
انقلاب السحر على الساحر:
سبق معنا الدور الكبير الذي لعبه التنظيم السري للدعوة العباسية في إشاعة ونشر الفكرة المهدوية، وإيهام الناس أن دولة بني العباس هي دولة المهدي المنتظر، وأنه على إثر الانشقاق الذي وقع في البيت الهاشمي وانقسامه إلى عباسية وعلوية ادعى محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الملقب بالنفس الزكية المهدوية ليتخذ من تلك الدعوى غطاءً لتنفيذ محاولته الانقلابية على الدولة العباسية، فتصدى له الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، وتمكن من وأد تمرده والقضاء عليه.
لكن نجاح أبي جعفر المنصور في وأد ذلك التمرد لم يعن إغلاق باب الفتنة المهدوية؛ لأن بابها كان قد فتح على مصراعيه، وفي محاولة لغلق ذلك الباب وقطع دابر الفتنة ادعى الخليفة العباسي الثالث محمد بن أبي جعفر المنصور (ت169هـ) المهدوية، وتلقب بالخليفة المهدي!
وفي هذا السياق تم اختلاق رواية موقوفة على ابن عباس تارة، ومرفوعة إلى النبي عليه الصلاة والسلام تارة أخرى، فالمرفوعة تقول: ((نعم يا عباس! إذا كانت سنة خمس وثلاثين ومائة؛ فهي لك ولولدك، منهم السفاح، ومنهم المنصور، ومنهم المهدي))، والموقوفة على ابن عباس تقول: ((منا ثلاثة: منا السفاح، ومنا المنصور، ومنا المهدي)).
تتحدث هذه الرواية بصيغتها المرفوعة والموقوفة عن الخلفاء العباسيين الثلاثة الأوائل: أبو العباس السفاح، وأبو جعفر المنصور، وأبو عبدالله المهدي، ولا يشك من له مُسكة من عقل، وأدنى معرفة بالتاريخ، أنها رواية موضوعة، وفرية مصنوعة، ومع ذلك نجد من يصحح هذه الرواية وأمثالها من الواهيات انتصارًا للفكرة المهدوية، كما فعل الشيخ البستوي في كتابه: (المهدي المنتظر) حيث حسّن الرواية الموقوفة على ابن عباس، ولم يستبعد صحتها! فقال: ((إسناده حسن، ويمكن أن يقال فيه صحيح؛ لأن الكلام في المنهال يسير))[1]!
وهكذا حين تغيب الرؤية الكلية، وتغفل السياقات التاريخية، تظهر مثل هذه الأحكام الترقيعية، والنتائج السطحية.
وما يهمنا هنا أن العباسيين حاولوا استدراك الأمر، وإغلاق باب الفتنة المهدوية، من خلال تقديم مهديهم الموعود للناس، ذلك المهدي الذي قامت على أساسه دعوتهم ودولتهم، ولكن الخرق كان قد اتسع على الراقع، فلم يجد ذلك شيئًا في إيقاف عجلة الفتنة المهدوية، فاستمرت ثورات التمرد على الدولة العباسية من البوابة المهدوية تحت غطاء التشيع العلوي، وكان أخطرها ثورة الزنج التي استمرت نحو خمس عشرة سنة (من عام 255هـ إلى عام 270هـ) واستنزفت الدولة العباسية كثيرًا.
لقد انفرط عقد المسبحة، وفتح باب الدم على مصراعيه، وقام سوق الفتنة على أشده، مرتكزًا على فكرتين: فكرة العشيرة المقدسة صاحبة الاصطفاء العرقي والحق الإلهي في السلطة، وفكرة ابن العشيرة المهدي المنتظر الذي سينتزع ذلك الحق من غير أهله ويعيده إلى حظيرة عشيرته المختارة!
وهكذا تحولت مهمة المهدي المنتظر من انتزاع الملك من بني أمية وجعله في بني هاشم، إلى انتزاع الملك من العباسيين وجعله في العلويين!
ولإضفاء المشروعية على هذا المنحى الجديد للفكرة المهدوية أخرج أنصار التشيع العلوي العباسيين من حظيرة العشيرة المقدسة (آل البيت)، وجعلوها حظيرة علوية فاطمية خالصة! وأكدوا على أن المهدي المنتظر علوي فاطمي!
وكل ذلك حدث عقب الانشقاق الذي وقع بين الهاشميين أيام الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، وانقسامهم إلى حزبين متنافسين: عباسية وعلوية، وما تبع ذلك من توحد كلمة أنصار التشيع العلوي (الباطني) بكل تنظيماتهم السرية وأجنحتهم العسكرية على انتزاع الملك من العباسيين وجعله في العلويين، وكانت المهدوية غطاءً لتلك التحركات التي تقف خلفها أجندات عقدية وقومية تتحكم بالمشهد وتحركه من وراء الستار، وهدفها أبعد بكثير من الشعار العلوي المرفوع.
ويمكننا القول: إن السحر قد انقلب على الساحر! فالدولة العباسية التي قامت على استغلال وتوظيف الفكرة المهدوية، صارت المهدوية أمضى سلاح في أيدي خصومها، يوجهونه إلى نحرها!
وهكذا تحددت سيرورة الفكرة المهدوية في تعاضد وتخادم تام مع أسطورة العشيرة المقدسة صاحبة الحق الإلهي المزعوم في السلطة، ليكون المهدي هو سليل تلك العشيرة، والآخذ بثأرها من خصومها، ومن يعيد إليها حقها المسلوب!
وانطلاقًا من هذه الإيديولوجية تم تخليق أعظم الفتن في الأمة، كفتنة عبيدالله المهدي (ت302هـ) مؤسس الدولة العبيدية (الفاطمية)، وغيرها من الفتن التي أفسدت على الأمة دينها ودنياها..
وفي تطور ملفت للنظر وجدت الإيديولوجية المهدوية المتطرفة طريقها إلى المجال السني، فكانت فتنة محمد بن تومرت (ت524هـ) مؤسس دولة الموحدين في المغرب، علامة فارقة على ذلك الاختراق الكبير والتحول الخطير؛ فقد زعم ابن تومرت أنه المهدي المنتظر، وادعى لنفسه العصمة، وحكم بكفر من لم يؤمن بمهديته وعصمته، أو شك فيهما، وبناء على ذلك سفك كثيرًا من الدماء المعصومة، وهتك كثيرًا من الحرمات المصونة.
السفيانية تقتفي أثر المهدوية:
لم تواجه الدولة العباسية المتمردين عليها من أدعياء المهدوية العلوية فحسب، ولكنها واجهت حركات تمرد اتخذت من السفيانية الأموية شعارًا لها!
لقد مر معنا كيف جعلت حركة التشيع الهاشمي المنغمسة في الأفكار الغنوصية (الباطنية) من المهدي المنتظر نافذة أمل لاستعاد الحق الإلهي المزعوم في السلطة من الأمويين، وكيف تمكنت من إسقاط الدولة الأموية وإقامة الدولة العباسية من خلال عمل دؤوب وتنظيم سري محكم رفع شعار دولة المهدي المنتظر، وفي محاولة منهم لمجاراة العباسيين في ذات المسلك لجأ بعض الأمويين بعد سقوط دولتهم إلى جعل السفياني نافذة أمل لعودة الحكم الأموي، مع أن الفكرة السفيانية – في منشئها – بعيدة كل البعد عن الصراع الهاشمي الأموي؛ إذ هي فكرة اخترعها خالد بن يزيد بن معاوية في سياق الانشقاق السياسي الذي وقع في البيت الأموي بين فرعيه السفياني والمرواني، ومع ذلك فقد تم توظيف الفكرة السفيانية لاحقًا في الصراع الهاشمي الأموي، ليصبح السفياني أيقونة الأمل الموعود برجوع الحكم الأموي!
إن التتبع للسياقات والملابسات التاريخية التي تمخضت عنها الفكرة السفيانية يدفعنا إلى القول باطمئنان كبير: إن (السفيانية) كانت رجع الصدى لـ (المهدوية)، وأنها في نشأتها الأولى لم تنشأ إلا بوحي من الفكرة المهدوية.
وفي سياق المجاراة للفكرة المهدوية جرت عدة محاولات لاستعادة الحكم الأموي تحت الشعار السفياني، ومن تلك المحاولات: ثورة أبي الورد وأبي محمد السفياني سنة ١٣٢هـ، أيام الخليفة العباسي الأول أبي العباس السفاح، وثورة العباس بن محمد بن عبدالله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، الذي أعلن أنه السفياني سنة ١٣٣هـ، أيام الخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور، وثورة علي بن عبدالله بن خالد بن يزيد بن معاوية (أبو العميطر) سنة ١٩٥هـ الذي ادعى أنه السفياني وبايعه الناس بالخلافة في دمشق ومدن أخرى بالشام، أيام الخليفة المأمون، وكانت ثورته أخطر الثورات السفيانية وأشدها بأسًا، وثورة أبي حرب تميم اليماني سنة 266هـ الذي ادعى أنه السفياني في عهد الخليفة العباسي المعتصم، واستطاع أن يُكوّن جيشًا قويًا، وأن يقنع كثيرًا من الناس بدعواه، وقد خاضت الدولة العباسية معاركها مع الثورات السفيانية وتمكنت من اجهاضها واحدة تلو أخرى[2].
وتعريجنا هذا على الفكرة السفيانية في سياقها التاريخي وملابساتها الظرفية وتوظيفها في الصراع الهاشمي الأموي؛ الهدف منه أن يدرك القارئ وجوه الشبه بين الفكرتين: السفيانية والمهدوية نشأةً ومسارًا..
ويجب أن نلحظ هنا الفارق بين الدعوة المهدوية الهاشمية التي قامت على ادعاء الحق الإلهي في السلطة، واتخذت العمل السري وسيلة، وكانت مسنودة بالجماعات الشيعية، والخبرات التنظيمية الفارسية، ومتلوثة بالعقائد الباطنية الغنوصية، وبين الدعوة السفيانية الأموية التي كان اعتمادها على العناصر العربية، وكانت تفتقر إلى التنظيم والعمل السري، ولم تتلوث بالفكر الغنوصي الباطني.
والمقصود أن الفكرة المهدوية قابلتها الفكرة السفيانية، وإن كانت الفكرة السفيانية لم تُحط بهالة القداسة كما أحيطت الفكرة المهدوية؛ ذلك أن الفكرة المهدوية ارتبطت بأسطورة العشيرة المقدسة (آل البيت) وحقها الإلهي المزعوم في السلطة، بينما الفكرة السفيانية كانت وليدة التدافع والصراع السياسي، ولم تتلوث بدعاوى العصمة والتقديس والتأليه.
وعلى المستوى الروائي نجد أن المحدثين قطعوا ببطلان أحاديث السفياني، وأما المهدي فقد كان الاشتغال على تدعيمه بالروايات قويًا، فجاءت فيه روايات كثيرة، وقد اغتر بها من يغترون بكثرة الطرق الواهية، ويصححون الضعيف بالضعيف، وأما النقاد الناظرون في العلل الآخذون بمنهج قدامى المحدثين فلم يغتروا بها، بل قطعوا بضعفها، وأنه لم يصح في المهدي حديث صحيح صريح.

فكرة ولاّدة للفتن :
توقفت العجلة السفيانية عن الدوران، لأن الوقود المحرك لها كان ضعيفًا، وغير متجدد، وأما العجلة المهدوية فقد استمرت في الدوران ولم يعد بالإمكان إيقافها…
لقد كانت بداية الفكرة المهدوية في البيئة الشيعية، وفيها نشطت الادعاءات المهدوية في سياق المعارضة للدولة الأموية، ثم خفتت وتلاشت الادعاءات المهدوية في البيئة الشيعية مع ظهور نظرية جديدة ابتدعها كهنة التشيع الإمامي للخروج من المأزق المهدوي، وخلاصة النظرية أن المهدي الموعود هو شخص معلوم غائب يُنتظَر، وهو محمد بن الحسن العسكري، الإمام الثاني عشر، وإن كانت الدلائل تشير إلى أن هذه الشخصية وهمية لم تولد أصلاً، لكن الشيعة الإمامية اعتقدوا وجوده، وأنه غاب غيبتان: الغيبة الصغرى سنة ٢٦١هـ، والغيبة الكبرى سنة ٣٢٩هـ، ولا زالوا ينتظرون خروجه منذ ذلك الوقت، وإذا ذكروه في كتبهم قالوا: (عج)؛ أي عجل الله فرجه ومخرجه!
وعقيدة الغيبة هذه التي صارت مثار تندر وسخرية من المنتقدين للديانة الشيعية الإثني عشرية، هي في الواقع فكرة ذكية ابتدعها كهنة الديانة لكي يستمروا في جباية الأموال من الشيعة؛ إذ بفضلها استمرت جباية الأموال من الشيعة إلى نواب الإمام المهدي المزعومين! كما أغلقت هذه العقيدة الباب في وجه الادعاءات المهدوية وما قد تجلبه من انشقاقات وفتن داخل الصف الشيعي.
لقد وضعت عقيدة الغيبة حدًا للادعاءات المهدوية، وألغتها عمليًا في أوساط الشيعة الإمامية؛ إذ من خلال الصفات والمهام والمعجزات الأسطورية التي ألصقت بشخصية المهدي المنتظر، أصبح من المستحيل لأي فرد أن يدعي المهدوية!
والمفارقة هنا أن البيئة السنية التي لم تعرف الادعاءات المهدوية في العصور الأولى – يوم أن كانت نشطة وفاعلة في البيئة الشيعية – ظهرت فيها الادعاءات المهدوية بقوة بعد أن خفتت وتلاشت في الأوساط الشيعية، حتى لا يكاد يخلو عصر من أدعياء للمهدوية بين أهل السنة!
والسبب في ذلك أن باب المهدوية هو باب رخو ومفتوح على مصراعيه لدى أهل السنة، ومواصفات المهدي سهلة وفي إطار الممكن؛ إذ يكفي أن يكون الشخص اسمه محمد بن عبدالله (يواطئ اسمه اسمي) وأن يدعي نسبا علويًا فاطميًا، وأن الله أصلحه في ليلة، وأن يكون أجلى الجبهة، أقنى الأنف، وليس وراء ذلك صفاتٍ فوقَ بشرية، أو معجزاتٍ أسطورية يتوجب عليه إظهارها كما هو الحال في مهدي الشيعة الإمامية!
وليس مقصودنا هنا تتبع الحركات المهدوية والإتيان على ذكرها كلها، فذلك أمر يطول بيانه، وإنما المقصود التنبيه على ذلك الاقتران بين فكرة العشيرة المقدسة، وفكرة المهدي المنتظر، وما نتج عن ذلك الاقتران في واقع الأمة قديمًا وحديثًا من الفتن الجسيمة والاضطرابات العظيمة، والمهالك الوخيمة.
ولعله قد صار واضحًا لدى القارئ أن ذلك الاقتران بين أسطورة العشيرة المقدسة والفكرة المهدوية قد تجاوز – في أبعاده الفكرية وتجلياته الواقعية – الدائرة الشيعية وخرج عنها إلى أهل السنة، ليعكس حالة خطيرة من الاختراق الفكري، أنتجت فتنًا كثيرة، ومن آخرها فتنة مهدي جهيمان سنة ١٤٠٠هـ/١٩٧٩م، وهي فتنة شهيرة، سفكت فيها الدماء المعصومة وهتكت بسببها الحرمات المصونة، في أقدس البقاع وأشرف الأمكنة، في البلد الحرام، وفي بيت الله الحرام، وفي شهر الله الحرام.
والمسكوت عنه في فتنة جهيمان أنها خرجت من ذات الرؤية والمنبع الشيعي، وإن كانت بثوب سني سلفي!
لقد قامت فتنة جهيمان على أفكار شيعية صميمة، اخترقت المجال السني عبر الروايات المحبوكة والأفكار العنصرية المموهة المسبوكة، فقامت الفتنة الجهيمانية على مقولتين من مقولات التشيع السياسي والفكري: أولاهما: قرشية الخلافة، وثانيهما: المهدوية.
وقد سبق معنا تفنيد ونسف نظرية قرشية الخلافة بما لا مزيد عليه، وفي الحلقة القادمة سوف نسلط الضوء – إن شاء الله – على الفتنة المهدوية التي تولى كبرها جهيمان بن محمد بن سيف الضان العتيبي (ت١٤٠٠هـ/١٩٧٩م)، وبما يوضح ارتباطها الوثيق بأسطورة العشيرة المقدسة وما تفرع عنها من أفكار وتصورات لم تعد مقتصرة على الدوائر الشيعية، بل صارت وباءً عامًا في أمة الإسلام.
في حديثنا القادم – بمشيئة الله ومعونته- سيرى القارئ أن المشكلة لم تكن في جهيمان وجماعته: (الجماعة السلفية المحتسبة) كما حاولت الكتابات المنتصبة للدفاع عن الفكرة المهدوية تصوير واختزال المسألة! وأن فتنة جهيمان لم تكن فلتة الأيام، ووحيدة الدهر، ولكنها جاءت حلقة في سلسلة متصلة من الفتن المتولدة عن أسطورة العشيرة المقدسة وسليلها المهدي المنتظر.
[1] عبدالعليم البستوي: المهدي المنتظر، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، ط1، 1420هـ/1999م، (ص212).
[2] ينظر: محمد عبدالحفيظ المناصير: الجيش في العصر العباسي الأول، دار مجدلاوي، الأردن، عمّان، ط1، 1420هـ/2000م، (ص487- 491).
