
شيّعته وراء الباب بقلبٍ وجلٍّ وكفٍّ ضارعة، ودفعته إلى الجهاد بأملٍ وليدٍ وثقةٍ رشيدة، لتلقاه بعد حين محمولًا على الأكتاف، في زهرة الشباب ويناعة الأتراب وربيع العمر وميعة الصبا والعنفوان، وأنغام نسيم الصبح تترقرق آسرةً مع بزوغ خيوط الفجر الأولى، وأسارير بهجة القلب تنبسط صافيةً، وجنان روض الفؤاد تزهر إشراقًا… فارقته يومها في عين بزوغ تلك اللحظة، وودّعته يومها بصبرٍ ملفّعٍ بالإيمان، مصحوبٍ باليقين، محلّى بالرضا، ومنارٍ بالهدى؛ لا تقعده أزمة، ولا تثنيه صبوة.
ها هي ذي تسير في جنازته بعزةٍ وإباءٍ ظاهرين، في أول أيام الهدنة من شهر يناير، شامخةً بخطواتٍ تتناثر معها مشيتها المخبتة لله، وتنسكب عبارات الحمد قطرًا وعسلًا، خشوعًا من كلماتها الناغمة الطرية بالاحتساب، فتُشَمّ فيحاء طلائع النصر وبواشر الفتح منها ساطعةً في موكبٍ مهيب.
تزف ابنها الشهيد مُهنّدًا – الشاب الذي عدّت أحلامه للتوّ العشرين ميسمًا – في سُلَّم المرتقين، مكبّرةً مهلّلةً، ثم تتبعه بزغرودةٍ متهدّجة، لتقيم له عرسًا في الفجر الصادق… بدموعٍ مختلطةٍ بين ألم أمٍّ مكلومة وفرحة شهادةٍ مرجوّة، يتقد صدرها جمرًا ولهيبًا مستعرًا لن ينفك عنها فطرةً؛ فهي في الأخير مجبولة على أحاسيس الأمومة الصادقة. أمٌّ تخنقها عبراتها، ويؤلمها ما قد يؤلم قلب كل أمٍّ رؤوم. تسلو عليها جارتها أمّ عماد: «عريس والله يا يمّه، عريس بكفي زعاق». بكت، ثم تلت برجاء: «عزائي أني باحتسب الأجر عند ربنا اللي ودّعني أمانة الولد، الله يرحمه».
خلجاتها، وإن بدت متماسكةً برباطة جأشٍ تُحسد عليها، وتحملت صبرًا كصبر أيوب، وأبدت جلدًا محكمًا، إلا أنها تداري وجعًا ناخِرًا يعتصر فؤادها ألمًا، ويتدثّر بإرغامٍ تحت وطأة إصرارها وثباتها…
يثب خاطرٌ مفاجئ إليها، بل خواطرُ وتباريحُ توتّر المشهد… تسقط فزعًا، ثم يجتذبها الإيمان لئلا تنحني للصنم، ولئلا تسقط في جرف الوهن، فتسندها أمّ عمارة لتقف مرةً أخرى.
فلو أنها أرخت طرفها واستسلمت، فمن يعيل الأبناء؟ ومن يكون الأب والأم والأخ في آنٍ واحد؟ ومن يعدّ جهاد الأبطال وبناء الفطاحل من بعدها؟
فما كان لمثلها أن تُضام أو ترتد عن المرام، أو يتلوّن جانبها بالتقصير، أو تؤثر هوى النفس على لواء الواجب ونداء الحق؛ استجابت له، فاستحقت وسمًا وسموًّا.
كانت تعلم قطعًا وجزمًا أنها مطالبة بالجهاد، مطالبةً بالسبب، وليست معنيةً بالنتاج، والله كفيلٌ لها بالنصر، وذاك وعده وصدق، وقوله الحق الذي لا تفوت الشبهة بساحته، ولا يحوم الشك بحماه!
وثوب العزّ يُغزل في غزة؛ هنالك حيث المرأة المسلمة المجاهدة تسقي أبناءها برد اليقين، وترتل الأنفال، وتسرج الخيل، وتبري ظبي الحسام، وتشحذ أُسُنّة الرماح…
من هي يا ترى؟ من هي؟ أهي المرأة التي جرت بهوسٍ وراء أحدث الإصدارات، أم هي التي لهثت بغباوةٍ تباعًا وراء كل الموضات والموديلات؟ هل هي التي تفاخرت في وضاعةٍ بأجمل الحلاقات، وتغنّت في سماجةٍ وصفاقةٍ بأحلى الإطلالات وأجود الماركات؟ أم هي التي رقصت على أعتاب خلاعةٍ وفسوق، أم على أوتار مجونٍ وبوادر جنون؟ كلا والله…
أيم الله، لو فعلت لهلكت وأهلكت، وطال بها الفساد أجيالًا مديدةً ستتعفّر بغبار فسادها، كأمثالها ممن جرّهن السراب. ولكن… هي التي لم تُسرف، ولم تبدّد وقتها الدُّرَّ الثمين في آخر صيحةٍ أو أنجع غواية، وغيرها مما تفتّقت عنه عبقرية الشيطان وسايرته غفلة الإنسان. بل هي الأم التي ألمعت روحها إخلاصًا وهمةً، فتفنّنت في صنع الرجال، وأبدعت في بناء الأبطال، وأجادت في تشييد الفطاحل. هي الخنساء التي غرست في كل ابنٍ فكرًا مقاومًا، فأنتج عملًا مركزًا، وأزهر تاريخًا مجيدًا. أقامت حافظًا لكتاب الله، حافظًا لحدوده، فما رضي الدنية لدينه وعرضه أن تمسهما وتقربهما يدٌ سافلةٌ نعراء، فكان من النخب ومن كتائب العز والشرف!
فوربي ليقمرنّ جيلًا ممكنًا إن وافق السنن وجاوز المحن، بدءًا من الرضعات التي ارتوى منها؛ تحمل في صفائها ونقاوة معدنها جزيئات الجيم والهاء والألف والدال مرتبةً، وصولًا إلى تحقيق المنظومة العمرانية الحضارية القائمة على مشاريع الشهادة. هو جلدٌ يستلزم أناةً وطول نفس، فكانت لها… فهي التي ترفعت عن لهوٍ تنزّه عنه الأطفال والأبرياء، ومارسه الجهال وخاضه السفهاء. هي التي لم تنبهر – حتى كادت أن تنبثق البؤرة السوداء من مقلتيها، وتجحظ العيون من محجريها، وتفغر فاها حتى ليسع قدحًا – في ولعٍ وهلعٍ بأزيف الحضارات، حضارة المصالح الفردانية والاستهلاك المحض لتحقيق الوجود. وأبخسْ به من وجودٍ إذا كان موحلًا بالعبث واللامعنى! هي التي لم تنلها لوثة الحداثة وجرثومة العصرنة التي تثخن سيولةً وميوعةً غير قابلتين للاحتواء، كلما لقيت مستهلكًا وتابعًا جديدًا نائيًا ناعرًا، وثروةً من العقول الساربة المغتربة، دعته بإغواءٍ لا يسلم منه مستعفٌّ، فكيف بالواله العميان؟ بإيجاز، هي التي لم تشترِ الرخيص بالغالي.
ثم يأتي ذاك المتعجرف الوضيع الخَرِف بتهديدٍ ساذجٍ لا يصلح حتى لأصغر صبيٍّ غزّاويٍّ ولا يستقيم معه، مع من كان ديدنه تطلّب المعالي، وارتياد المراقي، وركوب العزائم؛ مع من تشرّب قلبه الإيمان، واغترف من معين اليقين، وأسبغت روحه الجهاد، ليقول ذاك السافل في غباءٍ متناهٍ: «لتعلم كل أم شارك ابنها في 7 أكتوبر أن دمه مهدور». سحقًا لما تفوّه به لسانه العكر!
هو لا يعلم أن السابع من أكتوبر موكب الطوفان وفاروق الفرقان، صانع المجد وباعث الفخر ومورد العز. شاركت فيه أمهاتٌ نجدات، وستشارك فيه جذواتٌ باسقات إن أثمر غرس الأمة وأينع ونضج بسقيا غيث طوفان الأقصى، لتظهر بواكيره شامخةً باسقةً، وإن كانت بادئ ذي بدءٍ على استحياء. هو لا يدرك أنه بتهديده السمج هذا يشدّ في كل أمةٍ جذوة الصمود، ويضرم زحرة الإصرار، ويعزز شعلة الإيمان وذَكْوة اليقين. بل هو بذلك يشد أزرها أكثر، ويثبت عزيمتها أنجع، ويجدّد عهدها أضبط. فلا حرمك الله من لقاء أمثال تلك الأمهات العظيمات، التي يتندّر التاريخ بمثلهن خجلًا، وتتوارى الشمس من أنوارهن تواضعًا، لنيل رصاصةٍ من يد أبنائها الشريفة السخية بفتك الأعداء، عربون التصديق على الكذب والتمويه والمداهنة التي طالت فاك! وهي راحةٌ لكم على الأكثر في قطاع غزة، الذي ألقم قلوبكم الوجل، فأكلها الخوف والرعداء مذاقًا وطعمًا سائغًا. طابت والله! رصاصةٌ تقتلع لسان السليط الوقح الذي شوهد من بعيدٍ إيناعه، وقد حان قطافه لك ولأمثالك من الرعناء، ولمن يتجرأ لسانه على ذكر الأبطال بسوء. فقُئَت أعينكم إن شاء الله.
فها هي الأم التي تحاول إذابة عزيمتها وكسر شوكتها وتبديد جهادها ونضالها، والتي جعلت نصب العين استحضارًا واهتمامًا وتوثيقًا لذروة سنام الإسلام، الجهاد، وأعظم بها من غايةٍ في زمنٍ غاب فيه وعزّ، حتى حسبه البعض وعدّه رمزًا تاريخيًا أسفر عنه الماضي السحيق لانفتاح الإسلام، أو حصره في بوتقةٍ محدودةٍ من الأسباب والمفاهيم. ويا أسفاه! فها هي لا تزال على عهدها الذي تخشونه أكثر؛ لأنه ينبئ عن اندثاركم وزوالكم بعون الله.
ها هي ذي تجعل على عاتقها القيام بأعظم صناعةٍ وأوكدها، ألا وهي صناعة الإنسان التي لا تضاهيها صناعةٌ في الوجود، قائمةً عاكفةً باسلةً باستماتةٍ بما عمد إليه الوحي بادئًا به في العهد المكي من إصلاحٍ للنفس، وبناء الإنسان، وتزكية القلب؛ ليكون أهلًا ومدادًا للخلفيات العقائدية والمنظومات الفكرية، أن تحذو حذوها وتنتهج أصلحها. فبعد أن أدركت، لم تتوانَ، ولم تقصّر، ولم تنتكس، وهي تعي بالتعهّد نبضَ التغيير وقلبَه. هي التي لولاها ما كان أبو عبيدة لائحًا من بعيدٍ يصارع الأعداء ويقارع الجبناء، ولولاها ما كان جيل صلاح الدين الذي يفقه صبيانه رؤيته ورسالته قبل اللعب والترويح، ويسير وفقها شبابه تأسيسًا وبناءً قبل السوق والرغيف. فأنّى لهذا الجيل من سعال، وأنّى له من زوال؟ ألا لا فناء لثائرٍ تشبّعت روحه أنوار القرآن وحيًا، وأسباب الجهاد واقعًا!
وقد رأينا وشهدنا لهذا أثرًا جامحًا في غزة العزة والإباء. فبقدر ما يكون الارتباط وثيقًا بمرجعية الوحي، بقدر ما يكون الغراس مثمرًا. فمتى ما جُمع بين القرآن والجهاد، اللذين تربط بينهما وتجمعهما علاقةٌ تكامليةٌ تعاضدية، تحقق المرجو والمأمول، وبلغ الأمر عنانه. وأما إن غاب أحدهما أو مسته شائبةٌ أو نقص عن المستوى المطلوب، اختل ميزان المعادلة، وغاب قانون التمكين، وانزوى تحت ظلمات التبديد وجهالات التنديد والأماني التي يمليها حزب الشر وأعوانه من هواة التضليل على قدمٍ وساق. ولن يتحقق للمسلمين نصرٌ ولا تمكينٌ إلا إذا حمل الواحد منهم القرآن في صدره منهجًا، لقوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78]، والسلاح في يده مسلكًا، لقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]؛ أي استنفاد أقصى الطاقات في سبيل دحر العدوان وردعه. وقتئذٍ يتسنّى له بلوغ ما يصبو إليه.
وعلى أعقاب ذلك وذاك، فإن الأم التي تحاور وتتواصل مع ابنها على أساس تصورٍ كونيٍّ وخلفيةٍ رؤيويةٍ مستقبلية، وفق منهجٍ سليم، آملةً فيه طموحًا وإسهابًا وإنتاجًا وتفاعلًا وارتيادًا في أوساطه الكلية وواقعه الرسالي، هي أمٌّ مبدعةٌ بنّاءة، تسعى وتهدف إلى أن تحيي روحًا، وتبني فكرًا، وتنتج إنسانًا حافظًا، منسجمًا مع محيطه الاجتماعي، مهتمًا بقضايا أمته الحضارية، حاملًا آلامها وآمالها. هي أمٌّ تطلق شارة النصر، وهنا يبدأ الجهاد لينفجر الطوفان، ويحدث التغيير، ويقلب الطاولة على محتسيها الخانئين المتخاذلين المرجفين… وإنه لجهاد!
فهل وعت أصداء أسرنا وهياكل مجتمعنا وقلوب أمهاتنا الدور الأصيل الغائب المتواري خلف الجهل، وخلف الشتات، وخلف نسيم الهوى، وخلف زفرات التضييع؟ وهناك ألف ألف زوبعة غضضنا الطرف عنها، ولم تهزّ قيد أنملةٍ بصيرة اليقظة فينا، ولم تلسع ذكراها خواطرنا، فكيف بالقلب؟ فهلّا وعينا، أو فهلّا تفقدنا قلوبنا؟!