
من فضل الله ورضا الوالدَين دراستي الجامعيةُ في قسم اللغة العربية بكلِّية الآداب في جامعة دمشق. سعادةٌ غضَّة غَشِيَت قلبي، وبدَّدَت قلقي من المكان الجديد بعد محاضراتٍ أُولى تلقَّيتها في مدرَّجات نبتَ فيها حبُّ العربية، وانعقدَت فيها براعمُ الآمال بإكمال المَسير في دربها.
وكلَّما أوشَكَت جَذوةُ الهِمَّة أن تخبوَ أذكَتْها حروفُ أساتذتي الناصعةُ المَصوغةُ من سبائك النور، فكانت تُلقي في رُوعي شغَفًا لا حدودَ له، وتسكُب في روحي حُلمًا لا فضاءَ له، وتُلهِمُني إصرارًا على التأسِّي بهم، والاقتداء بنُورهم.
حروفُهم المُضيئة لم تعلِّمني دروسًا في العربية فحَسْب، بل علَّمَتني دروسًا في حياة طالب العلم الذي يَفيضُ قلبُه حبًّا واحترامًا وإجلالًا لأستاذه، ففي كلِّ مرَّة تحدَّث فيها أساتذتي الدكتور علي أبو زيد، والدكتور نبيل أبو عمشة، والدكتور محمَّد موعد عن أستاذهم وأستاذ الأجيال الدكتور مازن المبارك – رحمه الله – كنتُ أرى صورةً مشرقةً ومشرِّفةً لطالبٍ وأستاذ، بل لأبٍ وابن. وكنت أغبِطُهم لأنهم درَسُوا على يديه، ونهَلوا من مَعينه الدفَّاق.
كنت أقول: ليتَني كنت في أعمارهم لأقابلَ هذا الشيخَ الجليل وأدرُسَ على يدَيه، وأتخرَّجَ في عباءته العِلمية. أحاديثُهم عنه كانت تنثُر حُبًّا من نوع مختلف، ولون مميَّز، لم أعرفِ السببَ يومئذٍ، لكنَّ ما أذكرُه حين كنت أستمعُ إلى ذِكرياتهم العِتاق في مجالس عِلمه أنني كنت أتمنَّى ببراءةٍ أن أستطيعَ ملازمةَ العلماء في مجالسهم، وأنني رغِبتُ في لقاء الدكتور المبارك، والاستماع إلى كلامه، لروعة ما سمِعتُه من جمال الوصف، وبهاء الصورة.
لم أعرِف سرَّ هذه العُروة الوُثقى التي جمعَت طلَّابه به حتى جمعَني الله سبحانه وتعالى به في يوم الخميس 13 /5/ 2004؛ إنه يوم مناقشة رسالتي في الماجستير التي بعنوان “كتُب غريب اللغة وأثرُها في العربية”، إذ كان الأستاذُ الدكتور مازن المبارك عضوًا في اللجنة العلمية للحُكم على الرسالة. فقد ارتأى قسمُ اللغة العربية برئاسة أستاذي الدكتور علي أبو زيد آنذاك أن يشرِّفَنا الشيخُ الجليل بمناقشته وفَيض عِلمه، وأن يَزِينَ قسمَنا ويُكرِمَنا بحُضوره ولُطفه، مع أنه تقاعدَ عن التدريس في القسم. وتألَّفَت اللَّجنة العلمية من الأستاذ الدكتور مازن المبارك رحمه الله، والأستاذ الدكتور مَزيَد نَعِيم حفظه الله، ومشرفي الأستاذ الدكتور نبيل أبو عمشة حفظه الله.
اختلطَت المشاعرُ في جَوانحي بين سعادةٍ وقلق وتخوُّف وهيبة. جاء يومُ مناقشتي الذي جمعَني بالعالم الدمشقي العَتيق، وبالشيخ الفَضيل الذي أزهرَ الصباحُ في وجهه، واعتلَت الحُمرة وجنتَيه، وزيَّنه الشَّيب فزادَه وقارًا على وقار.
سلَّمتُ عليه بسرورٍ وحياء، وشكَرتُ له ما أكرمَني به من وقتٍ وجُهد في قراءة رسالتي، وحالي حالُ النبتة الغضَّة أمام الأيكة الوارفة. فما كان من هالة النُّور التي رأيتُها، وبهَرَني حضُورُها إلا أن تبسَّمَ ثغرُها تبسُّمًا تجلَّى فيه رِضا الأستاذ وحُنوُّ الأب، وقال لي: بارك الله فيك يا ابنتي، وفَّقَك الله.

انتهَت مناقشتي بتقدير جيِّد جدًّا، وهي عندي وِسامُ شرف من أستاذِ الأساتيذ. ثم حدثَ أن لقيتُه مرَّاتٍ عدَّة في مَجمَع اللغة العربية بدمشقَ، ضمنَ ندوةٍ أو محاضرة أو مكتب عكفَ على القراءة فيه، ولسانُ حالي يقول آنذاك: حفظَ الله أستاذَنا وأطالَ في عُمره، ما أبهاهُ في المَظهَر والجَوهَر! وما أجملَ تواضُعَه! وما أُحَيلى عذبَ حرفِه، وسِحرَ بيانه، ونبرةَ صوته! يأسِرُ قلبَك بين علوٍّ وانخِفاض، وشدَّةٍ ولين؛ وَفقًا لمُقتَضى الحال في درسٍ لغويٍّ أوديني، أو لقاء ثقافي، أو اجتماع علمي. وعرَفتُ بعد ذلك كلِّه سرَّ محبَّة الناس التي خصَّ الله بها شيخَنا الجليل.
رحِمكَ اللهُ يا هالةَ النُّور، عِشتَ الحياةَ وفارقتَها عالمًا مباركًا، استحقَّ صفةَ العالِم، وصفةَ المُبارك.
رحمَه الله، آنسَه الله، عوَّضَه الله الجنَّة.

