المدونة

النّساء في سيرة النّبي موسى.. كيف تعاملن مع الطغيان؟

تَحمل قصة نبيّ الله موسى عليه السلام معانٍ و دروساً عظيمة، لا نجدها إلّا في المدرسة القرآنيّة والنبويّة.

وقد شغلت النّساء في قصّة موسى عليه السّلام حيّزاً كبيراً، وشكّلن لنا قدوة نسائيّة تعاملت مع أصعب الأزمنة وأكثرها ظُلمةً، والتي عُرفت بعصر الاستبداد والاستعباد، تحت حكم طاغية كافر نصّب نفسه إلهاً؛ فظلم ونكّل، واستباح الأعراض وذبّح الأطفال، في أفعالٍ ذكرها القرآن صراحةً، لتكون دلالةً على غاية ما قد يصل الإنسان إليه من الشر والتجبّر على مرّ العصور.

وهذا دأب كل الطّغاة والمجرمين المستكبرين منذ ولادة البشريّة إلى الآن، الذين لا يَخشون الله تعالى، ولا يؤمنون بيوم الحساب، وَهُم الذين استعاذ منهم نبيّ الله موسى عليه السلام، إذ قال: {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ}[غافر:27].

قصة فيها تسلية للنساء:

وذلك التاريخ الأليم يشبه كثيراً واقعنا اليوم، وما تعانيه المرأة المعاصرة في كثير من البلدان، وما تشهده من ألم الفقد، والتنكيل بالأولاد، أو مرارة التهجير، وفراق الأحباب، بالإضافة إلى غياب الرجال المعينين على نوائب الدهر بسبب القتل أو مشاركتهم في الدّفاع، أو تعرّضهم للأَسر والنّفي.

أمّ موسى ومفارقة الولد:

وتبدأ القصة مع أمّ موسى عليه السلام، التي ألقت بابنها في اليمّ بأمر الله، لتنقذه  من بطش فرعون الخائف على مُلكه من الضّياع، المضّطربة نفسه، والمرتعدة فرائصه من طفلٍ رضيع، ولكنّ مشيئة الله غلبت كلّ مشيئة، فأمَر الله تعالى أمّ موسى بأن تُلقي بابنها في اليمّ إن خافت عليه، فامتثلت لأمره، وأيقنت أنّ في اللجوء للبحر الذي يُسيّره الله كيف يشاء، نجاةً ورحمةً أكثر من يابسة تتشاركها مع طاغية.

فودّعت طفلها الذي لم تغدق عليه من حنانها بعد، ليمضي بأمر الله إلى ما قُدّر له، وما صُنع لأجله، واهتزّ قلبها البشريّ للحظةٍ، كاد فيها عقلها أن يُصاب بالجنون، لولا أن ربط الله تعالى على قلبها المكلوم.

شجاعة الأخت:

ثم تذهب الأخت إثر أخيها موسى تقصّ طريقه، علّها تطمئنّ عليه أو تبشّر أمها بأنه أصبح في مأمن، ولكن شاء الله تعالى أن يَصل قصرَ فرعون الذي كانوا يفرّون من بطشه، وعندما أيقنت الأخت وصول أخيها، لم تبكِ الأخت أخاها في تلك اللّحظات، ولم تبدأ العويل معتقدة أن نهايته اقتربت، بل تحلّت بالشجاعة، وحافظت على رباطة الجأش، فلا ينفع الضعف والانهيار في هذه الأوقات، ولولا ذلك لما اقتحمت قصر الفرعون، لتدلّ على من يكفله ويُرضعه، ولَمَا عاد الطّفل لأمّه لتقرّ عينها به ولا تحزن كما أراد ربّ العباد.

كتمان السرّ وتوديع الولد مرة أخرى:

كيف بأمٍّ ترى ابنها ولا تخبره بذلك؟ تشاهد غيرها يرعاه ويحتضنه ولا تستطيع أن تحرّك ساكنا؟

فقد تولّت أم موسى في مرحلة الرَّضاع رعاية ابنها وتربِيَته، وبقيت تلتقي به ويزور أهله ويتعلّم منهم ما يحتاجه للدّعوة، حتى بعدما اشتدّ عوده، ولكنّها كتمت وعائلتها هذا السر الثقيل عن الناس، واحتملت بصبرٍ ويقين مرارة بعده عنها، وعيشه في قصر فرعون. 

وهذا من الحكمة، وضبط النفس؛ فالكلمة والسرّ اللذان يخرجان دون وعيٍ في زمن الطغيان، قد يتحوّلان لسلاح مدمّر مع كثرة ضعاف النفوس، والمنافقين السّاعين لإرضاء الطاغية.

زوجة الطاغية ومُربيّة النبي:

لم تكن آسيّة امرأة رجلٍ عادي، بل زوجة طاغية متجبر، كان له مُلك مصر، الذي استباح ما فيها وكلّ ما يدبُّ عليها، عاشت في رغد القصور، ووَفرة الأموال و كثرة الخدم، وكان يمكن أن تطغى كطغيان زوجها، وتتأثر بما حولها، لكنها من أصحاب المعدن الأصيل، الذين قال فيهم رسول الله ﷺ في حديثه: الناسُ معادِنٌ كمعادِنِ الذهبِ والفضةِ، خيارُهم في الجاهلِيَّةِ، خيارُهم في الإسلامِ، إذا فَقُهوا.[صحيح، أخرجه البخاري (3496)]

وكذلك كانت زوجة فرعون حتى استحقت أن يُخلَّد ذكرها  في قرآن يُتلى إلى يوم القيامة، ويَشهد لها رسول الله ﷺ كما ورد في الأحاديث بالكمال والفضل.

وقد دفعها شعور الأمومة والرحمة التي ألقاها الله في قلبها، إلى أن تضمّ موسى إليها، وترأف بالوليد الرّضيع الذي جاءها من غياهب البحر، وتهتمّ به، وتحميه من بطش فرعون وتدافع عنه، وتحرص على تعليمه ما يحتاج.

وقد آمنت بربّها جلّ وعلا وبنبيّه موسى، وعندما قام زوجها بتعذيبها على إيمانها ومخالفتها له، ثبتت وسألت الله بيتاً في الجنّة، زاهدةً بكلّ قصور الدّنيا، وقد اختارت الرّفيق الأعلى، والجار قبل الدّار.

عندما يُفتقد الرّجال:

إنّ غياب الرّجال في قصّة فتاتي مدين لم يكن له ارتباط مباشر بطغيان فرعون، لكنّه من أحد سمات عصور الاستبداد وانتشار الظّلم، وتُعدّ قصتهما درساً قرآنيّاً عظيماً في كيفيّة حفاظ الفتاة على نفسها وحيائها مع شدّة الحاجة، وعند نقصان المروءة، وافتقاد الرّجال المعينين على نوائب الدّهر.

و رغم حاجتهما، واضطرارهما للخروج والسقاية مع الرّجال، إلّا أنهما لم تتخلّيا عن أجمل خصلة قد تحملها الفتاة: ألا وهي “الحياء”، فلم تزاحما الرجال، ولم تخترقا صفوفهم، واختارتا الوقوف والانتظار على جانب الطّريق حتى يفرغ الجميع من عملهم، دون أن تخشيا طول الوقوف أو نضب الماء.

ومما يدعونا للتأمل هو جواب المرأة لموسى عليه السّلام، بعد أن دفعت به المروءة، عندما وجد الفتاتين على الحال التي هما عليها، أن يدنو منهما ويسألهما عن حاجتهما؛ وهو جواب ذُكر في القرآن الكريم، في قوله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}[القصص:23]

فقد اتسم الجواب بالاختصار، وحمل في طياته العزة والوقار والحياء، فقد بيّنت الفتاة حاجتها واضطرارها للخروج للسقاية، ثمّ علّلت ذلك بكبر سنّ والدهما وضعفه، دون أن تكثر الشكوى أو تغرق في التفاصيل، ولم تطلب منه بشكل مباشر أن يساعدهما أو يقدّم لهما العون، ولم تتذلّلا لأحد أو تستجديا العطف، فالمؤمنة تحافظ على كرامتها ونفسها، وتبتعد عن ذلّ السؤال، والشكوى للرجال الأجانب مهما دعتها الحاجة واشتد عليها الحمل.

ثمّ عندما رأت الفتاة بحكمتها وحدّة بصيرتها، القوة في موسى عليه السّلام والأمانة منه إذ سَقى لهما ولم يطلب مقابلاً، ولم يستغلّ ضعفهما وحاجتهما، طلبت من والدها أن يستأجره للعمل في مساعدتهم، وفي هذا دلالة على أن المرأة لها أن تستأجر من يخدمها في الشؤون الخارجيّة، وعليها أن تنظر في أمانته وقوّته، فلا تستأمن أي أحد على القيام بشؤونها حتى وإن كانت شديدة الاضطرار، والأولى أن يحصل الزّواج مثلما فعل والد الفتاة بحكمته وبُعد نظره أن زوَّج موسى عليه السلام بإحدى ابنتيه.

عندما تُهدّد الأم بأطفالها:

عندما بدأ اختبار التّمحيص واشتدّ البلاء على المؤمنين، وازداد فرعون بطشاً وتجبّراً، سطّرت امرأة لا نعلم عنها إلّا أنها ماشطة ابنة فرعون، درساً عظيماً في الثبات قد لا يقوى عليه أصلد الرّجال، وأشدّهم بأساً.

وهي قصة يرتجف القلب لسماع ما فيها من الأهوال، ومن شنيع فعال فرعون ليثني هذه المرأة المسكينة عن إيمانها، فاختار أفظع الطّرق: وهي أن تهدد الأمّ بقتل أطفالها، وأيّ قِتلة؟ أن يُحرّقوا في الزيت المغلي واحداً تلو الآخر، فكيف لأمٍّ أن تحتمل هذا المشهد، وهي تشمّ رائحة اللحم يحترق، وترى العظام تطفو على سطح القدر؟

ولكنّه الإيمان إذا ما استقرّ في القلب، والثّبات الذي يُكرم الله به عباده المُخلصين الصّادقين الصّابرين، وقوّة إيمانٍ جعلها تأبى إلّا الخضوع والاستسلام لله تعالى وحده، الذي أكرمها و ربط على قلبها عندما رقّ لرؤية طفلها الرّضيع، يؤخذ ليُلقى به مع إخوته، فكانت معجزة تكلّم ولدها الرضيع، الذي أنطقه الله تعالى لأجلها، بقوله: يَا ‏‏أُمَّهْ؛‏ ‏اقْتَحِمِي فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَة. فاقتحمت. [إسناده صحيح، أخرجه أحمد (2821)].

قوة وثبات وجزاء الصّابرات:

ولنا في هذه النساء الثابتات قدوة وعبرة، كيف واجهن الصّعاب بشجاعة، وصمدن أمام اختبار لا يثبت أمامه إلّا الصّفوة، وقفن بعزيمة، وقوة إيمان، وثقة بالله في وجه اختبار الفقد والتعذيب والتهديد بالولد والأهل، وفي اختبار العفّة والحياء رغم الحاجة.

إنهنّ نساءٌ استحققن أن يُخلّّد ذكرهنّ في القرآن والسنة، وأن يُذكر لهنّ الفضل، فهنّ نساء عَلِمن عِظم ربهنّ فهَبنه، وعَلِمن أنَّ عَذابَه أشدَّ فخِفنه، وأيقنّ أنَّ هذه الحياة الدنيا فَصبرنَ، وأنهنَّ على الحقِّ فثبتن.

وفي قصصهنّ تسلية وعِظة وعِبرة وبُشرى، لكل أمٍّ وامرأة عانت وتعاني كل أشكال المعاناة في زمن الاستبداد، وتحذيرٌ لكل طاغية مُتجبّر يُسرف في الظّلم، أنّ نهايته هو وأعوانه وحاشيته وخيمة في الدنيا، ولهم عذاب عظيم شديد في الآخرة.

وأنّ نهاية الأمّ الصابرة وأطفالها ريح عطرة كالمسك يشتمّها النبي ﷺ في السماء. فلكل أمٍّ جاهدت وفقدت أولادها وصبرت، و لكلّ فتاةٍ وَجدت نفسها وحيدة دون معين:

اثبتي إذا كنتِ على الحق المبين، واصبري واستعيني بالله، ولا تخافي ولا تحزني؛ فربّ السماوات والأرض رحيم لا يترك عباده المخلصين.

وأسأل الله أن يجمع كل أم وأب بأولادهم في جنان الخلد والنعيم، وأن يَربط على قلوبهم ويعوضهم بخير مما فقدوا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى