
قبل سبع أو ثماني سنين، طلب مني السيد صفاء ذياب، وهو ناشر وكاتب من البصرة، أن أدبّج مقدمة لكتاب حرّر مادته عن التجارب الكتابية لثلاثين كاتبا، واختار له عنوان (النظر في المرآة: 30 كاتبا عربيا في سؤال الكتابة). فلبّيتُ طلبه، وكتبتُ المقدمة. ومع أن الكتاب صدر عام 2020 عن دار شهريار للنشر، فإنني لم أطلع عليه إلا قبل مدة قصيرة.
1
حينما اقتُرح عليّ كتابة هذا التقديم، تذكّرت الحكاية الآتية: يروى أنّ ملكا طلب تزيين بلاطه، فتنافس على ذلك رسّامان أحدهما من الصين والثاني من اليونان، وكل منهما ادّعى أنه الأقدر على تزيين البلاط بأفضل صورة، فأحضرا أمام الملك الذي سأل الفنان اليوناني عن الزمن الذي يستغرقه تزيين البلاط، فأجاب بأنه الزمن نفسه الذي يستغرقه نظيره الصيني، فما كان من الملك إلا أن سأل الأخير عن الوقت، فأخبره بأنه يحتاج إلى يومين. حينما أزف الموعد جرى الاستجواب مرة ثانية للاطمئنان إلى الفراغ من العمل، فسئل اليوناني عمّا إذا كان قد انتهى، فأجاب إذا كان الصيني قد انتهى، فأكون أنا قد انتهيت أيضا. وتجنّبا للتأثير المتبادل فيما بينهما جرى تقسيم البلاط إلى قسمين تفصلهما ستارة سميكة تمنع الرؤية.
في مراسم الافتتاح اختار الملك وحاشيته البدء بالقسم الذي تولّى الصيني تزيينه، فرأوا حقولا مزهرة، وبحيرات صافية، وأنهارا جارية، وجبالا شاهقة، وطيورا من كل نوع، ما أثار العجب في نفوسهم، وحينما فرغ الملك وحاشيته من تأمّل المناظر المدهشة التي زيّن بها الصيني جدران البلاط، أُزيحت الستارة لرؤية القسم الذي تولّى اليوناني تزيينه، فدوّت صيحات إعجاب عبّرت عن دهشة منقطعة النظير: وضع الرسام اليوناني مرآة كبيرة في واجهة البلاط انعكست فيها رسوم الفنان الصيني كلّها، إضافة صور إلى العاهل والحاشية التي تمرأت وسط الزهور والحقول والأنهار. فاق عمل المرآة عمل الرسّام لأنها بثّت الحياة في أرجاء البلاط كلّه، فجعلت الحياة الحيّة التي مثّلتها زيارة الملك وبطانته جزءا من الحياة الجامدة التي رسمها الصيني.
تقودني تلك الحكاية إلى أمرين أثيرين إلى نفسي: عمل المرآة، وصنعة الكتابة، وهما مما عرّجتْ عليه بعض شهادات هذا الكتاب، فمنذ قدامى الأغريق اختلف في شأن وظيفة الأدب والفن، وظل الاختلاف قائما إلى الآن، فسواء جرى الحديث عن محاكاة موضوعات العالم المرجعي، أم عن عكسها، أم التعبير عنها، أم عن تمثيلها، فإنما يدور الحديث عمّا يراه المتلقيّ في عمق الأدب، أي ما يتولاه الأدب من تمثيل لأحوال العالم، ففكرة المرآة حاضرة بصورة أو بأخرى. من الصحيح أن مناهج النقد الحديث حاولت التشكيك في الوظيفة المرآوية للأدب، ولكن الدراسات السياقية ظلت أمنية على مراعاة الصلة بين العالم والتخيّلات الأدبية عنه.

2
ومن هذا أريد أن أنفذ إلى الحديث عن صناعة الكتابة، ليس لأن بعض التجارب الأدبية الموصوفة في هذا الكتاب قد أشارت إليها، فحسب، بل لأنني نصير لهذا الرأي في ضرورة إتقان صنعة الكتابة بما لا يتعارض مع بداهة التعبير، وجودة الافصاح عن المقاصد، والإبلاغ عن الأهداف، بوسائل مجازية مؤثرة. تقترن كلمة “صنعة” بتجشّم المشقّة في التأليف، وما يرادفها من تصنّع، وتكلّف، الأمر الذي يوحي بكتابة تعارض البديهة، وتخالف الطبع، فلا يصار إلى الاهتمام بجودة الصنعة، وإحكامها، والحذق فيها، بل التظاهر بها، وتكبّدها من دون خبرة، وادّعاء المعرفة بها من غير دراية بقواعدها العامة. ومن أجل نزع الارتياب عن مفهوم “الصنعة” يلزم القول بأنّ الكتابة تقتضي خبرة بأعرافها، ومراعاة ما استقرّ عليه كبارها من طرائق في السبك، وتهذيب في الأسلوب، وتجويد في الأفكار، فلا تتزاحم فتتداخل، أو تتفرّق فتتبعثر. ويصعب أن يتحقّق شيء من ذلك من دون ملازمة كبار الكتّاب، واستيعاب تجاربهم. ولكن حذار من استنساخ تجاربهم، وتجنّب محاكاتهم؛ فوقوع الكاتب في حبائل المحاكاة هو إحجام عن الاستكشاف، وتقاعس عن الابتكار، وهو ضرب من الانتحال، وسيؤدّي إلى تخريب تجربة الكتابة، والأمور بخواتيمها.
ومع الإقرار بالخاصية التخيّلية لمادة الأدب، فلا تُنتقص حينما تستعير موادّها من سياق اجتماعي أو تاريخي، وتدمجها في سياق خطابها الأدبي. وبمقدار ما يصحّ اعتبار الكتابة الأدبية “فِرْية”، يصحّ النظر إليها على أنها مرآة تمثيلية للعالم الذي تظهر فيه. وتحمل كلمة “فِرية” في الثقافة العربية، مدلولا شائنا: فهي تقترن بالتلفيق، والبهتان، والخداع، والافتراء، والكذب، والافتئات، وتلك من وظائف المرايا التي تعكس صورا زائفة. والتمعّن في دلالة “الفِرية” يثبت أنها الفعل المتخيّل الذي يقوم على الاختلاق، والاختراع، والابتداع. وذلك هو ركيزة القول الأدبي، وربما جوهره. ولا يطعن هذا التخريج لمعنى “الفِرية” في وظيفة التمثيل، وهي وظيفة لا تهدف إلى رسم الأحوال الاجتماعية والفردية، بل ابتكار عالم متخيّل مناظر للعالم الحقيقي، وإظهاره على أنه العالم الذي يعيش فيه المتلقّي، فكلما خُلع التخييل على الوقائع الحقيقية زادت جاذبية وتأثيرا.
وحذار من عدم الأخذ بأعراف صنعة الكتابة، لأنها، فضلا عن إرشاد الكاتب إلى السُبل الصحيحة للكتابة، تساعده في تلقّي ما يكتب. فقارئ الرواية غير قارئ الشعر، أو المسرح، أو النقد، وممارسة الكاتب لأنواع كتابية عديدة، يتأدّى عنه فقدان القارئ البوصلة التي توجّهه إلى عالمه. فكما يراعي الروائي أو الشاعر أعراف النوع الأدبي الذي يكتب فيه، فإن القارئ ينقاد لأعراف قراءة ذلك النوع، فتتدخّل الهوية الكتابية للمؤلّف في تقدير قيمته، وتلقي القرّاء لأعماله. وكلما مارس الكاتب أنواعا كتابية كثيرة، خفض ذلك من بلورة موقف واضح من تلقّي أدبه؛ فالتنوع يؤدّي إلى تشتّت انتباه القارئ، الذي يحار في اختيار السياق الذي يدرج فيه الكاتب. فكلّ نوع يصرف الانتباه عن الآخر، وقد يقوّض أهميته عند القارئ.
3
انقضى عهد الكتابة القائمة على قاعدة الفطرة، وصار ينبغي على الكاتب، روائيا كان أم شاعرا، الاطلاع على طرائق التأليف من مصادرها، والانكباب عليها، فلقد اشتق السابقون مسارا ذهبيا للكتابة، واتخاذ هذا المسار طريقا يزود الكاتب بمهارات لن يتلقّاها عن طريق آخر؛ فالسير على هدي السابقين، والتشبّع بأساليبهم، قبل الخروج عليهم يغذّي الكاتب بالأعراف البديهية للكتابة التي لا تفلح نظريات النقد في توفيرها له. إنّ الاستنكاف عن التعرّف على التجارب الثرية في الكتابة له من الضرر ما لن يقدرّه كاتب بدواعي الجهل، وما يتبعه من طيش، وسفاهة، ورعونة، فالانصراف عنها بذرائع كونها عتيقة، أو بالية، مبعثه تعلّق الكاتب بتصوّر ضيق للكتابة، وجهل بشروطها، فكأنها تبدأ به، وبجيله، وبمجتمعه، وخير للمرء أن ينهل من نبع الكتابة الصحيحة من ادّعاء الارتواء من سراب.
وما وجدت كاتبا يشار له بالبنان لم يسع للاغتراف من عيون التجارب الكتابية التي سبقته، فللوصول إلى هدفه عليه السير في دروب السابقين أولا، والتهام ثمار صنعتهم، واستكمال عمله بفتح طريق خاص به؛ فالتجربة الكتابية مفتوحة على الاحتمالات كلها، وليس ينبغي لأحد الادّعاء بأنها تبدأ به، وتنتهي بمعاصريه. وتكشف تجارب كبار الكتّاب أنهم ينكبّون على الكتابة في إخلاص يضارع إخلاص المتعبّدين في عقائدهم، فانقطاعهم عنها يفصم حلقات السلسلة الذهبية التي تربط الشخصيات، ويعيق نمو الأحداث إلى الغاية المقصودة منه، ويبعثر الوحدة الدلالية القابعة تحت سطح النص. وبانبتات حلقة من هذه الحلقات المتداخلة تتفكّك الوقائع، فيلوذ الكاتب بالإنشاء، وينحسر تأثير المناخ النفسي والخيالي الذي يغذّيه بما يكتب، فلا يعود قادرا على استئناف عمله إلا بصعوبة بالغة، ويتعثر الشغف بالابتكار، وبدونه تنطفئ رغبة الكاتب في المواظبة على الكتابة.

4
تعتبر الكتابة أسّ الأدب، وقد عرّفها “بلانشو”، بأنها “مجموعة من الطقوس، وهي الاحتفال الواضح، أو الخفي، الذي عن طريقه – بغضّ النظر عمّا نريد قوله، وعن كيفية التعبير عنه – يعلن عن ذلك الحدث: أن ما كتب ينتمي إلى الأدب، وأن الذي يقرأه، يقرأ الأدب”. وتوقّعي أن يقابل اصراري على التقيّد بطقوس الكتابة، ومراعاة أعراف صنعتها، بنوع من التبرم؛ فالالتباس في فهم القصد، وارد في كل حديث، يشدّد على أعراف الكتابة؛ ويعود ذلك إلى الخفّة، وربما حدة الطبع، ومعظم المشمولين بالوصف، سيحاججون بأن عالم الكتّاب غير منظّم، في أصله وفصله. وهو خلط مريع بين طقوس الكتابة، ومضامين الكُتب، فيعرضون عن هذا الكلام، إعراض المنكر له، والمستهجن له. ومنهم من يبدي تذمّرا من الوقت، حينما لا يتوفّرون عليه، إنما يختلسون لحظات عابرة منه، ويصبح هذا الاختلاس قاعدة يعتادون عليها، ويدافعون عنها، ويربطونها بما يظنّون أنه الإلهام، الذي يلقي في رَوْعهم، جملة من الأفكار، والمعاني المخصوصة، فكأن الكاتب، شخص أُصطفي لذلك. وتلك مغالطة، يلزم التحذير منها؛ فالكتابة نوع أصيل من الشغف، والمثابرة، والعون فيها يأتي من الانكباب عليها.
ليس ينبغي التفريط بطقوس الكتابة تحت تأثير خواطر عارضة لم تثبت فائدتها. ولا تصدر الأحكام المستهجنة لطقوسها إلا من أشباه الكتّاب، فلا يقرّها كبارهم، بل يستبشعها عظامهم، وباقتراح إيقاع زمني منتظم للكتابة، تتوارد الأفكار بيسر؛ لأن الأبواب تكون قد شرّعت أمام الكاتب. غير أنّ هذا لا يكفي، فالكاتب المجيد، بأمسّ الحاجة إلى مراقبة إيقاع الأحداث، ومسار الأفكار، فلا يسقط في الشروح المملّة، والأوصاف المُسهبة، والتعليقات الجانبية، والحكايات العارضة، فشرط الكتابة الإمتاع، وندر أن ظهرت نصّوص عظيمة غير ممتعة. ولعلّي أفرّق بين الإمتاع، والإثارة؛ فالإمتاع قرين المؤانسة، والحبور بالأحداث، والمؤالفة مع الشخصيات، والتفاعل مع وقائع العالم التخيّلي، والتفكير بها، فيما الإثارة انفعال عارض، يبعث الخوف، أو الغضب، أو الهياج، أو الشهوة، فهي نوع من التحريض النفسي، لا يجلب المتعة الفكرية، والنفسية، لأنه يسدّ منافذ الاستغراق الذاتي بالعوالم المتخيّلة.
5
ولا خلاف حول غموض منازع الإبداع، ولن ينكشف الإبهام بستره خلف دعاوى مُلغزة، ولا تُحمد المغالاة بالقول إن الإبداع نتاج استعداد فطري يتصل بالطبع والسجية، وأراني أشّدد على ملازمة الكاتب لعمله أكثر من تشديدي على “موهبة” الكاتب، وعندي الحجج الوافية على ذلك، فأنا أجهل مفهوم الموهبة غير القدرة على نسج النصوص بأسلوب مميز، واستعداد نفسي للتخييل المثمر، وذلك من نتاج المراس بالكتابة، وقوة الملاحظة في التفاصيل، والتفكير في بلوغ أفضل طريقة في الإفصاح عمّا يريده الكاتب، فالموهبة مفهوم مبهم، قد يراه غيري هبة، أو لُطفا يناله ذوو الحظ، أو استعدادا فطريا للبراعة في الكتابة، لكنني لا أرى في ذلك إلا محاولة تفلّت من الأخذ بأعراف الكتابة، فما بلغني، ولا أظنه بلغ غيري، أنّ وحيا هبط على كاتب، وناب عنه في كتابة قصة أو قصيدة. على أنني لا أبخس بعض الكتاب حسّا عميقا بالكتابة لا يتوفّر عند جمهورهم، ولا أغفل تبصّرهم في شؤونها بأفضل من سواهم، فتلك من الاختلافات الطبيعية بين الكتّاب الذين يتباينون في رؤيتهم للكتابة، ويختلفون في معالجة موضوعاتهم.
وحيثما يدور الحديث عن الكتابة الأدبية، فيحسن الترفّع عن القول، بالموهبة الخارقة، التي اختصّ بها هذا الكاتب، وحرم منها ذاك، فكأنها هبة إلهية، تُلقى في القلب وحيا، وتنفث سحرها في النفس خفية، وتأتي بالأعاجيب. ولا تجوز المبالغة في تقدير قيمة القول الشائع، بأنّ النص الأدبي، نفثة يطلقها المبدع في لحظة إلهام خاصة به، فذلك القول، يجانب حقيقة المقاساة التي يعانيها الكتّاب، فقد تصحّ على خطرة شعرية موقّعة، لكنها لا تصحّ على عمل سردي طويل أو نص شعري مسترسل خضعا لتقاليد الكتابة.
