المدونة

من الزيدية إلى الحوثية

قراءة في الجذور وسؤال التحوّل

منذ صدوره عن موقع «حكمة يمانية»، فتح كتاب «من الزيدية إلى الحوثية» للباحث الدكتور عبد المجيد الغيلي بابًا للنقاش حول الصلة بين المذهب والفكرة السياسية، وبين ما استقرّ في النصوص وما ظهر في التاريخ والممارسة. وقد تعددت الكتابات التي تناولته؛ فرأت فيه دراسةً موسعةً تكشف جوانب من البنية الفكرية للزيدية والحوثية، وتتبع مسار انتقال الأفكار من التأصيل إلى الواقع.

يقع الكتاب في نحو 530 صفحة، موزعة على بابين، ويعالج في بنائه المتوازي نشأة الزيدية والحوثية، وشخصياتهما، وأفكارهما ومعتقداتهما، ثم ما اتصل بهما من تاريخ وممارسة. ومن هذا البناء يتقدم السؤال الذي ينهض عليه عنوانه: كيف تُفهم الصلة بين الزيدية والحوثية؟ أهي صلة امتداد وتحول، أم أن الحركة الحوثية تمثل تشكّلًا سياسيًا معاصرًا له سياقه الخاص؟

في قراءتها للجزء الأول، ترى الدكتورة لمياء الكندي أن الكتاب يقدّم تعريفًا مكثفًا بالبنية الفكرية والعقدية للزيدية، من منظور نقدي يستند إلى نصوص أئمتها ومصادرها. وتبرز في قراءتها عناية المؤلف بتفنيد مقولة قرب الزيدية من أهل السنة، وتتبّع حضورها في الوعي الاجتماعي والإعلامي والسياسي في اليمن. كما تلفت إلى تمييزه بين «الزيدية العقدية» و«الزيدية الشعبية أو الجغرافية»، بما يحول دون تحميل الانتماء الاجتماعي حكمًا مذهبيًا شاملًا.

ويتصل بهذا التمييز سؤال مهم في قراءة الكتاب: ما الصلة بين المقولات العقدية وبين أنماط الحكم التي انتسبت إلى المذهب؟ ترى الكندي أن الغيلي يتتبع انعكاس التصورات المتعلقة بالإمامة والسلطة على أنماط متكررة من الحكم والإقصاء والجباية والتفاضل والصراع. وفي هذا السياق يعرض الكتاب، كما تلخص قراءتها، مسائل الإمامة، وموقف الزيدية من الصحابة وأهل السنة وعلمائهم، وما ارتبط بها من أحكام وتصنيفات.

ويُفرد الكتاب، بحسب الكندي، مساحةً للمفاهيم المتصلة بآل البيت والوصاية والاصطفاء والتفضيل، ولما تفضي إليه من تصورات للمرجعية الدينية وموقعها من المجتمع. ومن هنا تنتقل الدراسة من سؤال: «ماذا تقول الزيدية؟» إلى سؤال آخر يتصل بأثر تلك المقولات حين تغدو تصوراتٍ للحكم والسلطة والعلاقة بالمخالف.

وقد رأى الأستاذ الدكتور صهيب السقار في الكتاب من أفضل ما قرأ عن الزيدية، ووقف عند مناقشته مقولة قربها من أهل السنة. ويذهب، في عرضه، إلى أن التعايش الاجتماعي والروابط القبلية في اليمن أسهما في ترسيخ هذا الوصف، مع أن النظر إلى المذهب، بحسب قراءته، يقتضي فحص أصوله العقدية ومآلاتها. ويركز السقار على مسألة الإمامة وما يتصل بها من تصورات العصمة وموقف الصحابة والسنة، ويرى أن الكتاب يورد شواهد تاريخية على أثر التنافس على الإمامة في الصراع السياسي.

أما الأستاذ الدكتور وصفي أبو زيد، فيصف الكتاب بأنه عمل بحثي موسوعي ذو قيمة توثيقية وتحليلية. ويشير إلى منهجه في الجمع بين تاريخ الأفكار وعرض المعتقدات وتتبع آثارها في الممارسة السياسية والاجتماعية، وإلى اعتماده على نصوص أئمة الزيدية ومؤرخيها. كما يبرز تمييز المؤلف بين «الزيدية العقدية» و«الزيدية الشعبية»، ويرى فيه تمييزًا منهجيًا يحول دون تعميم المقولات المذهبية على الناس لمجرد انتمائهم الاجتماعي أو الجغرافي.

ويشير أبو زيد كذلك إلى أن أطروحة الكتاب المركزية، في تفسير الصلة بين الزيدية والحوثية، تظل جديرة بقراءة أكاديمية مقارنة؛ تميّز بين ما تثبته المصادر التاريخية، وما يقدمه المؤلف من تفسير واستنتاج. وهذه الملاحظة تضيف إلى النقاش مسارًا بحثيًا لازمًا: فقراءة الكتاب تقتضي فحص مادته، ومناقشة حججه، وموازنة استنتاجاته بالمصادر والقراءات الأخرى.

وفي موازاة هذه القراءات، يلفت سلمان العماري إلى إشكالية المصطلح وتحول مدلوله عبر التاريخ. فاسم «الزيدية» قد يُطلق على مراحل ومدارس واتجاهات متباينة؛ ولذلك يدعو إلى التمييز بين زيد بن علي، والانتساب الزيدي المبكر، والتشكل المذهبي اللاحق، وتعدد المدارس التي حملت الاسم. ويصوغ العماري سؤاله المنهجي على هذا النحو: «أيُّ زيدية؟ ومتى؟ ومن سمّاها؟ وعلى من أُطلقت؟ وماذا كان الاسم يعني في سياقه؟». وتعين هذه الأسئلة على ضبط مجال البحث، وعلى التمييز بين الاسم التاريخي ومدلولاته المتعاقبة.

وتلتقي هذه الكتابات، على اختلاف مداخلها، عند قيمة ظاهرة في الكتاب: وصل الفكرة بتاريخها، ثم وصل التاريخ بما انتهى إليه في الواقع. فالكتاب لا يقف عند عرض المعتقدات أو سرد الوقائع؛ بل يحاول تتبع مسار انتقال الأفكار إلى تصورات للسلطة والمجتمع، ثم اختبار ما تتركه من أثر في الممارسة.

ومن هنا تتجاوز أهميته حدود التعريف بمذهب أو حركة؛ إذ يضع القارئ أمام سؤال يتصل بتاريخ اليمن وحاضره: كيف تتفاعل الفكرة الدينية مع السلطة؟ وما الذي يحدث حين تُستدعى المقولات المذهبية لتأسيس حق سياسي أو مرجعية حصرية؟ وكيف تُقرأ الحركة الحوثية في ضوء هذا التاريخ، مع التمييز بين أصولها الفكرية وخصوصية تشكلها المعاصر؟

لقد أتاح صدور «من الزيدية إلى الحوثية» مجالًا لنقاش علمي تتجاور فيه القراءة المؤيدة، والملاحظة المنهجية، والسؤال التاريخي. وتكشف الكتابات التي تناولته عن أهمية الموضوع، وعن الحاجة إلى قراءة تتأنى في المصطلحات، وتفحص النصوص، وتوازن بين التاريخ والتفسير؛ حتى يتضح للقارئ ما تثبته الشواهد، وما يقترحه المؤلف من تأويل لمسارها.

حكمة يمانية

حكمة يمانية: موقعٌ ثقافي يُعنى بقضايا الفِكْر والآداب والفنون, وعوالم المعرفة, والعلوم الإنسانية, وتواصل الثَّقافات والحضارات, ويسعى إلى تنميةِ الوعي بالذَّات, وعلاقتها بالآخر, وينشدُ الإسهام في مدِّ الجسور, ومعالجة الظَّواهر الثَّقافية بروحٍ نقدية, وتعزيز المشتركات, وتوسيع الأنظار, واستعادة الدور والفاعلية والحضور, عبر خطابٍ معرفيٍّ وطني إنساني, يساعدُ في إصلاحِ العقل الثَّقافي والارتقاء بمداركه, متجاوزًا للعصبياتِ والهُويّات الضَّيقة, منفتحًا على فضاءاتِ الرُّوح والعقل وعلى كلِّ ما هو جوهريٌّ ونبيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى