
روى الإمامُ ابنُ ماجه في سُنَنِه، وغيرُهُ من أصحابِ الأجزاءِ والسُّنَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «مَا اسْتَفَادَ المُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ».
والحديثُ وإنْ كانَ في إسنادِهِ شيءٌ من الضَّعفِ، لكنَّه صحيحُ المعنى، والواقِعُ يُقدِّم بين يَدَيْ صِحَّتِه من الشَّواهدِ والأدلَّةِ ما يُعَزِّزُ مَعْناهُ، ويُؤيِّدُ فَحْوَاهُ. فالزَّوجةُ الصَّالِحةُ من أجَلِّ النِّعِمَ الَّتي يُنْعِم الله بها على العبدِ، هي رفيقةُ دربِه، وأنيسَةُ وَحْشَتِه، وماسحةُ أوْصابِهِ، وأمُّ أبنائِه، تَفرشُ له البيتَ بورودِ السَّعادةِ ووسائدِ الطُّمأنينةِ، تمنحُ البيتَ سَعةً وإن كان ضَيِّقَ المساحةِ، تُؤازِرُهُ في كلِّ أعمالِه، تَرْبتُ على كَتِفه، فتطردُ عنه لأواءَ اللُّغوب، وتمنَحُهُ طاقةً لا تنفَدُ لمواجهةِ فَوادِحِ الخُطُوبِ، فما أشبَهَها بالمطرِ الذي يُحْيِي به اللهُ الأرضَ بعدَ مَوْتِها، أو بِريحِ الصَّبَا التي تُنْعِشُ الأرواحَ بعدَ اختناقِها، فَمَنْ وَقَفَ على واحدةٍ من أولئكَ الصَّافِياتِ الصَّفِيَّاتِ، فَلْيُثَبِّتَ عَتَبَةَ بابِها دون مَحِيصٍ، وليجعلْ شِعارَهُ قولَ أبي الشِّيصِ:
وَقَفَ الهَوَى بِي حَيْثُ أَنْتِ، فَلَيْسَ لِي
مُتَأَخَّرٌ عَنْهُ، وَلَا مُتَقَدَّمُ
وفي المقابلِ ما ابتُلِيَ المرءُ بعدَ الكُفْرِ باللهِ بمثلِ الزَّوجَةِ الطَّالحةِ، المتخصِّصة في تحويلِ نَفحاتِ السَّعادةِ إلى لَفحاتٍ من نَكَدٍ، وضِرامٍ من تَعاسةٍ، تُضِيقُ البيتَ وإنْ كانَ في سَعَةِ القُصورِ، وتَستَدْعِي الهُمومَ في أوقاتِ الحُبُورِ، لا تَحفظُ لزوجِها عهدًا، ولا تَرْعَى له وُدًّا، ولا تُقَدِّرُ له مَعروفًا، فالبيتُ معها في هُمومٍ لا تنقضي حَسَراتُها، وأحزانٍ لا تَنْجَلِي غَمَرَاتُها، وإنْ كانَ في بُحْبُوحةٍ ظاهرةٍ من العَيْشِ الكَريم، والخيرِ العَميمِ. والأنكى أنَّها تُربِّي أبناءَها على أخلاقِها النَّكِدَة، فَتزرعُ في قلوبِهمُ القَسْوةَ على أقربِ ذَويهمْ، وتنتزعُ معانيَ البِرِّ الفِطْريّ من نفوسِهم، فما أشْبَبَها بالرَّيحِ العقيمِ الَّتي ما تَذَرُ من شيءٍ أتتْ عليه إلَّا جعلته كالرَّميم! فإنْ أردتَ لمساوئِ هذا الصِّنفِ العدَّ أو الحَصْرَ، عزَّ عليكَ ذلكَ الأمرُ الإمْرُ، واكتفيتَ بترديدِ هذا البيتِ من الشِّعْرِ:
مَسَاوٍ، لَوْ قُسِمْنَ عَلَى الغَوَانِي
لَـمَا أُمْهِرْنَ إِلَّا بَالطَّلَاقِ
وفي هذا الزِّمنِ النَّكدِ ظهرَ مصطلحُ (النِّسْوِيَّةُ) بالمصدرِ الصِّناعيّ ترجمةً لكلمةِ (Feminism)، أو بالاسمِ المنسوبِ ترجمةً لكلمةِ (Feminist)، وقد ظهر هذا المصطلحُ في فرنسا (Féminisme) عام 1937م على يدِ الفَيلسوفِ الاشتراكيِّ (شارل فورييه)، ثمَّ استعملَتْهُ باحثةُ الباديةِ (مَلَك حِفْني ناصف) في العالمِ العربيِّ عام 1909م. وتحملُ هذه الحركةُ رايةَ الثَّورةِ على ما سمَّتْهُ بالمجتمعِ الذُّكُوريّ، وطالبتْ بمساواةِ المرأةِ بالرَّجُلِ في العملِ والأجرِ والتَّعليمِ والملكيَّةِ والتصويتِ الانتخابيّ، ودعتْ إلى حمايةِ النِّساءِ من التحرُّشِ والاغتصابِ والعُنفِ الأُسريِّ… إلى غيرِها من المطالبِ العادلةِ التي لا يَتنازَعُ فيها عاقلان، ولا تنتطِحُ فيها عنزان، وهي مبادئُ أجْمَلَها القرآن الكريم في قوله تعالى: (فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ).
ولكنْ في العقودِ القليلةِ الماضيةِ وَجَدْنا انحرافًا فكريًّا مُروعِّا من أولئكِ النِّسْوياتِ، حيثُ خرجْنَ من أحضانِ الطَّلبِ المشروعِ بالمُساواةِ في حدودِ ما تتأتَّى فيه، لِيُقدِّمْنَ فكرًا إجراميًّا تخريبيًّا، يهدفُ إلى زعزعةِ استقرارِ الأسرةِ عامَّةً، والأسرةِ المسلمةِ خاصَّةً، إذ شرعتْ حاملاتُ هذا الفكرِ السَّوداويِّ في محاربةِ قَوامةِ الرَّجلِ على المرأةِ، وطَفِقْنَ يَنْفُثْنَ في رُوعِ المستمعاتِ لهنّ أفكارًا مَسمومةً تَدورُ في فلكِ التَّمرُّدِ والنُّشُوزِ، ورَفعْنَ عقيرتهنَّ بمواجهةِ كافَّةِ صورِ العُنفِ الجَسديّ ضدَّ المرأةِ بما في ذلك التَّأديب المشروعِ، وحملْنَ رايةَ الدَّعوةِ إلى تحريمِ وتَجريمِ زواجِ القَاصراتِ بالمعنى القانونيّ لا الشَّرعيّ، وانحرفْنَ وانْجَرَفْنَ إلى مستنقعِ الدَّعوةِ إلى مُساواةِ المرأةِ بالرَّجُلِ في الميراث، مع أنَّها تَتَساوى معه، بل تزيدُ عليه في أضعافِ المسائلِ التي يَزيدُ هو عليها فيها؛ لأنَّ الميراثَ في الإسلام مبنيُّ على نظامِ مُتوازنٍ وَضَعَهُ الحكيمُ العَليمُ، يجمعَ بينَ الحقوقِ والالتزاماتِ في تَوازُنٍ فريدٍ، وهي قضيَّةٌ كُسِرتْ عليها كُتبٌ رائقةٌ، وليس هنا مجالُ تفصيلِ القولِ في فَلْسَفَتِها وأحوالِها، وأخيرًا ظهر مصطلحُ (الجُنُوسَة) أو الجِندَر (Gender) في العقد الثامن من القرن العشرين، والذي يدعو إلى إلغاءِ الفُروقِ البيولوجيَّة بين الرَّجُلِ والمرأةِ، في تناقُضٍ صَريحٍ مع الفِطْرَةِ السَّويَّةِ، ومعَ صريحِ قولِه تعالَى: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى)، فظهرت الدَّعواتُ إلى إباحةِ تغييرِ الجنسِ، والمثليَّةِ الجِنسيَّةِ، والتَّعدُّديَّةِ الجِنسيَّةِ، دونَ قيدٍ أو شرطٍ، وباتَ السُّؤالُ الرَّئيسُ، الَّذي يُلْقَى على أسماعِ المتنافِسينَ في انتخاباتِ الرَّئاسةِ الأمريكيَّةِ، كما تابعتُ في غيرِ دورةٍ، هو: ما موقِفُكَ منْ رُباعيَّةِ الشُّذُوذِ (LGBT)؟!
وقدِ ابتُلِينا في العالمِ العربيِّ والإسلاميِّ بِشِرْذِمةٍ من أولئكَ النِّسْوياتِ المارقاتِ، اللَّائي يَفِرُّ الشَّيطانُ من دَمَامَتِهِنَّ خَلْقًا، ومن سَماجتهنَّ خُلُقًا، فلو رآهنَّ الشَّيطانُ سالكاتٍ فجًّا لَسَلَكَ فجًّا غيره، لأنَّهنَّ أكثرُ منه إضلالًا، وأفدحُ منه غوايةً، وحُسبُكَ تَكديرًا لِصَفْوِ يَومِكَ أنْ تَرَاهنَّ يَفْغَرْنَ أفواهًا لَوْ رأيتَها، تخيَّلْتَها بابًا من النَّارِ يُفتَحُ، فما أحراهنَّ بِتَرْدِيدِ قولِ أحدِ الشُّعراءِ الخُلَعَاء:
وَكُنْتُ امْرَأً مِنْ جُنْدِ إِبْلِيسَ، فَارْتَقَى
بِيَ الحَالُ، حَتَّى صَارَ إِبْلِيسُ مِنْ جُنْدِي
وللتمثيلِ على ذلكَ ندلِفُ إلى قضيَّة السَّاعةِ للمحاميةِ المتَّهمَةِ حتَّى الآن (سالي الجبَّاس)، المقبوضِ عليهما بِجُرْمٍ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا، حيثُ أقدمتْ على قتلِ والدَتِها، وتقطيعِ أوصالِها، وتفريقِها في مواضعِ مختلفةٍ من الشَّقةِ على مَدارِ يومَيْنِ، ثمَّ هربتْ إلى مدينةٍ أخرى، حتى اشتمَّ الجيرانُ الرَّائحةَ، فسارعت الأجهزةُ الأمنيَّةُ إلى المكانِ لتقف على هذا المنظرِ المروِّع، ولتلقيَ القبضَ على المتَّهمةِ الفارَّة في مدينة الشيخ زايدِ!
وتبدأ حكايةُ المتَّهمَةِ بالانجرافِ مع تيار النِّسْويَّةِ، والظُّهورِ الإعلاميِّ المتكرِّرِ في ندواتٍ حولَ الدِّفاعِ عن حقوقِ المرأةِ، ومُناهضةِ التحرُّشِ، ومن عجبٍ أنَّها حصلتْ على جوائزَ مُختلفةٍ لِنشاطِها في هذا المجالِ، وما فَتِئتِ الدَّعواتُ تُوَجَّهُ إليها- باعتبارها مُستشارةً في العلاقاتِ الأسريَّة- لإلقاءِ مُحاضراتٍ عن العلاقاتِ الزَّوجيَّةِ، وقضايا الأسرةِ، حتَّى انغمستْ في مستنقعِ الدَّعوةِ إلى تعديلاتٍ جوهريَّةٍ في قوانينِ الأُسرةِ، وهي التَّعديلاتُ التي رفضها الأزهرُ الشَّريفُ جُملةً وتفصيلًا، وصار وجهُها مألوفًا بالنسبة للمجتمعِ النِّسْويّ في ثغرِ الإسكندريَّةِ، ولعلَّها كانتْ تسعى جَاهدةً لنيلِ عضويَّةِ المجلسِ القَوميِّ للمرأةِ، وكانتْ طَلْعَتُها وملابِسُها وزينتُها وطريقةُ كلامها لافتةً، ولم يَعْزُبْ عنها أنْ تستخدمَ ما أُوتِيتْ من براعةِ محاميةٍ في محكمة النَّقضِ، ولا أنْ تُخْرِجَ أضغاثًا مِنْ عُقَدِها النفسيَّةِ بسببِ فشلِها في حياتِها الزَّوجيَّة، وهذا هو القاسمُ المشتَرَكُ الأعظمُ بين جُلِّ المتصدِّراتِ في هذا الحديثِ المغموسِ في كَنيفِ التَّمرُّد والنُّشُوزِ!
وتُشيرُ المعلوماتُ التي يحفلُ بها الفَضاءُ الإلكترونيُّ حولَ حياتِها الأُسَرِيَّةِ أنَّ الفَشَلَ والاضطرابَ كانَا عُنوانَها، حيثُ انفصلتْ عن زوجِها الأوَّلِ، وأنَّها محرومةٌ من رؤيةِ بناتِها منه، ثم َّتزوَّجتْ مرَّةً ثانيةً وأنجبتْ منه بنتًا، ثم خلعتْ ذلك الزَّوجَ، ويشاء الله أن تموتَ تلك البِنتُ وهي في عمر الثالثةِ؛ ممَّا دفع الأمَّ إلى محاولةِ الانتحارِ غير مرَّةٍ، ولا ندري هل ماتتْ بِخطأٍ طِبيٍّ كما تقولُ الأمُّ، أو تخلَّصتْ منها أمُّها، ودفَنَتْها بِتَصْريحٍ مزوَّرٍ كما يقولُ الأبُ؟!
ويبدو أنَّ رصيدَها من ستر الله قد نَفِدَ، فشاء الله لها فضيحةً مُدوِّيةُ لم يبقَ بَيْتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلَّا دخلتْهُ، بإقدامِها على جريمةِ قتلِ أمِّها، ومن الـمُضْحِكاتِ الـمُبكيات أنَّها تحدَّثتْ في إحدى المقابلاتِ التِّليفزيونيَّةِ عن برِّ الأمِّ التي أوصى بها النبيُّ ثلاثًا، قائلةً: مَنْ لا يضعُ والدَتَه فوقَ رأسِه كالتَّاجِ لا يَستحقُّ حتَّى أنْ تُهَنِّئَه على زَواجِهِ!، فماذا حدث لاحقًا؟
في السَّابع عشر من شهر يوليو الجاري وقعتْ مُشادَّةٌ كلاميَّة بين البنتِ وأمِّها التي تجاوزتِ السَّبعينَ من عُمُرها، والمقيمةِ في منطقةِ (سيدي بِشر) بالإسكندريَّة، وتطوَّرتِ الـمُشَادَّةُ إلى الاعتداءِ بالضَّربِ المبرِّحِ، ثمَّ خنقتِ البنتُ أمَّها حتَّى فارقَتِ الحياةَ، وعلى مدارِ يومينِ كامِلَيْنِ شرعتِ البنتُ القاتلةُ- وَفْقًا لاعترافاتها- إلى تقطيعِ أوصالِ أمِّها بالسِّكِّينِ والمقصِّ، وسكبتْ عليها موادَّ كيماويَّةً لِتشويهِ مَعالمها، ثمَّ وضعتِ الرَّأسَ والأحشاءَ في الفريزر، ووضعتِ الجُزءَ العُلْويَّ من الجسدِ في أكياسٍ بأرفُفِ الثَّلاجةِ، بينما بقيتِ اليَدانِ والقَدمانِ في حقيبةٍ قُماشيَّةٍ بالصَّالةِ، وعندما بدأت تظهرُ الرَّائحةُ خاطبَها الجيرانُ غير مرَّةٍ، فأجابتْ بأنَّها رائحةُ طعامٍ مُتعفِّنٍ (رِنْجَة) نسيتْها أمُّها في الثلاجةِ، وأنَّها تعملُ على التخلُّصِ منه، ولمَّا عجزتْ عن التخلُّصِ من الجثَّةِ، هربتْ لتعيشَ في شقَّةٍ بمدينةِ (الشيخ زايد)، ثمَّ أبلغَ الجيرانُ الشُّرطةَ، ففتحتِ الشَّقَّةَ لتقفَ على هذا المنظرِ الـمُرعِبِ، ولِتُلْقِيَ القبضَ على المتَّهمةِ، التي قدَّمتْ اعترافاتٍ تفصيليَّةً عن الجريمةِ.
وهنا تحركتْ جَحافلُ المحامينَ وناشطاتُ حقوقِ المرأةِ؛ للدَّفاع عن زميلة في العملِ، وناشطةٍ نسويَّةٍ بارزةٍ، ومع الاعترافاتِ التفصيليَّةِ صارَ المخرجُ الوحيدُ أمامَ أولئكَ المحامينَ الدَّفعَ بأنَّها كانتْ تُعَانِي من خللٍ نفسيٍّ واكتئابٍ حادٍّ، يَكادُ يَصلُ إلى ما يُسمِّيهِ الفُقَهاءُ بالجُنونِ المُطْبِقِ، نتيجةً للظروفِ القَاسيةِ التي مرَّت بها، وطالبتْ هيئةُ الدِّفاعِ بحظرِ النَّشرِ في القضيَّةِ، التي صارتْ قضيَّةَ رأيٍ عامٍّ بلا ريب؟!
ودونَ استباقٍ لنتائجِ الاستجوابِ في قسمِ الشُّرطةِ، والتَّحقيقاتِ في مقرِّ النِّيابةِ العامَّة، والتقَّاريرِ الطِّبيَّةِ التي تُقدِّمها الجِهاتُ المختصَّةُ حول مدى اتِّزانها النفسيّ يَحقُّ لنا أنْ نقدِّمَ جُملةً من الأسئلةِ المشروعةِ حول هذا الدَّفْعِ الـمُسْتَفزِّ:
(1) هل المختلُّ نفسيًّا يقومُ بعدَ القتلِ بجميعِ الأعمالِ المشارِ إليها آنفًا من أجلِ إخفاءِ جريمتهِ على مدارِ يومينِ كاملينِ؟ أليس هذا سلوكًا مُنظَّمًا يحتاجُ إلى وقتٍ وتركيزٍ وإصرارٍ؟!
(2) أليس المختلُّ نفسيًّا بمجردِ أن يُفيقَ من غَمرةِ ذلكَ الاكتئابِ الحادِّ ينتابُهُ الشُّعورُ بالنَّدمِ الشَّديدِ، فكان الأمثلُ في حالتها أن تنتحرَ كما قالوا إنَّها حاولت مرارًا، أو أن تفرَّ من البيتِ مُباشرةً، أو أنْ تُسلِّم نفسَها إلى الشُّرطةِ؟
(3) هل المختلُّ نفسيًّا يُجِيبُ بكلِّ سُرعةٍ واتِّزانٍ عن أسئلةِ الجيرانِ، بأنَّها رائحةُ (رِنْجَةٍ) فاسدةٍ تركَتْها أمَّها، وأنَّها ستقومُ بالتخلُّصِ منها؟
(4) هل المختلُّ نفسيًّا يُسافر إلى القاهرة الكبرى، ويستأجِرُ شقَّةً في مدينةٍ هادئةٍ راقيةٍ، هي مدينة (الشيخ زايد)، للاختباء بها؟ وهو سلوكٌ يدلُّ على تخطيطٍ مُسبقٍ للهروب، وانعقادِ النيَّةِ على الفرارِ من الملاحقةِ الأمنيَّةِ، ومن قَبضةِ العَدالةِ؟!
(5) هل المختلُّ نفسيًّا يَقومُ بالوَصْفِ التَّفصيليّ للجريمةِ عَقِبَ إلقاءِ القَبْضِ عليه دون هَذَيانٍ، أو تشوُّشٍ في المعلوماتِ، أو تَعارُضٍ مع ما رُصِدَ في مَسرحِ الجَريمةِ؟!
(6) هل المختلُّ نفسيًّا يَعتذرُ عن الإدلاءِ بأيِّ اعترافٍ أمامَ النِّيابةِ العامَّةِ إلَّا بحضورٍ محامٍ؟ أليس هذا دليلًا على أنَّ وَعْيَها العقليَّ، وخبرتها القانونيَّةَ في كاملِ حضورِهما؟
وختامًا، فإنَّ هذه الجريمةَ الشَّنعاءَ لتدقُّ ناقوسَ بل نواقيسَ الخطرِ حولَ جُملةٍ من الأمراضِ الاجتماعيَّةِ المزمِنَةِ، التي باتتْ سُوسًا يَنخرُ في عظامِ المجتمعِ إلى حدٍ مُرعِبٍ، مثلَ التمرُّدِ والنُّشوزِ داخلَ الأسرة، والنموِّ المتسارعُ للبلطجةِ والقَسوةِ الفائقةِ حُدودَ سلوكِ الوُحوشِ في الغابَةِ، والتراجُعِ المطَّرِدِ لمعاني البرِّ والتَّراحُمِ، ناهيكَ عن البونِ الشَّاسِعِ بين الشِّعاراتِ الزائفةِ التي تلوكُها بعضُ الألسنةِ المسمومَةِ في وسائلِ الإعلامِ المسموعةِ والمرئيّة وبينَ الواقعِ المريرِ لأولئكَ السُّفهاءِ الذينَ يَقولونَ ما لا يفعلونَ، وكأنَّ تلكَ الحِواراتِ التَّليفزيونيَّةَ والمحاضراتِ التَّثقيفيَّةَ ما هي إلَّا وسيلةٌ للشُّهرةِ والمكانةِ الاجتماعيَّةِ. وهو ما يقتضي- من بابِ المعاملةِ بالمثلِ- السَّماحَ بنشرِ كلِّ تفاصيلِ القضيَّةِ، بل نقلَ جلساتِ المحاكمةِ على الهواءِ مُباشرةً، والنَّظرَ في السَّماحِ بتنفيذِ الحكمِ الذي ستُصْدِرُهُ المحكمةُ الموقَّرةُ (ونرجو أن يكونَ الإعدامَ) على الهواءِ مباشرةً، فغايةُ الحُدودِ في الإسلامِ زَجْرُ الآخرينَ عن الوقوعِ في مثلِ تلكَ الجريمةِ، وهو ما يُشيرُ إليه قولُ الحكيمِ العليمِ في جَريمةٍ أقلَّ شناعةً من هذه الفاجعةِ العاقِدَةِ لِلِّسانِ: (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).
