
فُوجئتُ وأسعدني الحظ الطيب بأن اطلعتُ على المجموعة القصصية المَوسومة بـ“ثروتي التي خسرتها”، للأديب والقاصّ اليمني/ محمد مصطفى العمراني .. اطلعتُ عليها قُبيل إصدارها للنشر العام؛ لتُدخل على قلبي صفاء السرور، وتُورِثُ شغافه من بعد قراءتها رُوحَ الحبور.
المجموعة اثنتان وعشرون قصةً بديعةً، تكتنفها رُوح الفكاهة، وريحانُ الإمتاع والمؤانسة .. أعادتْ لنفسي ذكرى أدب الظَّرف والطُرفة والمُلح في دواوين الأدب العربي القديمة. وهذا الصنف من الأدب القصصي تُعوِزُهُ هِبةٌ خاصةٌ، دونَ هِبةِ القصِّ التي تُعوِزُ كل فعل حكائي؛ ألا وهي هبة السَّمت الفُكاهي. وهذه الهبة تقتضي نَفْسًا سَمْحةً، متواضعةً، سريعة البديهة، تفكِّر بغير طريق التفكير الاعتيادي، وتسلك غيرَ مَسلك الناس في كلامها، وتأخذ الأحداث والألفاظ غير مأخذ العادة فيها.
ويا لها من مُؤهلات عسيرة التوفُّر في النَّفْس الواحدة؛ كما يعسر هذا النوع القصصي. أقصد هنا النوع السمح الطيب المَقُدود دونَ تكلُّف زائد، أما التظرُّف لا الظَّرف فيسهل انتحاله، كما يصعب تقبُّل النفس السليمة له؛ فالنفوس بها حاسَّة خفيَّة، بها تكشف عن حقائق المُركَّبات وبداهتها. فتقبل وتطيب لها الطيباتُ منها؛ وتنفر وتفزع من الخبيثات من جنسها.
وصاحب القصص في هذا الصنف من الفن القصصي عليه مُعوَّلٌ أعظم في نُجح العمل الذي يقدمه؛ فهو لا يَمتَحُ في تدبيجه القصصَ من مَعِين فكرِهِ وتأطيره لمذهبه الأدبي وحسب؛ بل يمتح من مِداد نَفسِه راسمًا نقوشًا بهيجةَ الطلعة في إمتاع العين، ذكيَّة المدخل في ملابسة القلب، قوية المخرج في جماع التصوُّر. لذا، فهذا الفنُّ ظلَّ أوعر من غيره مسلكًا، وأقل من غيره وجودًا في ديوان الأدب العربي؛ خاصةً في نماذجه الطَّبْعيَّة اللطيفة غير المتكلَّفة، الظريفة غير المتظرِّفة.
والأستاذ العمراني -وعمله هو المُخبر عنه- يمتاز بما يقتضيه هذا الفن جميعًا؛ فهو سمح الطبع، بسيط النفس، يقف موقف المتأمل البصير في الحياة، ناظرًا إليها كأنه غريب عنها، يقرر أن يتناولها من خارجها، دون اعتراك داخلي فيها؛ زهدًا لا عجزًا. وهذا ما يقتضيه هذا الفن من حيث الفكر والفكرة .. ثم هذا الأستاذ العمراني بعد تدقيقه النظر في الحياة وصروفها، ينسج بمهارة نسيج الإمتاع من صوف الآلام الخشن؛ ليُخرج لنا هذه القصص التي هي مُناجاة نفس طيبة لا تحتمل الحياة، فتقرر أن تُعيد تشكيلها وهندستها بطريق ألذ وأشهى، لا يُتوقع الوصول إليه من علقم الحياة المرير.
والأستاذ العمراني في مجموعته الجديدة “ثروتي التي خسرتها” يمزج مزجًا لطيفًا قوامُه حكايات الطفولة والصبا، وقصص الشباب والرجولة، من ذكرياته الشخصية، أو مسموعاته القصصية؛ حاشدًا تفاصيل ذاكرته مَصُوغةً بمسحة الإضحاك البريء، وبحُسن بديهته، وبذكائه المُسرَّب في التعليق على الأحداث وتوجيهها.
والقصص في المجموعة كله من القصص اليمني المَحليّ؛ مما أولاه الفرصة للتعمق في الإضحاك، بتضفير دقائق الحياة اليمنية بعضها بعضًا، واستثمار التفاصيل الحياتية والألعاب الكلامية واللفظية في خدمة صناعة الكوميديا. تحقيقًا لمقولة “الكوميديا فن خاصٌّ لا عامُّ”، هكذا يخبر بعض أهل التخصص .. فالكوميديا في شقٍّ واسع منها تتألَّق من خلال المفارقات، والمفارقات تتسع كلما استثمر الكاتب البيئة المَصُوغة فيها تلك المفارقات. وهذا بالتبعة، يُلقي عبئًا على غير القارئ اليمني في التقاط الإشارات المبثوثة في أرجاء كل قصة.
لكنني -وأنا لم أتشرف بأن أعيش في اليمن- لم أجد صعوبةً تُذكر في تتبع القصص، على خصوصيتها. بل إن هذه المجموعة تثبت أصلًا ثقافيًّا مُتنازعًا عليه؛ وهو أن العرب كلهم واحد، متفقون في أُطُرهم العامة، وطباعهم الكلية، وأنماط حياتهم، وما يعانونه من أدواء. فكل ما ذُكر في المجموعة من قيم يمنية يعيشها العرب في مصر والعراق وليبيا وغيرها من ربوع العالم العربي.
والإيقاع السردي في القصص سريع؛ لمواكبة النوع الأدبي من القصص الكوميدية المضحكة. فلا يعتمد الكاتب على خطة أخرى متبعة: وهي الوقوف الكوميدي على تفصيلات كل المشهد، أو تشقيقات الأفكار -وهي خطة ناجحة ومطروقة-؛ بل يعتمد طريق الإيقاع السريع والتركيز على لُبِّ القصة، وخطوطها الرئيسة، دون التطرُّق إلى تفريعات وتشقيقات قد تضرُّ بالدفعة الإضحاكية في القصص. وزمن السرد مُستوٍ، وقد يقف الكاتب لإرداف القارئ بحدث سابق، أو فكرة في نفس بطل القصة.
والأبطال في القصص كلهم من غمار الناس، نماذج من أهلنا الذين نقابلهم في حياتنا المعيشة. لا أحد فيهم خارقًا، ولا شخصية فيهم مميزة. بل إن أذكى الشخصيات هي شخصية الراوي، وهو البطل الواضح في كافة القصص، الذي قد يتوارى في الظل وقتًا، لكنه يظهر ظهورًا بيِّنًا طوال الوقت. وهذا البطل هو الأستاذ العمراني نفسه. وقد ذكرني نمط القصص -وغالب بداياتها مصوغة صوغًا واحدًا- بالمقامات العربية، والبدايات فيها.
أما الحوار فهو العامل الحاسم والسلاح الماضي في يد الكاتب. وقد أكثر منه إكثارًا، وليس هذا عيبًا، بل ما رسمه الكاتب من أسلوبه في توليد الكوميديا في القصص. فالحوار هو عامل الكوميديا الناجع. والحوار في المجموعة يأتي بين الشخصيات المتباينة، ثم يخلُصُ أوقاتًا ليُوحِّد به الكاتب بين شخصه راويًا، وشخصه الحقيقي؛ حتى يختفي الحد الفاصل تمامًا أحيانًا.
والحوار يمتزج فيه الفصيح بالعاميّ، ثم يغلب العاميّ في كافَّة القصص. لكنه عاميّ قريب من حدّ التفصُّح؛ حيث لا يتيه القارئ بين أضابير العامية اليمنية. ولم ألحظ في اللغة عامةً إلا ألفاظًا قليلة أشكلتْ عليّ، مثل “الدينة” وتعني الشاحنة، و”طنَّنت” وتعني الشرود الذهني. وقد تتمثل العامية في بعض الظواهر اللغوية، كتسهيل الهمزة في نعبي، بدل نعبئ.
والقصص رغم أنها كوميدية إلا أن الكاتب قد بثَّ فيها حمولات ثقافية. أهمها استخدامه للأدب الساخر. وهنا أنوه إلى أن تصنيف المجموعة من أدب الكوميديا، لا من الأدب الساخر. بل إن بعض الوارد فيها فقط يستخدم السخرية. وقد استخدم الكاتب سلاح السخرية في وجه بعض الظواهر الاجتماعية والسياسية، مثل تأثر البلاد العربية بالأحداث الخارجية.
ومن الحمولات الثقافية تناوله لشخصية المتنبي مُعادلًا موضوعيًّا في إحدى القصص. وكذا بث معلومات عن ديموجرافيا بعض البلاد. وكذا استغلاله بعض المصطلحات الماركسية، مثل “البُرُوليتاريا الرَّثَّة”.
إن الأستاذ العمراني في مجموعته “ثروتي التي خسرتها” يُثري الأدب العربي الحديث بامتداد فني لأدب الإمتاع والإضحاك، ولفن جمع المُلح والظرف من الحياة -وإن كانت حياته الشخصية-؛ لكنه يضيف إليها الشكل القصصي الحديث، ليُخرج منها خلقًا عربيًا في جوهره، جديدًا في هيئته.
