
في أربعينيات القرن العشرين، أصدر الشيخ/ مصطفى عبدالرازق (1885 : 1947م) كتابه (تمهيد لدراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية). ودعا فيه دعوةً صريحةً إلى التنقيب عن الفكر الإسلامي الأصيل، ومنازع التنظير العربية في مظانِّها الحقيقية. ورأى الشيخ -الذي صار شيخ الجامع الأزهر بعدها- أن هذا التنقيب يجب أن يبدأ من قلب العمل التنظيري الإسلامي، أيْ من مُعتركَيْ الاجتهاد الفقهي والعقدي. فينظر فيهما الناظر المتفحص ليستخرج الأصول النظرية التي وضعها المسلمون لشئون ثقافتهم الخاصة. مع مراعاة الفلسفة المشَّائية وتناولها، في نظر خاصّ، يركز على مضامين الإضافة الفكرية الإسلامية فيها.
وبهذه الرؤية، خالَفَ الشيخُ مُجمَل الجهود الاستشراقية في بحث الفلسفة الإسلامية؛ حيث انصبت انصبابًا أساسيًّا على الفلسفة المشائية العربية، لتخلص في رأيها إلى مُسلَّمةٍ سادت الموقف الاستشراقي الابتدائي: أن الفلسفة الإسلامية ما هي إلا ظلّ لفلسفة اليونان ومدارسها المختلفة. ثم صاح الشيخ مصطفى صيحته الداحضة لنمط المستشرقين في بحث الفلسفة الإسلامية.

وكان من سعي الشيخ مصطفى تكوينُ دائرة تلاميذ، ليكملوا طريقه من بعده. وكان من أبرز هؤلاء وأوفاهم لدعوة الشيخ وطريقه؛ العلَّامة/ علي سامي النشَّار (1917 : 1980م)، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعات عدة. فقد تتلمذ النشار على يد الأخير، واشتركا في بعض الهموم المعرفية والبحثية؛ كان أهمها تلقُّفه دعوة الشيخ مصطفى بتتبع الفكر الإسلامي الصراح في مظانه الحقيقية، لا في أعمال المشائين. فكان من أجلى ثمار جهده هذا الكتاب التأسيسي ( نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ).
دشَّن الأستاذ النشار هذا العمل البديع مشروعَ عُمر له؛ ليحقق به الغاية التي رسَّخها في أذهان الجيل الشيخُ مصطفى. وأقول إن هذا الكتاب مشروع عمر؛ فليس محضَ كتاب يُدوِّنه صاحبه، ثم يدفع به إلى المطبعة؛ بل هو حفر عميق في بنية الفكر الإسلامي الأصيلة. يتعمق هذا الحفر بما يُكتشف جديدًا ويُحقق من مصادر الفكر الإسلامي تباعًا، على يد الكثير من الباحثين شرقًا وغربًا. ما دفع الأستاذ النشار إلى إعادة تركيب كتابه منذ صدور الطبعة الأولى في 1965م، ومع صدور كل طبعة جديدة، إلى الطبعة الأخيرة (السابعة) التي قدَّم لها عام 1977م؛ ليفيد مما أخرجته أيدي الباحثين من جديد التحقيقات والدراسات. فيصدق على هذا الكتاب وصف التأسيسية، ووصف الحَرَكيَّة (الديناميكية)، ووصف المشروع الممتد الصالح للتعديل على يد صاحبه في كتابه، وعلى يد غيره في مشروع الأمة الحضاري.

رؤية النشار للفكر الإسلامي
قلت إن غرضَ الكتاب الوقوفُ على منابع الفكر الإسلامي الصراح، ورؤيتُه في مساره التطوري. اقتضى هذا الغرض من النشار نقضَ الفكرة القائلة براهنية الفكر الإسلامي للمنطق والفلسفة اليونانيين في مبدأ الكتاب، وكان قد أوفى هذا البحث في كتابه (مناهج البحث عند مفكري الإسلام)، الذي مثَّل رسالته للماجستير. وبالعموم، فقد كشف النشار عن عوار المُسلَّمة الاستشراقية التي تحاول جاهدةً أن تنسب كل جهد إسلامي إلى اليونان. ويا للأسف أن نشهد الكثيرين بيننا الآن يُروِّجون لهذه المسلَّمة بتوسُّع شديد، دون تورُّع عن ظلم منظومة علمية وفكرية هائلة، اشترك فيها أعراق وألسُن كثيرة، انبعثت من ديانة ما أقوى أركانها!
ثم خلص النشار إلى الوقوف على مصادر الفكر الإسلامي المتنوعة، أو التي تقال في جواب سؤال: ما هي مجالات الفلسفة الإسلامية؟ .. فحصرها في ستة مجالات:
- الفلسفة الإسلامية المشائية: وقد جنَّبها إلى حد كبير، مركزًا على الجديد فيها. ومنه محاولات التنسيق الداخلي لمباحثها المنقولة عن اليونان، وجهود الفلاسفة المسلمون في التوفيق الداخلي بينها، وجهودهم في التوفيق بينهما والإسلام. وحكم على الأخيرة بأنها مشوهة وناقصة.
- التصوف الإسلامي: وفرَّق فيه بين التصوف السُّنيّ المبني على مصادر الإسلام، وأولها الكتاب والسنة؛ والتصوف الفلسفي الذي امتاح الكثير من الأفكار الخارجية مازجًا إياها بالأفكار الإسلامية وأصولها.
- علم التوحيد أو علم الكلام: وهو علم التأسيس للمعتقدات الإسلامية، والدفاع عنها ضد هجمات المخالفين لها.
- علم أصول الفقه: الذي ركز فيه على كونه منهج الفقه أو منطق الفقه.
- الفلسفات النوعية، مثل علم الاجتماع وفلسفة السياسة وفلسفة التاريخ. منوهًا فيه على جهود: المسعودي واليعقوبي والطبري والغزالي والماوردي وابن تيمية وابن خلدون.
- فلسفة النحو، وهي من الفلسفات النوعية أيضًا، وركز فيه على فرع أصول النحو والتنظيرات الفلسفية فيه.
أنوِّه هنا على أمرين:
الأول أن الفلسفة الإسلامية -بصورتها الشاملة- لا تقتصر على المجالات المذكورة -التي هي مرتبطة بموضوع الكتاب-؛ بل تمتد إلى حقول أخرى كثيرة، مثل: المنطق ومناهج البحث، ومقارنة الأديان والطوائف، وعلم الأخلاق، وغيرها.
الآخر أن مُسلَّمته بنقض التأثر الإسلامي بالمنطق والفلسفة اليونانية، والوقوف على مجالات الإبداع الفلسفي الإسلامي؛ هُما عماد رؤية النشار، ومشروعه العام، في هذا الكتاب وغيره.

بنية كتاب نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام
أصدر النشار كتابه في ثلاثة أجزاء من الحجم الكبير. بدأ إصدارها -كما سلف- عام 1965م. لاقت نجاحًا لافتًا؛ حيث صدرت طبعتها الرابعة بعدها بعام واحد 1966م. ولم يخلُ الأمر من أخطاء أو قصور، سبَّبه ضيق المكشوف عنه من مصادر الفكر الإسلامي وقتها. فمثلًا، يشير النشار إلى أن الصادر من موسوعة (المغني في أبواب العدل والتوحيد) للقاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي (ت 415هـ)، ثمانية أجزاء فقط. والكتاب في ستة عشر جزءًا -كما هو معروف، بعد ضياع خُمسه-. وزاد من كشف مواطن القصور جهود البحث العلمي، التي قام بها تلاميذ النشار وغيرهم، في تجلية مواطن عديدة من الفكر الإسلامي بعد خفائها. وأمثل لهذه الجهود بكتاب واحد، هو (التجسيم عند المسلمين؛ مذهب الكرَّامية) الذي أخرجته تلميذته د/ سهير مختار، عام 1971.
أقام النشَّار الجزء الأول من كتابه -وهو أهم الأجزاء- للوقوف على أهم المؤثرات الخارجية والداخلية على الفكر الفلسفي الإسلامي، وفيه بحث جاد عميق عن الفلسفة اليونانية وتصورها في المرحلة الهلنستية، وصورتها عند مؤرخي الفكر العربي، وتصحيح النشار بعض ما أوردوه من أخطاء، وبحثه العظيم عن الغنوصية.
كما تناول الفكر العقدي عند الفقهاء الأربعة، وعند أهل الكلام السني الأوائل (ابن كُلَّاب، والقلانسي، والحارث المحاسبي)، ثم تناول بعض المدارس العقدية غير السنية (صنوف الحشوية، والقدرية الأوائل، والجهمية)، ثم جاء بحثه الممتاز عن المعتزلة؛ إلا أنه لم يتناول أهم مدرستين في الإسلام: الأشعرية والماتريدية. وأكرر أن هذا هو أهم أجزاء الكتاب وأولاها بالاهتمام والفحص؛ لعموميته في الكشف عن الفكر الإسلامي في مساره العام.
وفي الجزء الثاني، وقف على الشيعة ومذاهبهم. ورأى أن مسار تاريخهم يقسمهم إلى شيعة غالية، ومقتصدة، ومتوسطة. وكان هدفه من الدراسة الوقوف على مدى أصالة الفكر الشيعي ومظاهر التأثر بالفلسفات الخارجية. وفيه رأى أن مجموع ما أتى به الشيعة الاثنى عشرية من أفكار فلسفية إسلامي بحت، وإنْ تأثر غيره من الغلاة بالفكر اليهودي.
وفي الجزء الأخير، درس التصوف في مهده الأول؛ القرنين الأول والثاني. شمل بحثه كثيرًا من البقاع الحاضنة له (العراق، والشام، وخراسان)؛ ليقدح في الأسطورة الاستشراقية الأولى (التي تلاشت عند المستشرقين شيئًا فشيئًا): أن هذا الإسلام لا يمكن أن يُخرج لنا هذا الكيان الرُّوحي الراقي. وللعلم، فإن الأستاذ النشار ذو خبرة عميقة بدرس التصوُّف؛ فقد درس آراء أبي الحسن الشُّشْتَري الشاعر المتصوف الأندلسي الكبير في بحثه للدكتوراة، من خلال ديوانه.

منهج كتاب نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام
يهدف النشار من كتابه إلى تجلية “نشأة” الفكر؛ مما دفعه للاعتماد على المنهج التاريخي في استجلاء تلك النشأة البعيدة، واستقى مادته التاريخية من المصادر الفكرية الإسلامية، وبعض كتب التاريخ العام، ومن نتائج بعض البحوث الحديثة -العربية أو الاستشراقية- التي أكملت مادته. ولم يكتفِ النشار بفعل التأريخ للفكر، بل صاحبه بتحليل الأفكار السائدة، والسابقة، فاستخدم المنهجين التحليلي والنقدي. وإن الوصف الدقيق لمنهج الكتاب هو التحليل التأريخي للفكر الفلسفي في الإسلام.
وقد ارتضى النشار المدرسة الأشعرية فكرًا سويًا له، وصرَّح بذلك في الكتاب غير مرة، ونافح عنها في بعض المواضع. لكن هذا لم يؤثر عليه في استعراض المعتزلة -الخصم التاريخي الأشهر لمدارس أهل السنة-، بل عرض جهودهم عرضًا يليق بتاريخهم العريق.
ومن مسألة أصالة الفكر الإسلامي التي كانت مسلَّمةً له؛ نستنتج موقفه من الفلسفة المشائية، التي رآها عارية عن روح الإسلام، بكماء في تعبيرها عن أصالة الفكر الإسلامي. مما دفعه إلى بعض التحامل عليها، بل حمل على بضع أعلامها حملةً قد تنبو عن الجادة، مثل ابن رشد.
ومن منهج الكتاب وخطته إفراد كل جزء بموضوع خاص، قائم بنفسه. رغم أن الرابط المنهجي والروح العامة مُنبثَّان في الأجزاء كلها. ما حقق الوحدة العضوية لكل جزء، وسمح أن يقتني القارئ أي جزء أو يقرأه، دون حاجة للآخرين. وكل الأجزاء تبدأ بمقدمة الطبعة السابعة، التي حررها الأستاذ النشار عام 1977، وهو في مدينة الرباط، من أرض المغرب، إلى أن مات على أراضيها، عام 1980.
ويبدو من بنية الكتاب وغرضه وكونه مشروع عمر ممتد؛ أنَّ المؤلف كان يبغي كتابة الكثير فوق ما كتب، إلا أن صروف الدهر حالت دون ذلك. فلم يستوفِ في مادة الكتاب أغراضَه ولا حقولَ الفكر الإسلامي. لكن هذه الأغراض المنتثرة حققها مجموع كبير من الباحثين والمؤلفين العرب بعده، كلٌّ في حقله. ويكفي أن أقول إن السادة: فوقية حسين، وعمار الطالبي، وأحمد محمود صبحي، وسهير مختار من أهم تلامذته. وقد قام كل منهم بجهد مشكور في شتى مجالات الفكر الإسلامي. وهذا من تكامل الأجيال في الفكر؛ فجيل الشيخ مصطفى ربَّى جيلًا منه النشار، وهو بدوره ربَّى جيلًا في مصر والعراق والمغرب.
ومما يُحمد للأستاذ النشار، وهو مَن هو، تنويهه في كل موضع بدور تلامذته في تنقيح الكتاب، أو عمليات المراجعات، أو ما أتوا به من بحوث علمية، الصادرة والتي لم تكن صدرت بعدُ، ساعتها. وهذا خلق محمود للأستاذ الكبير.
موسوعة (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام) من أهم ما كتب العلَّامة/ علي سامي النشار، ومن أجدر ما يقتنيه المتخصص في الفلسفة الإسلامية، والمهتم العميق والجاد بها، كما تظل مرجعًا هامًا لصاحب الفلسفة العامة.
