، 1992؛ بويجه وآخرون، 2009).

ويقارب نقد السعيدي لمحاولة “صناعة اجتماع يطابق النظرية” حجة جيمس سكوت بشأن فشل المشاريع التي تختزل المجتمعات المعقدة في خرائط إدارية قابلة للقراءة من المركز. غير أن هذه القرابة الفكرية لا تعني التطابق؛ فسكوت يفسر كيف تفشل الرؤية التبسيطية للدولة، بينما يحاول السعيدي أن يحول المعرفة المحلية نفسها إلى مبدأ تصميم دستوري.

2) الامتداد اليمني

تسبق المقالَ كتابات يمنية ودراسات أنثروبولوجية تعاملت مع القبيلة بوصفها نظاما معياريا وقانونيا، لا بقايا ما قبل حداثية. أبرزها أعمال بول دريش عن تاريخ القبائل ووثائق برط، ودراسة شيلاغ ووير عن القانون والسياسة في جبال اليمن. أما سارة فيليبس فشرحت كيف استوعب نظام علي عبدالله صالح النخب القبلية داخل شبكة رعاية من دون أن يحول المجتمع المحلي إلى مؤسسة عامة مسؤولة (دريش، 1989؛ ووير، 2007؛ فيليبس، 2008). ما يضيفه السعيدي هو الانتقال من الوصف إلى السؤال الدستوري: كيف يمكن الاعتراف بهذه البنى من غير تحويلها إلى طبقة امتياز جديدة؟

وتعزز دراسات ندوى الدوسري هذا التعقيد. فالقبيلة قد تسد فراغ الأمن والوساطة، لكنها قد تُستعمل أيضًا داخل شبكات رعاية أو تعبئة مسلحة. وتبين الأدبيات الميدانية أن العرف يعمل كعقد اجتماعي محلي، وأن شرعية الشيخ مرتبطة بقدرته على الوساطة وحماية الضعيف وخدمة جماعته، لا بمجرد اللقب (الدوسري، 2012؛ 2024). لذلك فإن تحويل العرف إلى مؤسسة دستورية يحتاج إلى حماية قيمه التوافقية من أن تبتلعها سلطة المال والسلاح.

وهذه الدراسات من القبيلة نظاما معياريا (دريش)، ثم كيانا قانونيا موثّقا متوافقا مع الدولة (ويير)، ثم مادة خاما لآلة الرعاية (فيليبس)، هو الأساس التجريبي الذي تقف عليه أطروحة السعيدي دون أن تسميه.

النظام الاتحادي التعاوني في ميزان الأدبيات والنقد 4 النظام الاتحادي التعاوني في ميزان الأدبيات والنقد

ثالثا: ست تجارب مقارنة

يقترح السعيدي أربعة عناصر تصميمية قابلة للاختبار المقارن: (أ) غرفة ثانية تمثّل الجماعات التقليدية بصلاحيات مالية؛ (ب) رفض توحيد آلية الاختيار وإجازة التزكية؛ (ج) بناء الوحدات الاتحادية على أشكال الاجتماع القائمة؛ (د) منع الأحزاب الدائمة. ولكل سابقة.

1) الصومالاند حين يتحول المؤقت إلى دائم

تشكّل مجلس الشيوخ التقليدي “الغورتي” في مؤتمر بوراما عام 1993، وثُبّت في دستور 2001 باثنين وثمانين عضوًا. يراجع مشروعات القوانين غير المالية، وله أدوار في الدين والثقافة والأمن، لكن الدستور ترك طريقة انتخاب أعضائه لقانون لاحق لم يصدر. وبذلك انتهت الولاية الأصلية من دون تجديد انتخابي، وراكم المجلس تمديدات متتالية لنفسه ولمؤسسات أخرى. وفي أبريل 2026 منح مجلس النواب والمجالس المحلية تمديدًا جديدًا مدته سبعة وعشرون شهرًا، بينما ظلّ الغورتي نفسه بلا انتخاب مباشر منذ نشأته الدستورية. ويخلص رصد محلي إلى أنه مدّد ولايته تسع مرات خلال تسعة وعشرين عامًا، وأن بعض المقاعد انتقلت داخل الأسر (دستور الصومالاند، 2001؛ سوماليلاند كرونيكل، 2026).

الغورتي على شهرته لا يملك سلطة على القوانين المالية. أما “مجلس الجماعات” في مقترح السعيدي فيراجع الموازنة العامة ويوافق عليها، ويصادق على قرارات الحرب. أي أن المقترح اليمني يعطي صلاحية أكثر من أي سابقة قائمة، وهو ما يرفع سقف المخاطرة لا يخفضه.

والمفارقة بأنه أُجريت الانتخابات الرئاسية في 13 نوفمبر 2024 ونجح المعارض عبد الرحمن محمد عبد الله “عرو” بـ63.9% في تداول سلمي للسلطة. أي أن الغرفة المنتخبة تداولت، والغرفة التقليدية التي أذنت بالتأجيل لم تواجه صندوقا قط. هذه ليست حالة هامشية. إنها النموذج الأقرب بنيويا إلى المقترح، وهي الأنجح فعليا في القرن الأفريقي من حيث الاستقرار، ومع ذلك أنتجت بالضبط ما يحذّر منه السعيدي في أطروحته اعترافا بلا مساءلة.

2) بوتسوانا: الاحتواء الآمن

يقدّم مجلس الرؤساء في بوتسوانا، Ntlo ya Dikgosi، الطرف الآخر من المقارنة. فالمجلس يضم زعماء تقليديين وأعضاء تختارهم هيئات إقليمية وآخرين يعيّنهم الرئيس، لكنه استشاري ولا يملك حق النقض أو الاختصاص المالي. وتلزم المادة 88 بإحالة مشروعات القوانين التي تمس الزعامة والقانون والمحاكم العرفية وتنظيم القبائل وممتلكاتها إليه قبل مناقشتها في الجمعية الوطنية (دستور بوتسوانا، المواد 77–88). هكذا اعترفت الدولة بالمؤسسة التقليدية، لكنها لم تمنحها قدرة على تعطيل الموازنة أو احتكار التشريع.

يقع مقترح السعيدي بين المثالين، لكنه يميل من حيث الصلاحيات إلى ما هو أبعد من كليهما، لأن مجلس الجماعات المقترح يشارك في الموازنة والموارد وقرارات الحرب. وهذا يفرض شروط مساءلة أقوى، لا أخف، من شروط الغرفة المنتخبة. فالسلطة المالية تحديدًا هي ما يحول الوجاهة الاجتماعية إلى قدرة على توزيع الريع وإعادة إنتاج النفوذ.

3) إثيوبيا: حين تُبنى الوحدات على الهوية

يجعل دستور إثيوبيا لعام 1995 السيادة في “الأمم والقوميات والشعوب”، ويبني الولايات على الاستيطان واللغة والهوية والرضا. أما مجلس الاتحاد (House of Federation) فيمثل هذه الجماعات، ويفسر الدستور، ويفصل في قضايا تقرير المصير، ويقرر توزيع الإيرادات المشتركة والإعانات الاتحادية. فهو ليس غرفة تشريعية ثانية بالمعنى المألوف، بل هيئة سياسية للهوية والضمان المالي (دستور إثيوبيا، المواد 39 و46 و61–62).

ونتيجة هذا النظام عشرين حادثة نزاع مؤرخة بين 1997 و2015، إضافة إلى واقعتين فرعيتين غير مؤرختين في جامعتين بحسب ما وثقه بيكالو أتنافو تايي (2017)   بينما يرى لوفيز الان (2017) المادة 39 “شذوذا دستوريا” يحفّز الانفصال. وانتهى هذا المسار إلى حرب تيغراي (نوفمبر 2020 – اتفاق بريتوريا في 2 نوفمبر 2022) بتقديرات وفيات تراوح بين 385 ألفًا و600 ألف. لكن هناك أيضا أسباب أخرى، إذ تداخلت معها السلطوية، وتنازع المركز والإقليم، والتدخلات الإقليمية.  لكن السعيدي يفصل بحصافة بين “مجلس الجماعات” و”مجلس الاتحاد”، ويجعل الثاني هيئة ضمان لا غرفة ثالثة. لكن التوزيع الوظيفي عنده يقترب من النموذج الإثيوبي في نقطة حسّاسة: وهي إسناد التوزيع المالي بين الأقاليم إلى هيئة ممثِّلة للجماعات. وقد أظهرت التجربة الإثيوبية أن ربط المال بالهوية يحوّل كل مفاوضة موازنة إلى مفاوضة وجود.

4) الكويت:

يستشهد السعيدي بالكويت لإثبات إمكان سياسة بلا أحزاب دائمة، لكن الواقعة القانونية أكثر تعقيدا. لا يحظر دستور 1962 الأحزاب نصا، ولم يصدر في الوقت نفسه قانون ينظم تسجيلها. وفي أكتوبر 2019 رفض المجلس الأعلى للقضاء مقترحا لتنظيم الكيانات السياسية، وأبدى رأيا بأن الدستور لا يسند إنشاء الأحزاب؛ وقد انتقد نواب هذا الرأي وعدّوه تجاوزا لدور القضاء. (الجريدة والأنباء، 2019).
النموذج المستشهَد به لم يعد قائما. في 10 مايو 2024 حلّ الأمير الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح مجلس الأمة المنتخب، وعلّق مواد دستورية من بينها المادة 51 (اشتراك الأمير والمجلس في السلطة التشريعية)، والمادة 107 (وجوب الانتخاب خلال شهرين)، والمادتين 174 و181، لمدة “لا تتجاوز أربع سنوات”. فآلت السلطة التشريعية كلها إلى الأمير ومجلس الوزراء. وهذه ثالث حالة تعليق في تاريخ الكويت (بعد 1976 و1986). وبحسب تحليل مؤسسة كارنيغي في مارس 2025، ظلّ التعليق قائما ولم تُشكَّل لجنة المراجعة الدستورية الموعودة.

قبل ذلك، كان هناك عشر عمليات حلّ أو إبطال قضائي منذ 2006 بحسب صحيفة كويت تايمز، وأربع انتخابات في أربع سنوات حتى 2024. أي أن غياب الأحزاب لم يمنع الانقسام؛ بل نقله إلى كتل قائمة على القبيلة والطائفة والوجاه، وأنتج شللا تشريعيا مزمنا انتهى بتعليق الحياة النيابية كلها. هذا لا يبطل حجة السعيدي ضد الحزبية الأيديولوجية الدائمة، فحجته وجيهة ومسنودة بتجربة 1990–1994 اليمنية. لكنه يبطل الشاهد الذي استند إليه.

5) اليمن 2014:

في 10 فبراير 2014 أعلنت لجنة تحديد الأقاليم تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم: حضرموت، وسبأ، وعدن، والجند، وآزال، وتهامة، مع وضع خاص لصنعاء وعدن. كانت اللجنة مكونة من واحد وعشرين عضوًا، وعملت في فترة قصيرة بعد انتهاء مؤتمر الحوار. لم تحظَ الحدود بتوافق واسع؛ اعترض الحوثيون على وضع إقليم آزال من حيث الموارد والمنفذ البحري، واعترضت قوى جنوبية على تقسيم الجنوب السابق إلى إقليمين. ويرى توبياس ثيل أن القرار عانى نقص التشاور والشفافية والمعايير المعلنة (ثيل، 2015؛ مركز السياسات اليمنية، 2022).

ونعرف ما حدث بعد ذلك من رفع الدعم عن الوقود في يوليو 2014، ثم دخول الحوثة صنعاء في 21 سبتمبر 2014، وفي اليوم نفسه نصّ “اتفاق السلم والشراكة الوطنية” صراحة على إعادة النظر في قرار شكل الدولة.

ما تكشفه الواقعة ليس أن الفيدرالية سببت الحرب، بل أن رسم الحدود في لحظة تفاوض مختلة حوّل الخريطة إلى توزيع مسبق للقوة والثروة. وإذا كانت ستة أقاليم قد أثارت هذا القدر من الاعتراض، فإن تحويل آلاف الجماعات المحلية إلى وحدات جغرافية دستورية يحتاج مسارًا أبطأ وأكثر شفافية.

إضافة إلى ما سبق فإن مسودة دستور 2015 التي أعدّتها لجنة صياغة الدستور (446 مادة في عشرة أبواب) لا تتضمن أي اعتراف بالمؤسسات القبلية أو العرفية. بل إن المادة 75 (عدم التمييز) تُعدّد أسبابا كثيرة ولا يرد فيها: الانتماء القبلي”، والمادة 14 تحظر على أي جهة إنشاء تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية، والمواد 206 و211 و215 ترسّخ احتكار القضاء الرسمي للفصل. أي أن آخر محاولة دستورية يمنية كانت صريحة في نفي ما يريد السعيدي تأسيسه، وهذا يعزّز نقده ويقيس في الوقت نفسه بُعد المسافة التي يقترحها.

6) العراق: هل تُخضع المأسسة السلاحَ أم تشرعنه؟

يفترض المقترح ضمنا أن الدمج المؤسسي سينزع عن القوة طابعها الشخصي. وتُظهر تجربة الحشد الشعبي في العراق أن النتيجة ليست آلية. فقانون رقم 40 لسنة 2016 جعل الهيئة جزءًا من القوات المسلحة ومرتبطة بالقائد العام، وألزم منتسبيها بالامتناع عن العمل الحزبي. غير أن رناد منصور يبين أن شبكات التوظيف والمال والقرار ظلت تتجاوز الحدود الرسمية، بحيث أصبح دمج الهيئة في الدولة قادرًا على توسيع نفوذ الشبكات المسلحة داخلها بدل إخضاعها الكامل (منصور، 2021).

.وبحلول 2020 كان القوام نحو 150 ألف عنصر بموازنة سنوية تقارب 2.6 مليار دولار. وحين حاولت الحكومة في 2025 تمرير “قانون خدمة وتنظيم الحشد” لرفع مكانته إلى ما يوازي الجيش النظامي، سُحب المشروع في 27 أغسطس 2025 تحت ضغط أمريكي بعد إتمام القراءتين الأولى والثانية، وهذا دليل على أن ديناميكية الشرعنة مستمرة ومتنازع عليها بعد عقد كامل.

النظام الاتحادي التعاوني في ميزان الأدبيات والنقد 2 النظام الاتحادي التعاوني في ميزان الأدبيات والنقد

رابعا: تجربة تعاونيات التنمية الأهلية (1973–1985)

يستدعي السعيدي تجربة التعاونيات القبلية التي وظفت الغُرم والمساهمة المحلية لشق الطرق وبناء الخدمات في عهد القاضي عبد الرحمن الإرياني. والاستدعاء في محله، لكن قيمته لا تكتمل إلا بقراءة البداية والنهاية معًا. فقد نشأت جمعيات التنمية المحلية في شمال اليمن من أواخر الستينيات، واتسعت في السبعينيات، وأُنشئ اتحاد جمعيات التعاون الأهلي للتطوير عام 1973 لتنسيق عملها.

كيف مُوِّلت؟

أتت من ثلاث مصادر وهي: الزكاة، والمساهمات المحلية/القبلية، وتحويلات المغتربين (من السعودية بالأساس). وترتفع نسبة الزكاة من إيرادات الجمعيات من 18% في 1973 إلى 28% بحلول 1981، مقابل نحو 9% فقط من إيرادات الحكومة المركزية.

ماذا فعلت؟ و كيف انتهت؟

أنجزت الجمعيات آلاف الكيلومترات من الطرق ومئات المدارس ومشروعات المياه والصحة والكهرباء، مستفيدة من المساهمات المحلية وتحويلات المغتربين والعمل التطوعي (كارابيكو، 1998؛ كوهين وآخرون، 1981). لكن نظام علي عبدالله صالح أعاد في 1985 تنظيمها ضمن مجالس محلية للتطوير التعاوني، وربطها تدريجيا بشبكة الإدارة والحزب الحاكم. هكذا تحولت مبادرة من أسفل إلى قناة رعاية من أعلى.

التجربة التي يستدعيها مقال السعيدي دليلا على الإمكان هي في الوقت نفسه دليل على الهشاشة. لقد جُرِّب في اليمن بالفعل نموذج يبدأ من القاعدة، ويموّل نفسه بمنطق الغرم والتكافل، وينجز طرقا ومدارس، ثم ابتُلع في اثنتي عشرة سنة. والسؤال الذي يجب أن يجيب عنه الكتاب المرتقب ليس هل يمكن أن تنشأ الجماعة التعاونية؟  فقد نشأت، بل: ما الذي سيمنع من ابتلاعها مرة أخرى؟

النظام الاتحادي التعاوني في ميزان الأدبيات والنقد 6 النظام الاتحادي التعاوني في ميزان الأدبيات والنقد

خامسا: مواطن القوة وحدود التصميم

1) التزكية والتوريث:

يجيز السعيدي أن تستقر الولاية “في بيت ذي رصيد اجتماعي ما دام صاحبه قادرا على جمع جماعته”، مع “بقاء طريق معلوم للمراجعة متى انتقل القبول”.

إذن من يقرّر أن القبول انتقل؟ في بنية تقوم على الوجاهة، الوجيهُ نفسه هو الفاعل الأقدر على تشكيل القبول، عبر توزيع الريع، والوساطة، وضبط من يُسمع صوته في المجلس. ومراجعة الولاية تحتاج إلى مجلس، والمجلس مشكَّل بوثيقة كتبها من يُراد مراجعته. وتجربة الغورتي ليست احتمالا نظريا، بل سابقة محققة: مجلس تقليدي دخل الدستور بشرط صريح بأن يُنتخب أعضاؤه بقانون، فلم يصدر القانون، فمدّد لنفسه تسع مرات، وصارت مقاعده تورَّث.

2) المرأة والمهمّشون

يذكر المقال في تكوين المجالس “الأعيان ومشايخ الفروع وأصحاب الوجه والضمان”، و”العقال وأصحاب المسؤولية الاجتماعية والمهنية”. ولا ترد المرأة، ولا المهمّشون، ولا الفئات الحرفية التقليدية، في أي موضع.

وهذا ليس سهوا بل نتيجة منطقية للتصميم: إذا كان التمثيل الجماعي يعكس “الوزن الفعلي لأشكال الاجتماع القائمة”، فهو يعكس أيضًا تراتباتها الإقصائية القائمة. ولا يعالج مجلسُ المواطنة ذلك، لأن مجلس الجماعات يملك سلطة على الموازنة والموارد والأراضي، أي على المسائل الأشد أثرا في من لا أرض له ولا نسب.

يقول المقال إن الجماعة لا تستطيع “حرمان فرد من حقوقه الدستورية في المحاكمة أو التملك”. وهذا صحيح كحماية سلبية. لكن الإقصاء الفعلي هنا إيجابي التكوين، يقع في لحظة كتابة وثيقة التأسيس، ويتحقق بعدم التسمية لا بالمنع. ولا يوجد في التصميم ما يجعل المهمَّش طرفا في صياغة الوثيقة التي ستحكمه. ويستحق التنويه أن الأدبيات الميدانية اليمنية ترصد مشاركة نسائية فعلية في حلّ النزاعات القبلية (ديب روت، 2019)، ما يعني أن الإدماج ليس مستحيلا في البيئة نفسها، لكنه يحتاج نصا، لا افتراضا.

3) مفارقة الأحزاب

تشخيص السعيدي بأن الحزبية الدائمة حوّلت خلافات محلية على أرض أو وجاهة إلى صراعات وطنية مسلحة، ويصدق ذلك على تجربة 1990–1994. لكن العلاج يواجه ثلاثة اعتراضات:

أولًا، إن حظر التنظيم الدائم لا يلغي التنظيم، بل يدفعه إلى الشكل الذي لا يحتاج ترخيصا: القرابة والمذهب والولاء المسلح. وهذا ما حدث في الكويت حرفيا، حيث حلّت المحاضن القبلية و”الدواوين” والانتخابات الفرعية محل الماكينة الحزبية.

ثانيا، إن التحالف الذي ينحلّ بعد تشكيل الحكومة لا يترك جهة تحمل البرنامج عبر الزمن ولا تمارس معارضة منظمة. والمساءلة بلا معارضة دائمة تصير مساءلة موسمية.

يمكن الحفاظ على مقصد السعيدي دون نتيجته، عبر التمييز بين الحزب الأيديولوجي الوطني (وهو ما يخشاه) والتنظيم البرامجي المستمر الخاضع لشروط شفافية التمويل وحظر الجناح المسلح. المشكلة ليست في الدوام بل في الأيديولوجيا الشاملة المقترنة بالسلاح والتمويل الخارجي، وهذه يمكن استهدافها بشروط مباشرة بدل استهداف الدوام نفسه.

4) السلاح: الفجوة الكبرى، وترتيب الأولويات

يقول المقال إن “احتكار القوة العسكرية الثقيلة والدفاع الخارجي اختصاص اتحادي”، ويؤجل التفصيل للكتاب. وهذا مقبول منهجيا، لكن ترتيب الأولويات نفسه محل سؤال.

وينبغي هنا تصحيح مبالغة شائعة: تقديرات مسح الأسلحة الصغيرة (Small Arms Survey) لا تسند أرقام “الأربعين أو الستين مليون قطعة” المتداولة إعلاميا؛ فتقدير 2003 كان 6–9 ملايين (المركزي 7.3 مليون)، وتقدير 2007 نحو 11.5 مليون، وقاعدة بيانات 2017 تعطي نحو 14.86 مليون قطعة، أي 52.8 لكل مئة نسمة  وهو ثاني أعلى معدل في العالم بعد الولايات المتحدة (120.5). والمسح نفسه يصف الرقم الأكبر بأنه “مجاز قومي”. والدقة هنا واجبة، لكنها لا تغيّر جوهر الإشكال: مجتمع بهذه الكثافة التسليحية، بعد عقد من الحرب أنتج كيانات مسلحة أقوى من أي “إقليم” متخيَّل. والسؤال البنيوي: هل نزع الطابع الشخصي عن السلاح نتيجة للبناء المؤسسي، أم شرط سابق له؟ التجربة العراقية ترجّح الثاني: المأسسة قد تشرعن المسلّح بدل أن تنزع سلاحه. ويزداد الأمر حدّة في مقترح يمنح الجماعات صلاحية على الموازنة: فالجماعة المسلحة التي تدخل مجلس الجماعات تكسب شرعية وتمويلا قبل أن تفقد سلاحا.

5) الأرض والحدود: نقطة الانفجار المؤجلة

إذا كانت “الجماعة التعاونية” وحدة جغرافية، فإن حدودها ستصبح حدودًا للمال والتمثيل والاختصاص. والحدود القبلية ليست معطى ثابتا في اليمن إذا إن بعض القبائل لها امتداد جغرافي في عدة محافظات وهو ما يجعل الأمر موضوع النزاع نفسه. إحالة الخلاف إلى محكمة اتحادية مهمة، لكنها لا تكفي إذا بدأت المحكمة عملها بعد اكتمال الخرائط واشتداد المصالح. الأجدى إنشاء لجنة حدود مستقلة تسبق الترسيم، وتستخدم سجلات الأرض والمياه ومسارات الرعي وشهادات السكان، وتفصل بين الحدود الإدارية المرنة وحقوق الملكية التاريخية.

6) قابلية الابتلاع: درس 1985

المقترح يصف كيف تُبنى المؤسسات، ولا يصف ما يمنع المركز من ابتلاعها لاحقا بذريعة “توسيع المشاركة”، وهي الذريعة التي استُخدمت في 1985. والضمانة اللازمة ليست في تصميم الجماعة، بل في حصانة اختصاصها: مواد دستورية تحصّن الموارد الذاتية للجماعة والمجلس المحلي من الإدماج الإداري إلا بتعديل دستوري بأغلبية مشدَّدة، وحق طعن مباشر أمام محكمة الاتحاد يملكه المجلس المحلي ضد أي إجراء إداري يمسّ استقلاله.

7) مشكلة الفاعل: من يُنشئ هذا النظام؟

هذا سؤال يقع خارج المقال لكنه يحاصره. النظام يفترض لحظة تأسيسية يُتفق فيها على وثائق تأسيس آلاف الجماعات وترسيم الأقاليم وتوزيع الاختصاصات. فمن يملك في يمن 2026 القدرة على استدعاء هذه اللحظة؟

فالفاعلون المسيطرون فعليا يستمدون قوتهم من غياب قواعد معلنة للولاية والمحاسبة. والمقترح، بتصميمه، يطلب منهم التنازل عمّا يجعلهم أقوياء. وهذا يضع الأطروحة في خانة الفكر التأسيسي المؤجَّل: تصميم لما بعد التسوية، لا مسار إليها. ويعترف الكاتب بذلك حين يسميها “تمرينا في الخيال السياسي” لكن الاعتراف لا يحلّ الإشكال، لأن كل تصميم دستوري يتضمن نظرية عن من سينفّذه.

سادسًا: الضمانات الدستورية اللازمة

يمكن تقوية الفكرة من داخل منطقها، لا باستبدالها بنموذج مركزي جاهز. والحد الأدنى الذي يجعل الاعتراف بالاجتماع المحلي متوافقًا مع المواطنة يتكون من الضمانات الآتية:

1. قواعد دنيا موحدة لاختيار القيادات وتجديدها: مدة محددة، وحد أقصى للتجديد، ومنع الانتقال التلقائي داخل الأسرة، ونصاب معلوم لتحريك سحب الثقة أو إعادة التزكية.

2. تمثيل مضمون للنساء والمهمشين والسكان غير القبليين والفئات المهنية، مع مشاركة هذه الفئات في كتابة وثيقة تأسيس الجماعة، لا إضافتها بعد اكتمال الوثيقة.

3. شفافية مالية وإقرارات ذمة وقواعد تعارض مصالح ومراجعة مستقلة لكل جماعة تملك موارد أو تشارك في الموازنة العامة.

4. فصلٌ صريح بين المكانة الاجتماعية والقوة المسلحة: لا مقعد ولا اختصاص مالي لذراع مسلحة قبل خضوعها لقانون أمني موحد وبرنامج نزع وتسريح ودمج قابل للتحقق.

5. قضاء مستقل وحق طعن مباشر للفرد، وللمجلس المحلي، ولنسبة معلومة من سكان الجماعة في القرارات التي تمس الحقوق أو الاختصاص أو الموارد.

6. لجنة مستقلة للحدود والأراضي تعمل بالتشاور والبيانات والسجلات التاريخية، مع تدرج في حل النزاع يمنع تحويل كل خلاف محلي إلى أزمة دستورية.

7. تنظيم الأحزاب بدل حظرها: شفافية التمويل، وديمقراطية داخلية، وحظر الأجنحة المسلحة والتمويل الخارجي غير المشروع، وضمان حق المعارضة المستمرة.

8. تحصين الموارد والاختصاصات المحلية من الابتلاع الإداري، فلا تُغيّر إلا بقانون مشدد أو تعديل دستوري، مع تعريف واضح للاختصاصات الحصرية والمشتركة بين مستويات الحكم.

9. مسار انتقالي مرحلي يبدأ بمشروعات تجريبية في مناطق آمنة نسبيًا، وتقييم مستقل، ثم توسيع تدريجي بدل إعلان خريطة نهائية لكل البلاد دفعة واحدة.

النظام الاتحادي التعاوني في ميزان الأدبيات والنقد 3 النظام الاتحادي التعاوني في ميزان الأدبيات والنقد

سابعا: خلاصة

نجح ضياء السعيدي في نقل النقاش من سؤال “أي شكل دولة نستورد؟” إلى سؤال أصعب: “كيف نولد الشكل من الاجتماع القائم؟1ط. وتعبير “الاعتراف بلا مسؤولية” يلتقط بدقة علاقة الدولة اليمنية بالمشيخة وشبكات القوة، كما أن فكرة تحويل الغُرم والتكافل إلى مورد مؤسسي تستند إلى تاريخ يمني حقيقي، لا إلى خيال مجرد.

لذلك تبدو الأطروحة واعدة بوصفها نقطة بدء، لا صيغة نهائية. قوتها في تشخيص الفجوة بين الدولة القانونية والدولة الفعلية؛ ومهمتها التالية هي بناء الجسر بينهما بقواعد تمنع أن يتحول الاعتراف إلى حصانة، والتعاون إلى رعاية، والتمثيل إلى وراثة، والمأسسة إلى شرعنة للسلاح. عندها فقط يمكن للنظام المقترح أن يكون دولة تشبه اليمنيين، لا مرآة جامدة لاختلالاتهم الراهنة.

وفي الأخير نضع هذه التساؤلات التي ربما تفيد في السعيدي في كتابه المرتقب وهي:

  • ما الحد الأدنى الذي لا يجوز لوثيقة تأسيس أي جماعة أن تنزل عنه في مدة الولاية والتجديد وسحب الثقة؟
  • من يملك الطعن المباشر أمام محكمة الاتحاد: الفرد، أم المجلس المحلي، أم نسبة من سكان الجماعة؟
  • كيف تُصان الموارد والاختصاصات المحلية من إعادة الإدماج الإداري، استنادًا إلى درس 1985؟
  • هل نزع السلاح شرط سابق للاعتراف السياسي، وما الجهة التي تتحقق من تنفيذه؟
  • كيف تُرسم الحدود من دون تحويل الأرض والمياه ومسارات الرعي إلى نزاعات دستورية دائمة؟
  • ما البديل الوظيفي للمعارضة المستمرة إذا قُيّد التنظيم الحزبي؟
  • من يستدعي اللحظة التأسيسية، وما مراحل الانتقال من وقف النار إلى بناء المؤسسات؟
  • هل سينتج قواعد تصمد حين يخالفها القوى الأخرى؟

المصدر موضوع الدراسة:

السعيدي، ضياء. “كيف يبني اليمن دولة تشبهه”. نشرة الصفحة الأخيرة، ثمانية، 18 أغسطس 2026.

السعيدي، ضياء خالد. جمهورية بلا جمهور: مآلات صراع الدولة والمجتمع في اليمن. الكويت: صوفيا، 2023.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى