
مقدِّمة:
ترتبط الحروب في الذاكرة الإنسانية بصليل السيوف، ودوي المدافع، غير أنَّ هناك سلاحًا آخر لا يقلُّ تأثيرًا عن السيف والمدفع، سلاحًا يخترق وعي المقاتل ويهزُّ وجدانه ويحفِّز جسده، ألا وهو الشعر والإيقاع بالطبول أو الأبواق أو غيرها، فقد رافق هذا السلاح الجيوش منذ فجر التاريخ، فلم تكن الطبول والأبواق، ولا قصائد الهجاء والفخر، ولا صيحات الارتجاز، مجرَّد أدوات ترفيه أو تسلية هامشية، بل كانت حاضرة بقوَّة في صياغة نفسيَّة المقاتل، وبثِّ الحميَّة والشجاعة في نفوس الجنود، وترسيخ قيم الولاء والفداء في أوساط الجيش، في أحلك ظروف المواجهة.
وقد مثَّل الشعر -في سياق المعارك الحربية، قديمًا وحديثًا- وسيلة إعلامية ودعائية فائقة القوَّة، فللكلمة المنظومة على بحور الشعر الحماسية قدرة عجيبة على استثارة مكامن القوَّة والطاقة في الإنسان، والإنسان بطبعه يتهيَّب مواطن الموت، ويخاف مِن صليل السيوف ومنظر الأشلاء والدماء، ويهن أمام مصرع الأصحاب وأنَّات المصابين مِنهم؛ فيأت الشعر ليكسر هالة الخوف ويهوِّن مِن هيبة الموت ويسلِّي خاطره تجاه مصارع الأصحاب ومصابهم، فيتحوَّل الموت مِن طالب إلى مطلوب، ومِن شبح مهاب إلى أمنية محبوبة، ليعيش بعدها المقاتل على ذكرى الفخر بالبطولة والانتصار.
لقد كان الشعر يصبُّ في سمع المقاتل ذكرى أمجاد أجداده، وبطولات قبيلته، وطهارة أرضه، وخطورة عرضه، فيستيقظ فيه الفخر والكبرياء، وتنفخ فيه روح النضال والاستبسال، فيرفض الهزيمة ويأبى الانكسار، لأنَّ الانكسار أمام العدو سيكون مسبَّة أبد الدهر، وعارًا لا تغسله الأيَّام.
كما كان الشعر يقذف معسكر الأعداء بالإهانات والمسبَّات واستذكار مضيهم الهزيل وهزائمهم النكراء، متوعِّدًا إيَّاهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، ذلك أنَّه لن يخرج مِن المعركة سالمـًا بل بهزيمة نكراء، وقتلى ومصابين وأسرى وسبايا وغنائم، فيُضعِفُ الشعر معنويَّاتهم، ويُشكِّكهم في قدراتهم، ويبثُّ الرعب في نفوسهم، وهو ما يعدُّ شكلًا مبكِّرًا مِن أشكال “الحرب النفسية” و”الدعاية المضادَّة” في الزمن الأوَّل.
ثمَّ تأتي إيقاعات الطبول والأبواق لتساهم بدورها في خلق أجواء الحماسة هنا وأجواء الرعب هناك. واستخدام أدوات المعازف في الحرب لم تأت مِن فراغ، بل نتيجة تجربة وخبرة إنسانية تراكمت لدى عموم شعوب الأرض، فهي عادة إنسانية مشتركة. ولم يكن المقصود مِنها عند اصطحابها مع الجيوش الطرب، بل كانت وسيلة مِن وسائل إذهاب الملل وكسر الإرهاق وتحفيز الأجسام.
وقد رأينا كيف أنَّ سيرة النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- كانت حافلة بهذه الوسائل والأساليب دون بحث متكلَّف عن أحكامها ودوافعها ومقاصدها، كونها أمور عادية معروفة بالعادة والخبرة والتجربة. فقد ارتجز النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم، وارتجز أصحابه، وكان له في مسيره هو وأصحابه حداة يحدون لهم في السفر. وكان له شعراء يمدحونه وأصحابه ويهجون أعداءه ويذمُّونهم؛ ومِنهم حسَّان بن ثابت -رضي الله عنه، حتَّى أنَّه قال له -عليه الصلاة والسلام- وهو يحفِّز على هجاء قريش: (اهجهم وجبريل معك)[1]، ما يشير إلى أيِّ مدى بلغت مكانة الهجاء والشعر في وقت المعارك حدَّ أنَّ جبريل -عليه السلام- يصطفُّ مع الشاعر. وربَّما جاء مِن نساء المسلمين مَن تضرب الدفَّ بين يديه بعد عودته سالمـًا غانمًا إلى المدينة[2].
وقد أثبت الشرع والعقل والعلم والحسُّ أنَّ للإيقاع أثر على الإنسان وحالته النفسية والجسدية، إيجابًا وسلبًا، حدَّ أنَّ هذا الإيقاع يؤثِّر في ضربات القلب وابتهاج النفس أو نشاطها أو حزنها أو فرحها، بل ربَّما رفع درجة الاستعداد البدني وزاد مِن حركته وطاقته، وربَّما قلَّل مِن الشعور بالألم والتعب، واستدعى حالة ذهنية مشدودة مستفزَّة ومستنفرة. والإنسان الطبيعي يجد هذا مِن نفسه.
وربَّما تحوَّل الإيقاع مع صخب المعركة، بين صليل السيوف وصهيل الخيول، إلى أداة توجيه للمقاتلين عبر الإيقاع في ظلِّ غياب التواصل اللفظي بين القادة والجنود، فيتحوَّل الإيقاع إلى شفرة صوتية وإشارات حربية، حسب النغمة. وقد كانت العرب -وهي قليلة الاهتمام بأدوات المعازف- تعتمد على الأداء الشعري، فجعلت الارتجاز -وهو إنشاد قصير التفعيلة سريع الإيقاع- للمعارك، والحداء -وهو إنشاد طويل التفعيلة بطيء الإيقاع- للسفر، والنشيد للمناسبات الدينية والاجتماعية. فالرجز -بقصر تفعيلاته وسرعة إيقاعه- يتوافق مع حركات الكرِّ والفرِّ، والضرب والطعان، والاستعراض. وكان مِن الرجز، ما قاله النبيُّ -عليه الصلاة والسلام، في غزوة حنين: (أنا النبيُّ لا كذب.. أنا ابن عبد المطَّلب)[3]، وما قاله عليٌّ -رضي الله عنه، في بدر: “أنا الذي سمَّتني أمِّي حيدرة، كلَيثِ غابات كَريهِ المنظرة، أوفيهمُ بالصَّاعِ كَيلَ السَّندَرَة”[4]. وأمَّا الحداء -بطول تفعيلاته وبُطءِ إيقاعه- يتوافق مع طول المسير ومشقَّة السفر وحضور الملل، حين ينتقل الجيش عبر الصحاري والقفار، وهو ما يستنزف طاقة الجنود ودوابهم قبل اللقاء الحاسم، فيأتي الحداء لتنشيط الخيول والجمال فتسرِّع حركتها، ويمدُّ المقاتلين بطاقة نفسية تنسيهم الظمأ والجوع والتعب، فيصل الجيش إلى ساحة المعركة، وهو بكامل نشاطه البدني وطاقته المعنوية.
وعندما يرتجز الجنود والمعسكر بأكمله، بصوت واحد وإيقاع واحد، تنصهر الهويَّات الفردية للجنود داخل بوتقة الهويَّة الجماعية للجيش، بما تتضمَّنه مِن رسائل عقدية وقيم أخلاقية وأمجاد تاريخية ومفاخر اجتماعية وحوافز انتقام ودوافع قتال؛ فيذوبَ الفردُ مع المجموع، فيتشجَّعُ الجبان ويستقينُ المتشكِّك ويَعزِمُ المتردِّد ويَستَنفرُ المتقاعس، ويتحوَّلَ المعسكر إلى بركان يغلي يصبُّ حممه على الأعداء نارًا وجحيمًا.
ودراسة تأثير فنون الشعر والإيقاع على الفرد والمجموع، في معسكرات الجيش، أثناء المعارك والحروب، يفتح آفاقًا لوعي صحيح وفقه سليم لمـَن يُفتي ويتحدَّث في أحكام هذه المسائل في هذه الظروف التي تمرُّ به اليمن مِن مواجهات مسلَّحة وحرب ضروس. فالحروب لم تحسم فقط بالحديد والنار وحدهما، بل حُسمت أوَّلًا في أعماق النفوس، حيث تحضر الكلمة، ويشكِّل الشعر الوجدان، ويشعل الإيقاع الطاقة، جنبًا بجنب مع القيادة الراشدة والخطَّة المحكمة والإعداد الشامل والإيمان الراسخ.
استخدام شعوب الأرض للطبول والأبواق في الحرب:
شهد التاريخ العسكري -في عصور ما قبل الإسلام- تحوُّلات جوهرية في منهجية إدارة المعارك وتوجيه الجيوش، فلم تعد إدارة الجيوش تقتصر على العدد والعتاد والمهارات البدنية والخطط العسكرية، بل باتت تنتج منظومة متكاملة مِن الأساليب والطرق المؤثِّرة على البعد النفسي، على المستوى الروحي والعقلي والعاطفي، كي تعوِّض تارة النقص أو القصور أو عدالة القضية أو صلابة الإيمان. وهنا يأتي دور الشعراء أرباب الكلمة، والعازفين أرباب الإيقاع، بحيث تجاوزت وظائفهم الترفيهية التقليدية لتصبح جزءًا لا يتجزَّأ مِن الإعداد الحربي.
وسوف نستعرض ظاهرة اصطحاب الشعراء والعازفين مع الجيش أثناء الحرب لدى الأمم المختلفة قبل الإسلام، وأهمَّها: العرب، والفرس، والروم، والحبش، والقبط، والترك.
لقد كانت الحرب في المجتمع العربي القبلي قبل الإسلام ظاهرة اجتماعية وسياسية بارزة، وقد اعتمد العرب فيها بشكل أساسي على الدفوف، والطبول (المزاهر)، مقترنة بأشعار الحماسة وأغاني الرجز. وكانت العادة الجارية عند العرب أن تخرج النساء خلف صفوف المقاتلين، يضربن بالدفوف والطبول لتحريض الرجال على القتال. ومِن أشهر الشواهد التاريخية على هذه العادة العربية ما حدث في معركة أحد، حيث قادت هند بنت عتبة نساء قريش وهنَّ يضربن بالدفوف خلف الجيش يردِّدن الأبيات الشهيرة:
إن تُقبِلُوا نُعَانِق
ونَفرِشُ النَّمَارِق
أو تُدبِرُوا نُفَارِق
فِرَاقَ غَيرِ وَامِق
ويذكر المؤرِّخون أنَّ ضرب الدفِّ والطبول في هذا السياق كان بمثابة وسيلة إيقاعية لضبط مسير الجيش وبثِّ الحماسة، وتذكير المقاتلين بأنَّ العرض والشرف ورائهم. كما عرف العرب الجاهليون البوق واستخدموه للإشعار بالحرب أو لجمع الحي. وقد ورد في كتب التاريخ أنَّ البوق كان يستخدم كوسيلة نداء لجمع المقاتلين عندما يداهم القبيلة غزو مفاجئ، فكان صوته المرتفع إشارة للنفير العام.
وقد وثَّق القرآن الكريم ومرويَّات السيرة حالة الاستعلاء العسكري القرشي المصحوب بالمعازف والقينات في معركة بدر، حيث يقول تعالى: ((ولَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ))[5]. وفي تفصيل هذا الخروج، ينقل ابن هشام، في السيرة النبوية، عن التقاليد الجاهلية، أنَّ أبا جهل أصرَّ على الذهاب إلى آبار بدر، وقال: والله لا نرجعُ حتَّى نرد بدرًا، فنقيم عليها ثلاثًا، ننحر الجُزر، ونطعم الطعام، ونُسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب بمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا بعدها أبدًا. وهذا يوضِّح أنَّ العرب كانت تعرف العزف وتستصحبه في القتال، كأداة لإظهار القوَّة والهيبة، أو لأغراض أخرى.
وكان الجيش الساساني جيشًا عظيمًا شديد التنظيم، وكان للطبول الحربية الكبيرة مكانة فيه، وقد أطلق الفرس على الطبول الحربية أسماء مُتعدِّدة، مِنها (الكوس) و(التَّبِير). وتشير المصادر التاريخية، الفارسية القديمة، إلى أنَّ الفرس كانوا يصطحبون في مقدِّمة جيوشهم طبولًا ضخمة جدًّا، تُحمل على الجمال أو الفيلة، وكان ضربها يؤدِّي إلى إحداث دويٍّ هائل يهزُّ أرض المعركة، ويملأ قلوب الأعداء رعبًا. كما كانت تستخدم الطبول في الجيش الساساني كوسيلة اتِّصال حربية معقَّدة، لضبط التشكيلات وتوجيه حركتها، كما أنَّ نفخ الأبواق الطويلة كان مؤذنًا بإطلاق المعركة وتقدُّم الفيلة والفرسان.
وقد عاين المسلمون هذه الأدوات في معارك القادسية والمدائن، حيث وصف الإخباريون كيف كان الفرس يضربون طبولهم العظيمة فتحدث صخبًا يربك خيول العرب التي لم تكن معتادة على تلك الأصوات الضخمة المترافقة مع هجمات الفيلة.
ولم يكن الجيش الروماني والبيزنطي بأقل شأنًا مِن الجيش الساساني الفارسي في تقنين استخدام الطبول والأبواق، فقد وضع الرومان نظامًا صارمًا يعتمد على أربعة أنواع مِن أدوات النفخ النحاسية والقرنية، وكان لكلِّ أداة وظيفة محدَّدة داخل المعركة؛ فبوق التوبا البورنزي الطويل يُستخدم لإعطاء إشارات الهجوم والانسحاب العام لجنود المشاة، وبوق الكورنو البرونزي المنحني يُستخدم لنقل الأوامر مِن القادة إلى حاملي الرايات لتغيير اتِّجاهات الصفوف، وبوق البوتشِنا يُستخدم داخل المعسكرات للإعلان عن تغيير نوبات الحراسة وإيقاظ الجنود، وبوق اللِيتووس النحاسي الطويل مخصَّص للإشارات الخاصَّة بسلاح الفرسان الروماني نظرًا لحدَّة صوته المسموع وسط صهيل الخيل. وكان الجنود الرومان يخضعون لدورات تدريبية للتمييز بين النغمات والإيقاعات المختلفة الصادرة عن الأبواق، ما جعل الإيقاعات الحربية بمثابة “شفرة لاسلكية” لإدارة المعركة وسط الدخان والغبار.
وامتلكت مملكة أكسوم (الحبشة) إرثًا عسكريًّا وتعبويًّا كبيرًا بحكم سيطرتها على طرق التجارة البحرية والبرِّية، واحتكاكها بالفرس والروم، إذ تميَّز الأحباش في حروبهم باستخدام الطبول الكبيرة الدائرية المصنوعة مِن فروع الأشجار والجلود السميكة، والأبواق العاجية المستخرجة مِن أنياب الفيلة. وكانت حركة الجيش الحبشي تعتمد على التناغم الإيقاعي الجماعي، فعندما يتقدَّم يبدأ عازفو الطبول في الصفوف الخلفية أو على ظهر الفيلة بضرب الطبول بإيقاعات سريعة ومتسارعة. وتذكر المصادر التاريخية العربية واليمنية القديمة أنَّ حملة أبرهة الأشرم الحبشي لتدمير الكعبة -عام الفيل- كانت تضمُّ في طليعتها فيلة ضخمة، وكانت تصاحبها الطبول وصنوج النحاس وأبواق النفخ. وكانت هذه الأدوات تستخدم لترويض الفيلة وتوجيهها، إذ كانت الفيلة تسير بناءً على نغمات معيَّنة وتثور عند ضرب الطبول بقوَّة لتهجم على تحصينات الأعداء.
وقد أظهرت النقوش الجدارية في معابد الأقصر والكرنك، والآثار القبطية اللاحقة، أنَّ الإيقاعات العسكرية كانت جزءًا بنيويًّا مِن العقيدة القتالية في وادي النيل. وتعدُّ الأبواق الفضيَّة والنحاسيَّة التي عُثر عليها في مقبرة الملك (توت عنخ آمون) دليلًا قاطعًا على استخدام آلات الإيقاع في الحروب. وكان ينظر إلى صوت البوق الحربي في العقيدة المصرية القديمة على أنَّه صوت “الإله” الذي يُعلن النصر، ويزلزل الأرض تحت أقدام الأعداء. وقد استخدم أقباط مصر الأبواق والطبول لتنظيم الخطوط العسكرية المتعدِّدة والمتنوِّعة.
ولا تختلف القبائل التركية القديمة، كالخزر، والغوكتورك، والأويغور، عن بقية الأمم والشعوب في هذا الشأن، فهي كانت تعتمد على حياة الفروسية والترحال والغزو، وهذا انعكس على تقاليدها التي تميَّزت بالسرعة والمباغتة. ويُعتبر الترك القدامى مِن أوائل الأمم التي أسَّست ما يمكن تسميته بـ”الفرقة الموسيقية العسكرية المتجوِّلة” على ظهر الخيل. واستخدموا الطبول الكبيرة والطبول المعلَّقة على السروج، وأبواق القرن (البوريو) التي استخدمت أصواتها كإشارات تكتيكية للمناورة في السهول البرِّية الفسيحة التي يضيع فيها صوت الفرد.
ونخلص ممَّا سبق أنَّ الأمم القديمة كانت تصطحب معها الطبول والأبواق إلى أرض المعركة لأغراض عسكرية متعدِّدة، وهذا بالطبع نتاج تجربة وملاحظة وخبرة وتوظيف جيِّد لهذه الأدوات كوسائل اتِّصال وأصوات مشفَّرة يبلغ مداها أقصى ممَّا يبلغه صوت الإنسان العادي. وقد نجحت هذه الأمم، كلٌّ حسب بيئته وتقاليده وثقافته العسكرية، في تحويل الطبول والأبواق إلى أسلحة رديفة في المعركة، قادرة على التأثير في الأفراد والجيش ونفسيَّات المقاتلين ونفسيَّات الأعداء.

أدوات التحفيز والحرب النفسية في العهد النبوي:
تحوَّلت الحرب في شبه الجزيرة العربية بعد البعثة النبوية مِن مجرَّد صدام عسكري بالسيوف والرماح، لأغراض خاصَّة أو تنافس على النفوذ والمصالح، إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية، تؤدِّي فيها الكلمة رسالة عظيمة. وقد ورث المجتمع الإسلامي الأوَّل، المكوَّن مِن المهاجرين والأنصار، تقاليد العرب القديمة، في فنون الحرب والقتال، فلم يأت الوحي ليبطل هذه التقاليد والفنون العسكرية، بل ليوجٍّهها الوجهة الرسالية الصحيحة. ومِن ثمَّ كان الجيش الإسلامي يستخدم ذات الأدوات القتالية، والفنون القتالية، والخطط العسكرية، وربَّما وسَّع خبرته مِن خلال الإفادة مِن أدوات غير العرب، وفنونهم، وخططهم (كما حصل في معركة الأحزاب). وقد شرع الإسلام في الحرب نهجًا يتوافق مع طبيعة المعارك البشرية، وإن هذَّب وشذَّب النوايا والقيم والأخلاق والسلوك، لكنَّه لم يُعطِّل الخبرة الإنسانية، قديمة أو حديثة، مِن داخل البيئة العربية أو مِن خارجها، وبما يخدم عزَّة الإسلام وغلبته.
ولم يتوقَّف الإسلام عند الأبعاد المادية مِن عتاد، وعند المباحات الاعتيادية، بل شرع في سبيل رفع معنويَّات جنوده، وتقوية جنابهم، وإرهاب الخصم، وبثِّ الهزيمة في نفسه، والتأثير على معنويَّاته، التبختر[6]، والاختيال[7]، ولبس الذهب والحرير، والخدعة[8] والتحريش بين الخصوم[9]، والرجز والهجاء بالشعر، وكلُّ ما مِن شأنه تحقيق تفوِّق أو ندِّية تجاه الخصم.
وقد ثبت أنَّ قريش تبنَّت في صراعها مع المسلمين (النبيِّ وأصحابه) العامل الدعائي في بدر، في سبيل تحقيق نصر تسمع به العرب وتُهابُ لأجله قريشٌ، مستصحبة النساء والقيان يضربن الدفوف ويغنِّين المعسكر؛ حيث قال أبو جهل بن هشام: “والله لا نرجع حتَّى نرد بدرًا، فنقيم عليه ثلاثًا، ننحر الجُزُر، ونطعم الطعام،..”[10].
في المقابل، شجَّع النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- حسَّان بن ثابت -رضي الله عنه- على استخدام الشعر بما له مِن مكانة كبرى عند العرب في هجاء قريش، واعتبر الكلمة المنظومة بمثابة نبل تنفذ في صدور الأعداء.
وفي معركة الأحزاب، ارتجز النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو يحفر الخندق مع أصحابه، شعر عبدالله بن رواحة[11]:
اللَّهُمَّ لَولَا أَنتَ مَا اهتَدَينَا
ولَا تَصَدَّقنَا ولَا صَلَّينَا
فَأَنزِلَن سَكِينَة عَلَينَا
وثَبِّتِ الأَقدَامَ إِن لَاقَينَا
إِنَّ الأُلَى قَد بَغَوا عَلَينَا
إِذَا أَرَادُوا فِتنَة أَبَينَا
ولمـَّا انكشف المسلمون يوم حنين ثبت النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- بأرض المعركة يرتجز[12]:
أنَا النَّبِيُّ لَا كَذِب
أَنَا ابنُ عَبدِ المـُطَّلِب
وكان الحداء رفيق الدرب في السفر إلى أرض المعركة، لتخفيف عناء السفر وتنشيط الخيل والرجال؛ وكان أنجشة حادٍ مِن حداة الرسول في السفر، وكان حسن الصوت، فقال له النبيُّ ذات مرَّة وقد هيَّج بحدائه الخيول والإبل: (وَيحَكَ يَا أَنجَشَةُ.. رُوَيدَكَ سوقًا بالقَوَارِير)[13]، يعني النساء اللاتي كنَّ يرافق في مؤخِّرة الجيش.
وقد ثبت أنَّ أهل يثرب استقبلوا رسول الله عند الهجرة منشدين ترحيبًا بقدومه، والبعض يقول إنَّ الصحيح هو قفوله مِن أحد غزواته:
طلع البدر علينا
مِن ثنيَّات الوداع.
ويذكر ابن حجر، في (فتح الباري)، أنَّ عبدالله بن رواحة كان آخذًا بخطام ناقة رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم، يوم فتح مكة (وفي بعض الروايات في عمرة القضاء)، وهو يقول:
خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَن سَبِيلِهِ
اليَومَ نَضرِبكُم عَلَى تَنزِيلِهِ
ضَربًا يُزِيلُ الهَامَ عَن مَقِيلِهِ
وَيُذهِلُ الخَلِيلَ عَن خَلِيلِهِ
فقال له عمر: يا ابن رواحة.. بين يدي رسول الله وفي حرم الله تقول الشعر؟
فقال له النبيُّ: (خَلِّ عنه يا عُمَر.. فَلهِيَ أَسرَعُ فيهم مِن نَضحِ النَّبلِ)[14].
وصحيح أنَّه لم يثبت في مرويات السيرة الصحيحة أنَّ المسلمين ضربوا الدفوف أثناء المعارك في العهد النبويِّ كما كانت تفعل قريش، لكن ورد ضرب الدفِّ أثناء عودته سالمـًا منتصرًا إلى المدينة. فبعد أن قفل رسول الله راجعًا مِن بعض مغازيه، جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله.. إنِّي كنت نذرت إن ردَّك الله سالمـًا أن أضرب بين يديك بالدفِّ وأتغنَّى. فقال لها رسول الله: (إِن كُنتِ نَذَرتِ فَاضرِبِي وإِلَّا فَلَا)[15]. ومعلوم أنَّه لا يجوز النذر بحرام. وإقرار النبيِّ للضرب بالدفِّ هنا تشريع بإباحته.
وقد كان في الإيمان االراسخ، والصدق في طلب الشهادة، والتربية النبوية التي تلقَّاها الصحابة، ومعاني الشجاعة والبطولة التي جُبلوا عليها، ما يُغني الصحابة -رضي الله عنهم- عن الطبول والأبواق، خصوصًا في بيئة عربية لم تكن فيها جيوش نظامية كبرى، ولا فنون قتالية متعدِّدة، وتكون فيها المعارك في حدود أعداد صغيرة ومساحة ضيِّقة. كما أنَّ تأييد الله تعالى لرسوله، وتثبيته له ولأصحابه بالربط على قلوبهم وإنزال السكينة عليهم، وإنزال الملائكة تقاتل معهم، يعدُّ مِن أعظم الوسائل والأساليب التي تُغني عمَّا سواها. لهذا لم يحتج النبيُّ وأصحابه لإيقاعات معازف الحرب، مِن طبول وأبواق وغيرها. وهذا الأمر امتدَّ لعهد الصحابة -رضي الله عنهم- جميعًا، زمَن الخلفاء المهديين الراشدين.

أدوات التحفيز والحرب النفسية في عهد الدولة الأموية:
مثَّل قيام الدولة الأموية (41هـ- 132ه) نقطة تحوُّل جوهرية في تاريخ النُظم العسكرية الإسلامية؛ فمع انتقال عاصمة الخلافة إلى دمشق، وتوسُّع رقعة الفتوحات شرقًا وغربًا، واجه العقل العسكري الأموي تحدِّيَّات ميدانية جديدة استدعت تطوير البنية التنظيمية للجيش، فلم يعُد القتال معتمدًا على الكتائب الصغيرة ذات التحرُّك العفوي، بل تحوَّل إلى جيوش جرَّارة تُساق في خطوط زحف منتظمة، تتشكَّل في مجاميع مستقلَّة.
وفي خضمِّ هذا التحوُّل التنظيمي، حظي الشعر والإيقاع، مِن خلال الطبول والدفوف والأبواق والمزامير، بمكانة بالغة الأهمِّية، حيث بدأ استخدام الأبواق والطبول، تحت إشراف “أصحاب الرايات” وقادة الأجنحة (الميمنة والميسرة والقلب)، وكانت أصواتها بمثابة “أوامر عمليَّاتية عُليا” يترتَّب عليها تحرُّك آلاف المقاتلين.
وبينما كان المسلمون في عهد الصدر الأوَّل يعتمدون على الأسلوب اللفظي، مِن تكبير وتهليل ودعاء أو نداء بالأسماء أو بالأوامر، لإدارة المعركة، فرض التوسُّع الأموي والاحتكاك بجيوش الروم البيزنطيين اقتباس بعض أدواتهم الصوتية، فاستُخدمت الأبواق لإعلان النفير، أو التحذير مِن الالتفافات، أو طلبًا للمساعدة، أو ضبط مسافات الزحف، واستُخدمت الطبول الحربية لإعلان مواقيت الرحيل والنزول في الأسفار الطويلة، أو ضبط حركة سير الجنود، وربَّما ضربت الدفوف مع الرجز لإشعال الحماسة وإذكاء الطاقة. وظلَّ “الحداء” و”الرجز” ركيزة وجدانية تُحرِّك المقاتل للمسافات الطويلة وتحفِّزه للقتال الفعَّال.
لقد كانت مواجهة جيوش الفرس والروم وغيرهم مِن الأعاجم، والتي كانت تستخدم الطبول الضخمة والأبواق الكبيرة لإفزاع خيول الخصم التي لم تعتد على أصواتها، مستجدًّا جديدًا لم يألفه العرب، وهذا بدوره كان يؤدِّي إلى تراجع الفرسان وانفراط عقد الجيش؛ هذا الأمر استدعى استخدام الجيش الأموي للطبول والأبواق في معسكرات التدريب، وصاروا يضربونها بين يدي الخيل والبغال والإبل بانتظام، حتَّى أصبحت هذه المراكب محصَّنة إزاء أصواتها، فلا تفزع ولا تجفل وسط وطيس المعارك، وهذا بدوره منح الفرسان الأمويين تفوُّقًا في عمليَّات الاختراق الهجومي.
ولا شكَّ أنَّ اتِّساع الانتساب للجيش الأموي في المراحل المتأخِّرة أوجد شريحة واسعة مِن الجند الذين ينظرون للأسباب المادِّية، وهذا أمر طبيعي في سنن التحوُّلات الاجتماعية. وقد ظهرت بوادر مثله في زمن النبوَّة، حين قال بعض الصحابة -رضي الله عنهم- في غزوة حنين: لن نغلب اليوم مِن قلَّة؛ فقال تعالى: ((لَقَد نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَومَ حُنَينٍ إِذ أَعجَبَتكُم كَثرَتُكُم فَلَم تُغنِ عَنكُم شَيئًا وَضَاقَت عَلَيكُمُ الأَرضُ بِمَا رَحُبَت ثُمَّ وَلَّيتُم مُّدبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الـمُؤمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَم تَرَوهَا وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ))[16]. وقد ألمح القرآن الكريم إلى هذا الضعف في الجانب الإيماني ميلًا للجانب المادِّي بقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الـمُؤمِنِينَ عَلَى القِتَالِ إِن يَكُن مِنكُم عِشرُونَ صَابِرُونَ يَغلِبُوا مِائَتَينِ وَإِن يَكُن مِنكُم مِائَةٌ يَغلِبُوا أَلفًا مِن الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُم قَومٌ لَّا يَفقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُم وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُم ضَعفًا فَإِن يَكُن مِنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغلِبُوا مِائَتَينِ وَإِن يَكُن مِنكُم أَلفٌ يَغلِبُوا أَلفَينِ بِإِذنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ))[17]، والمقصود بالضعف هنا الضعف الإيماني، وإلَّا فإنَّ المسلمين كان يزداد عددهم ويكثر عتادهم.
وهذا التحوُّل يستوجب التعاطي معه بما يناسبه ويلائمه، في كلِّ الظروف والأحوال، بحيث لا يكون عبئًا على الأمَّة أو خارج ميدان المدافعة مع الباطل. لهذا تطلَّبت هذه المرحلة أدوات تحفيزية مستمرَّة، فكان الغناء والطبول والأبواق يصاحب الجنود لإثارة الحماسة، وتحفيز النشاط البدني والنفسي، إلى جانب ما يُلقى مِن خطب ومواعظ وأذكار، وما تُقام مِن صلوات وتلاوات للقرآن في المعسكر كأمر رئيس وأصيل في الجيش المسلم.
وفي هذا الشأن، يقول ابن خلدون: “فمِن شارات الملك اتِّخاذ الآلة مِن نشر الألوية والرّايات وقرع الطبول والنفخ في الأبواق والقرون. وقد ذكر أرسطو في الكتاب المنسوب إليه في السياسة أنَّ السرَّ في ذلك إرهاب العدوِّ في الحرب، فإنَّ الأصوات الهائلة لها تأثير في النّفوس بالروعة. ولعمري إنَّه أمر وجدانيٌّ في مواطن الحرب، يجده كلُّ أحدٍ مِن نفسه، وهذا السَّبب الذي ذكره أرسطو -إن كان ذكره- فهو صحيح ببعض الاعتبارات؛ وأمَّا الحقُّ في ذلك فهو أنَّ النفس عند سماع النغم والأصوات يدركها الفرح والطرب بلا شكٍّ، فيصيب مزاج الروح نشوة يستسهل بها الصعب ويستميت في ذلك الوجه الذي هو فيه. وهذا موجود حتَّى في الحيوانات العُجم، بانفعال الإبل بالحداء، والخيل بالصفير والصريح، كما علِمتُ. ويزيد ذلك تأثيرًا إذا كانت الأصوات متناسبة، كما في الغناء. وأنت تعلم ما يحدث لسامعه مِن مثل هذا المعنى؛ لأجل ذلك تتَّخذ العجمُ في مواطن حروبهم الآلات الموسيقيَّة، لا طبلًا ولا بوقًا، فيحدق المغنُّون بالسلطان في موكبه بآلاتهم، ويُغنُّون فيحرِّكون نفوس الشجعان بضربهم إلى الاستماتة، ولقد رأينا في حروب العرب مَن يتغنَّى أمام الموكب بالشعر، ويُطرب، فتجيش همم الأبطال بما فيها، ويسارعون إلى مجال الحرب، وينبعث كلُّ قرن إلى قرنه، وكذلك زناتة مِن أمم المغرب يتقدَّم الشّاعر عندهم أمام الصفوف ويتغنَّى فيُحرِّك بغنائه الجبال الرواسي، ويبعث على الاستماتة مَن لا يظنُّ بها، ويسمُّون ذلك الغناء تاصوكايت، وأصله كلُّه فرح يحدثُ في النفس فتنبعث عنه الشجاعة كما تنبعث عن نشوة الخمر، بما حدث عنها مِن الفرح. والله أعلم”[18].
فهذا ابن خلدون -العالم والمؤرِّخ المسلم- يذكر أثر هذه الأمور في النفوس، وقدحها للشجاعة والحماسة في نفوس المقاتلين والمتصارعين والمتحاربين؛ وكيف أنَّ الشعر عند العرب كان يستخدم لهذا الغرض، في إشارة إلى تثبيت العادة وإن اختلفت الوسائل.
والاستخدام الأكثر الذي دخل عليه الغناء وأدوات المعازف في عهد الدولة الأموية هو الترفيه والتسلية على المستوى الاجتماعي، فيما ظلَّ ذلك محدودًا في الجانب العسكري، وإن نجح الأمويُّون في تطويع الأدوات الجديدة لخدمة حالة الجيش والمناورات العسكرية، وهو ما مهَّد السبيل لظهور أدوات إيقاعيَّة حربية أكثر تعقيدًا في الدول الإسلامية اللَّاحقة.

أدوات التحفيز والحرب النفسية في عهد الدولتين العبَّاسية والعثمانية:
شهدت البنية العسكرية للدولة الإسلامية تحوُّلًا جذريًّا مع أفول الدولة الأموية، وصعود العبَّاسيين للحكم عام 132ه، إذ اعتمد العبَّاسيُّون على العنصر العجمي في القصر والجيش، فلم يُعد العنصر العربي هو العنصر الغالب والمهيمن، إذ جرى تهميشه بشكل متدرِّج. هذا التحوُّل لم يكن إداريًّا فحسب، وفي دواوين الجند، بل كان تحوُّلًا في المشهد الثقافي والتقاليد، حيث نقل الفرس والرومان والترك والقبط والبربر، وغيرهم مِن العجم، تقاليدهم وثقافتهم لبلاط القصر ومعسكرات الجيش.
وكان مِن أبرز مظاهر هذا التحوُّل إدخال الطبول، والدفوف، والأبواق، والصنوج، والآلات الإيقاعية والنفخية والمعدنية بصورة مقنَّنة وممنهجة إلى قلب المؤسَّسة العسكرية، بشكل متدرِّج[19]؛ ولم تعد هذه الآلات مجرَّد أدوات لإعلان النفير العام أو إثارة الصخب، بل تحوَّلت في عهد الدولة العباسية، والولايات التي استقلَّت بإدارة شئونها عن الخليفة، أو الدول التي انفصلت عنها، كالسامانيين، والغزنويين، والسلاجقة، والفاطميين، ثمَّ الأيوبيِّين والمماليك، إلى مراسيم وطقوس وتراتيب، تمتزج ببعضها في الأداء، وترافق الجيش في تدريباته، وفي تنقُّلاته وحركته، وفي معاركه[20]. كما بات يخصَّص لهذه الأدوات وتلك المراسيم أشخاص تجرى عليهم الأجور والرواتب، ولهم ألبستهم وأوصافهم الوظيفية. وظهرت “الطبلخانة”، أي “بيت الطبل”، وصار العزف بها يُعرف بـ “النوبة”. وكان يُشرف عليها ضابط رفيع المستوى مِن أمراء الصفِّ الأوَّل يُسمَّى “أمير علم”، وهو المسئول عن الرايات والطبول الحربية للسلاطين والولاة.
ويذكر ابن خلدون أنَّ الرايات والطبول باتت مِن مظاهر الملك، وأنَّها بعد أن كانت في صدر الإسلام مقصورة على الحروب استعملت في المواكب السلطانية، ثمَّ تطوَّر الأمر في الدولة العباسية والفاطمية حتَّى صارت تُضرب على أبواب السلاطين.
لقد أدَّت الخُلطة الواسعة بالشعوب والأمم الأخرى إلى بروز أدوات إيقاع متنوِّعة ومتعدِّدة، بمختلف الأشكال والأنغام، وجرى توظيف هذه الأدوات بشكل كبير في الجيش، أثناء التدريبات العسكرية، والمراسيم السلطانية، والزحف إلى أرض المعركة، والقتال. وربَّما شكَّلت أداة لنقل شفرة الأوامر والحركة إلى القادة والجنود بما لا يتيح للخصم فهم تلك الأوامر والتوجيهات.
وقد وظِّفت تلك الأدوات، مع الشعر والرجز والغناء، في سبيل إلهاب مشاعر الجنود، وإشعال حماستهم، وإثارة الحميَّة.
وظهرت فتاوى حديثة في هده الفترة تجيز التعامل معها. فقد قال محمَّد بن الحسن الشيباني: “لا بأس بالطبول التي يُضرب بها في الحرب لاجتماع الناس، لأنَّ هذه ليست بلهو، وإنَّما المكروه طبول اللهو، بمنزلة الدفوف لا بأس بضربها في إعلان النكاح، وإن كره ذلك للَّهو”[21]. وقال الطبَرِي: الطبل “على قِسمينِ: طَبلُ حَربٍ، وطَبلُ لَهوٍ، فأمَّا طَبلُ الحَربِ فلَا حَرَجَ فِيهِ، لأنَّه يُقِيمُ النُّفوس، ويُرهِبُ على العَدُوِّ؛ وأمَّا طَبلُ اللَّهوِ فهو كالدُّفِّ وكذلك آلَاتُ اللَّهوِ المشهِرَةُ للنِّكَاحِ يَجُوزُ استِعمَالُهَا فِيهِ، لما يَحسُنُ مِن الكَلَامِ، ويَسلَمُ مِن الرَّفَثِ”[22]. ويقول ابن نجيم (زين الدين بن إبراهيم بن محمَّد): “ويكره للغزاة اتِّخاذ الأجراس في دار الحرب لأنَّه يدلُّهم على المسلمين، أمَّا في بلاد الإسلام فلا بأس به، ولا بأس بهذه الطبول التي تضرب في الحرب لاجتماع الناس واستعدادهم للقتال لأنَّها ليست بطبلة لهو”[23].
وهكذا نجد أنَّ أدوات المعازف بدأت تصاحب المؤسَّسة العسكرية، وبدأ يقرُّ بأنَّها -خلاف اللهو- فيها نوع منفعة وفائدة في بناء الجيوش وميدان الحرب. فضلًا عن أنَّها أصبحت مظهرًا مِن مظاهر الأبَّهة والسلطة ومراسيم الدولة.
إنَّ صخب القتال يُذهب بالأسماع، وغبار المعركة يُذهب بالأبصار، فلا يجد الجنديُّ وسيلة لمعرفة الوضع في المعركة، وتلقِّي التوجيهات، إلَّا مِن خلال أصوات طاغية مرتفعة، تُسمِعُ كلَّ مَن هو في ساحة المواجهة، وهنا يأتي دور الأبواق والطبول؛ كما أنَّ هذه الأصوات تعدُّ إشارة للكمائن، ورسائل رمزية مشفَّرة للفرق الاستكشافية أو للجواسيس.
وقد جاء عهد الدولة العثمانية لتتوِّج جهود السابقين مِن خلال تطوير هذه الأدوات، وإنتاجها داخل الدولة، وتدريب الجنود عليها جيلًا بعد جيل، وإدخال الأناشيد الوطنية والدينية عليها، أسوة بما بدأ يظهر في الدول الأخرى، وتشكَّلت بقرار سلطاني فرقة “المهتر” الموسيقية الإنشادية في الدولة العثمانية، وهي مكوَّنة مِن مجموعة فرق ترافق الجيوش في الحملات والحروب، وبعضها خاصٌّ بالمواكب السلطانية والاحتفالات الرسمية والمناسبات الدينية. وقد أسهمت هذه الفرقة في رفع معنويَّات الجنود العثمانيين، وتنظيم حركتهم أثناء المسير.
نخلص ممَّا سبق، أنَّ التطوُّر الذي حدث في وسائل التحفيز والحماسة العسكرية استنادًا إلى إيقاعات أدوات العزف، كالطبل والدفوف والأبواق والمزامير، كان نتيجة الواقع الذي فرضه اصطدام العرب بغيرهم مِن الشعوب، واختلاف طبيعة المعركة وميادينها وأساليب القتال واعتماد العدو على هذه الأدوات مِن جهته لأغراض حماسية ودعائية وفي سبيل التواصل في ميدان المعركة برموز إيقاعيَّة مشفَّرة؛ وأنَّ هذه الظاهرة قديمة، وجرى استيعابها في التراث والخبرة الإسلامية، وساهمت في العديد مِن الإنجازات جنبًا بجنب مع بقية الأسباب والعوامل. ولم يقف الفقه الإسلامي الراشد موقف المانع مِن هذه الأدوات، بل عدَّها مِن الوسائل التي تباح وتشرع حسب المقاصد التي تحقِّقها والمصالح المكتسبة مِن وراءها.

الزوامل والشيلات والأغاني الوطنية والثورية والعسكرية والقتالية:
مع الحرب الدائرة في اليمن باتت الأناشيد والزوامل، أو ما تعرف بالشيلات كذلك، تنتشر بشكل كبير وسريع، كوسيلة لطرفي الصراع لتحميس أتباعهم ومخاطبة الجمهور والتأثير عليه. وفي حين يتحلَّل الطرف المعتدي مِن أيِّ قيم وأخلاق وحدود وضوابط يحاول البعض مِن منطلق النصح والإخلاص التحكُّم أو التضييق على الزوامل والشيلات التي يصدِّرها الطرف المقابل باعتبار حرمة المعازف والغنا، وفي أقلَّ الأحوال معاتبة الناس على الاستماع لها ونشرها، وهو موقف نابع مِن تصوُّرات خاطئة ووعي خاطئ. ففي بلد كاليمن يميل فيه المجتمع للإنشاد والغناء والزوامل، ويستقي مِنها حماسته وثقافته الشعبية، تصبح هذه الوسائل مِن الضرورات التي ينبغي الاهتمام بها، وتجاوز أيِّ خطأ في التقدير قد يرتدُّ سلبًا على المقصود الأصل.
وقد أوردت كيف أنَّ الرجز والشعر والطبول والأبواق رافقت حركة الجيش الإسلامي عبر التاريخ، وذكرنا أثر الشعر والإيقاعات في نفوس البشر، وهنا نورد أقوال أهل العلم في مسألة الاستماع للأغاني والزوامل والشيلات الوطنية والثورية والعسكرية والقتالية استنادًا إلى نظرتهم أساسًا في مسألة الغنا والمعازف، فإنَّ المسألة مرتبطة بهذا الأصل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن أثر المعازف في النفوس: “المعازف هي خمر النفوس، تفعل أعظم ممَّا تفعله الكؤوس”[24]. وهو وإن قال ذلك على سبيل الذَّمِّ إلَّا أنَّ قوله شاهد على تأثيرها في النفوس تأثيرًا عميقًا، ولا يتصوَّر والحالة هذه أن يحرِّم الله تعالى الخمر بنصٍّ صريح بيِّن ويترك شأن المعازف دون نصٍّ صحيح ثابت ظاهر. خصوصًا وأنَّ العلماء والفقهاء اختلفوا في ثبوت النصوص ودلالاتها.
فقد قال الشيخ محمَّد رشيد رضا -رحمه الله، بعد أن ساق النصوص الواردة في التحريم والإباحة: “فأحاديث الإباحة مرجَّحة بصحَّتها وضعف مقابلها ونكارته، وبكونها على الأصل في الأشياء وهو الإباحة، وبموافقتها ليسر الشريعة وسامحها وموافقتها للفطرة، وهذا لا ينافي أنَّ الانصراف الزائد إلى اللهو والإسراف فيه ليس مِن شأن أهل المرؤة والدين. ولهذا رأيت كثيرًا مِن أئمَّة العلماء الزهَّاد شدَّد النكير على أهل اللهو لمـَّا كثر وأسرف الناس فيه، عندما عظم عمران الأمَّة واتَّسعت مذاهب الحضارة فيها، حتَّى جاء أهل التقليد مِن المصنِّفين فرجَّحوا أقوال الحظر، وزادوا عليها في التشديد حتَّى حرَّم بعضهم سماع الغناء مطلقًا، وسماع آلات اللهو جميعها، إلَّا طبل الحرب ودفَّ العرس، وزعموا أنَّه دفٌّ مخصوص”. مجلَّة المنار، المجلَّد التاسع: ص43. وقال في موطن آخر: “مسألة السماع فيها تفصيل، وخلاف عريض طويل، وأكثر فقهاء المذاهب المشهورة يكرهون سماع الغناء أو كثرته، ويحرِّمون معازف المزامير والأوتار، والتحقيق أنَّ الأصل فيها الإباحة، وأنَّها تعرض لها أحوال تكون بها فتنة وذرائع لمفاسد تكون بها محرَّمة أو مكروهة”[25].
وقال الشيخ محمَّد شلتوت، شيخ الأزهر الأسبق، رحمه الله: “فإذا مال الإنسان إلى سماع الصوت الحسن، أو النغم المستلذِّ، من حيوان أو إنسان أو آلة كيفما كانت، أو مال إلى تعلُّم شيء مِن ذلك، فقد أدَّى للمحافظة حقَّها، وإذا ما وقف بها مع هذا عند الحدِّ الذي لا يصرفه عن الواجبات الدينية، أو الأخلاق الكريمة، أو المكانة التي تتَّفق ومركزه، كان بذلك منظِّمًا لغريزته، سائرًا بها في الطريق السويِّ، وكان مرضيًّا عند الله وعند الناس”، وأضاف: “ولقد كنت أرى أنَّ هذا القدر كاف في معرفة حكم الشرع في الموسيقى، وفي سماع ما يحبُّ الإنسان ويهوى بمقتضى غريزته، ولولا أنَّ كثيرًا مِن الناس لا يكتفون، بل ربَّما لا يؤمنون بهذا النوع من التوجيه في معرفة الحلال والحرام، وإنَّما يقنعهم عرض ما قيل في الكتب وأثر عن الفقهاء، وإذا كان ولا بدَّ فليعلموا أنَّ الفقهاء اتَّفقوا على إباحة السماع في إثارة الشوق إلى الحجِّ، ودفع تحريض الغزاة على القتال، وفي مناسبات السرور المألوفة، كالعيد والعرس وقدوم الغائب وما إليها. ورأيناهم فيما وراء ذلك على رأيين، يُقرِّر أحدهما الحُرمة، ويستند إلى أحاديث وآثار، ويُقرِّر الآخر الحِلَّ، ويستند كذلك إلى أحاديث وآثار، وكان مِن قول القائلين بالحِلِّ: إنَّه ليس في كتاب الله، ولا سنَّة رسوله، ولا في معقولهما مِن القياس والاستدلال، ما يقتضي تحريم مجرِّد سماع الأصوات الطيِّبة الموزونة مع آلة مِن الآلات، وقد تعقَّبوا جميع أدلَّة القائلين بالحرمة وقالوا: إنَّه لم يصحُّ مِنها شيء. وقد قرأت في هذا الموضوع لأحد فقهاء القرن الحادي عشر، المعروفين بالورع والتقوى، رسالة هي (إيضاح الدلالات في سماع الآلات)، للشيخ عبدالغني النابلسي الحنفي، قرَّر فيها أنَّ الأحاديث التي استدلَّ بها القائلون بالتحريم -على فرض صحَّتها- مقيَّدة بذكر الملاهي، وذكر الخمر والقينات، والفسوق والفجور، ولا يكاد حديث يخلو مِن ذلك. وعليه كان الحكم عنده في سماع الأصوات والآلات المطربة أنَّه إذا اقترن بشيء مِن المحرَّمات، أو اتُّخذ وسيلة للمحرَّمات، أو أوقع في المحرَّمات، كان حرامًا، وأنَّه إذا سلم مِن كلِّ ذلك كان مباحًا في حضوره وسماعه وتعلُّمه. وقد نقل عن النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ عن كثير مِن الصحابة والتابعين والأئمَّة والفقهاء، أنَّهم كانوا يسمعون ويحضرون مجالس السماع البريئة مِن المجون والمحرَّم. وذهب إلى مثل هذا كثير مِن الفقهاء”. وأضاف: “الأصل في السماع الحلُّ، والحرمة عارضة: وإذن فسماع الآلات ذات النغمات أو الأصوات الجميلة لا يمكن أن يحرَّم باعتباره صوت آلة أو صوت إنسان أو صوت حيوان، وإنَّما يحرَّم إذا استعين به على محرَّم، أو اتُّخذ وسيلة إلى محرَّم، أو ألهى عن واجب. وهكذا يجب أن يعلم الناس حكم الله في مثل هذه الشئون. ونرجو بعد ذلك ألَّا نسمع القول يُلقى جزافًا في التحليل والتحريم، فإنَّ تحريم ما لم يحرِّمه الله أو تحليل ما حرَّمه الله كلاهما افتراء وقول على الله بغير علم: ((قُل إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ والإِثمَ وَالبَغيَ بِغَيرِ الحَقِّ وَأَن تُشرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَم يُنَزِّل بِهِ سُلطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعلَمُونَ))”[26].
وذهب الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، شيخ الأزهر الأسبق، رحمه الله، في فتوى له حول حكم سماع الموسيقى، إلى أنَّه لم يجد في إباحة الاستماع أو تحريمه أثرًا صحيحًا أو سقيمًا، وأنَّ المتقدِّمين استباحوا استماعها لأنَّه لم يرد الشرع بتحريمها، فكان أصلها الإباحة، وأنَّ ما ورد في تحريم ذوات الأوتار غير ثابت عن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم. كما ذهب إلى أنَّ القول في المزامير والملاهي وردت الأحاديث الصحيحة بجواز استماعها، وأنَّ قول الله: ((وإِذَا رَأُوا تِجَارَةً أَو لهوًا انفَضُّوا إلَيهَا وتَركُوكَ قَائِمًا قُل مَا عِندَ اللهِ خَيرٌ مِن اللَّهوِ ومِن التجَارَةِ واللهُ خَيرُ الرَّازِقِين))، يدلُّ على الإباحة، إذ ثبت في الأثر -كما أخرجه مسلم- أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان يخطب قائمًا يوم الجمعة، فجاءت عيرٌ مِن الشام، فانفتل الناس إليها حتَّى لم يبق إلَّا اثنا عشر رجلًا، فنزلت هذه الآية، والله عطف اللهو على التجارة، وحكم المعطوف حكم المعطوف عليه، وبالإجماع التجارة مباحة فثبت أنَّ اللهو مباح، لأنَّه لا يحتمل أن يكون النبيُّ حرَّمه ثمَّ يُمرُّ به على باب المسجد يوم الجمعة، ثمَّ يُعاتب الله مَن ترك رسوله قائمًا يخطب، وخرج ينظر إليه ويستمع له، ولا يُنزل في تحريمه آية، ولا يُشير رسول الله إلى تحريمه بحديث. فعلمنا بذلك بقاءه على حاله. ويزيد ذلك بيانًا ووضوحًا ما رويَ عن عائشة -رضى الله عنها، أنَّه زُفَّت امرأة مِن الأنصار إلى رجل مِن الأنصار، فقال رسول الله: (أما كان معكنَّ مِن لهو فإنَّ الأنصار يعجبهم اللهو)، كما جاء في البخاري. ونقل عن الغزالي والقرطبي والشوكاني وغيرهم أراءهم فيما يباح مِن آلات الموسيقى، كما نقل كلام ابن حزم، في المحلَّى (ج٩/٦٠)، أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: (إنَّما الأعمال بالنيَّات، ولكلِّ امرئ ما نوى)، فمَن نوى استماع الغناء عونًا على معصية الله تعالى فهو فاسق، ومَن نوى به ترويح نفسه ليقوى بذلك على طاعة الله ويُنشِّط نفسه بذلك على البرِّ فهو مطيع محسن، وفعله هذا مِن الحقِّ، ومَن لم ينو طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه، كخروج الإنسان إلى بستانه متنزِّهًا.
وخلاصة ما ذهب إليه هو أنَّ القول بالتحريم على وجه الإطلاق خالٍ مِن دليل صحيح، وأنَّ القول بتحريم سماع الموسيقى وتعلُّمها وحضورها مِن باب سدِّ الذرائع، أو مِن باب درء المفاسد، ليس مقبولًا، لأنَّ الموسيقى وإن كان قد يصاحبها الخمر والرقص وغير ذلك مِن المنكرات إلَّا أنَّ هذا ليس الشأن فيها دائمًا، ومِن ثمَّ صار مثلها مثل الجلوس على الطريق؛ وأن إباحة سماع الموسيقى وحضور مجالسها وتعلُّمها أيًّا كانت آلاتها ما لم تكن محرِّكة للغرائز، باعثة على الهوى والغواية، والفجور والمجون، مقترنة بالخمر والفسوق، أو اتُّخذت وسيلة لمحرَّم أو أوقعت في منكر أو ألهت عن واجب، فإنَّها في هذه الحالات تكون حرامًا، كالجلوس على الطريق دون حفظ حقوقه التي بيَّنها الحديث.[27]
وقال الشيخ محمَّد متولِّي الشعراوي -رحمه الله، عند قوله تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشتَرِي لَهوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيرِ عِلمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُم عَذَابٌ مُهِينٌ))[28]: “لا تقُل الغناء، لكن قُل: النصُّ نفسه إن حثَّ على فضيلة فهو حلال، وإن أهاج الغرائز فهو حرام وباطل، كالذي يُشبِّب بالمرأة، ويذكر مفاتنها، فهذا حرام حتَّى في غير الغناء، فإذا ما أضفتَ إليه الموسيقى والألحان، والتكسُّر والميوعة، ازدادت حرمته وتضاعف إثمه. أمَّا ما نراه الآن، وما نسمعه، ممَّا يُسمُّونه غناءً، وما يصاحبه مِن حركات ورقصات وخلاعات، وموسيقى صاخبة، فلا شكَّ في حرمته. فكلُّ ما يُخرج الإنسان عن وقاره ورزانته، وكلُّ ما يجرح المشاعر المهذَّبة فهو حرام، ثمَّ إنَّ الغناء صوت فإن خرج عن الصوت إلى أداء آخر مُهيِّج، تستعمل فيه الأيدي والأرجل والأعين والوسط.. الخ فهذا كلُّه باطل ومحرَّم”.
وقال الدكتور محمَّد سيِّد طنطاوي، شيخ الأزهر الأسبق، رحمه الله: إذا كانت الأغاني والموسيقى تُثِير الفتنة والشهوة، وتحثُّ على الفسق والفجور، وتتضمَّن شيئًا مُنكَرًا وحرامًا، وتُلهِي عن ذكر الله، وعن أداء واجب مِن الواجبات، وتُحَرِّك الغرائز الجنسيَّة، فيكون الغناء والموسيقى على هذا النحو حرامًا؛ أمَّا إذا كانت الأغاني والموسيقى لم تقترن بشيءٍ مُحَرَّم، وكانت للعلم والتعلُّم، ولم تكن وسيلة للمحرَّمات، ولم تحرِّك الغرائز الجنسية وخلافه، وتدعو إلى التحلِّي بمكارم الأخلاق، وإلى بثِّ روح الألفة والمحبَّة والتعاون الصادق بين الناس، أو لتحريضِ الجند على القتال، ونحو ذلك كانت الأغاني والموسيقى حلالًا.[29]
وقال الشيخ د. يوسف القرضاوي -رحمه الله: “اتَّفقوا على تحريم كلِّ غناء يشتمل على فحش، أو فسق، أو تحريض على معصية، إذ الغناء ليس إلا كلامًا، فحسنه حسن وقبيحه قبيح، وكلُّ قول يشتمل على حرام فهو حرام، فما بالك إذا اجتمع له الوزن والنغم والتأثير؟ واتَّفقوا على إباحة ما خلا مِن ذلك مِن الغناء الفطري الخالي مِن الآلات والإثارة، وذلك في مواطن السرور المشروعة، كالعرس وقدوم الغائب، وأيَّام الأعياد، ونحوها، بشرط ألَّا يكون المغنِّي امرأة في حضرة أجانب مِنها”[30].
وعليه، فالزوامل والأناشيد والأغاني الحماسية، والتي يرافقها أنغام وإيقاعات موسيقية، مسألة فيها سعة، ويذهب عدد مِن العلماء قديمًا وحديثا لإباحتها[31]، طالما لم يكن في الكلام ذاته محتوى محرَّم، ولم تشغل الإنسان عن طاعة وواجب. وقد دعا رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- عائشة -رضي الله عنها- لتنظر للحبشة وهم يرقصون بالحراب في مسجده، في إظهار مدى الفسحة في هذا الدين.
[1] صحيح البخاري، رقم: 6153؛ وانظر: صحيح مسلم، رقم: 2490.
[2] في الأثر: رجع رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- مِن بعضِ مغازيه، فجاءت جارية سَوداء، فقالت: يا رسول الله.. إنِّي كنت نَذَرتُ إن رَدَّك الله سالمـًا أن أضرِبَ على رَأسِكَ بالدُّفِّ. فقال: إن كُنتِ نَذَرتِ فافعَلي، وإلَّا فلا. قالت: إنِّي كنت نَذَرتُ. قال: فقَعَدَ رسول -الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فضَرَبَت بالدُّفِّ. سنن الترمذي، رقم: (3690)؛ ومسند أحمد، رقم: (23011)، واللفظ له؛ وأخرجه أبو داود مختصرًا، رقم: (3312). وصحَّحه عدد مِن أهلم العلم.
[3] انظر: صحيح البخاري، رقم: (4316)؛ وصحيح مسلم، رقم: (1776).
[4] انظر: صحيح مسلم، رقم: (1807).
[5] الأنفال: 47.
[6] عن محمد بن إسحاق قال: حدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم مولى عمر بن الخطاب عن رجل من الأنصار من بني سلمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين رأى أبا دجانة يتبختر: إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن. السيرة النبوية، لابن إسحاق: ص322. وهنا كلام نفيس لابن تيميَّة -رحمه الله- يقول فيه، بعد ذكر هذا الأثر وحديث الاختيال التالي: “وذلك -والله أعلم- لأنَّ الاختيال مِن التخيُّل، والتخيُّل مِن باب التصوُّر الذي قد يكون تصوُّرًا للموجود، وقد يكون تصوُّرًا للمقصود، فإن كان مطابقًا للموجود ومحمودًا في القصد فهو تخيُّل حقٌّ نافعٌ، وإن كان مخالفًا للموجود ومذمومًا في القصد فهو الباطل الضارُّ. والشجاعة والسماحة لا بدَّ فيهما مِن قوَّة للنفس لا تتمُّ إلَّا بتصوُّر محبوب يحضُّه على الشجاعة والسماحة، وإلَّا ففي هذا بذل النفس وفي هذا بذل المال الذي هو مادَّة النفس، فإن لم تتصوَّر النفس أمرًا محبوبًا يُعتاض به عمَّا يبذله مِن النفس والمال لم يأت بالشجاعة والسماحة. فيحبُّ الله تخيُّل المقاصد الرفيعة والمطالب العالية التي تحضُّ على الشجاعة والسماحة، فإنَّ الله يحبُّ معالي الأخلاق ويكره سفسافها، ويحبُّ معالي الأمور. فهذا إذا كان تخيُّل مقصود، وأمَّا إذا كان تخيُّل موجود فلأنَّ الشجاعة التي مضمونها النصرة ودفع الباطل والضرر، والسماحة التي مضمونها الرزق وإقامة الحقِّ والنفع، هما عظيمان في أنفسهما، وإليهما تُرجعُ صفات الكمال مِن جلب المنفعة ودفع المضرَّة، فإذا كان تخيُّل الفاعل نفسه عظيمًا عند صدور ذلك مِنه كان مطابقًا، فكان اعتقادًا صحيحًا نافعًا، ولهذا لم يُذكر أنَّ الله يحبُّه إلَّا في الحرب والصدقة، لأنَّه في هذا الموطن هو صحيح نافع، لأنَّه يحضُّ على المحبوب، وما أعان على المحبوب محبوب، فأمَّا بعد صدور ذلك مِنه فإنَّه فخر أو مَنٌّ، والله لا يحبُّ الفخور ولا المنَّان. وصار في هذه المنزلة بمنزلة شهوة الطعام عند الأكل، وشهوة النكاح عند مباضعة الرجل أهله، فإنَّ ذلك نافع، به تحصل المصلحة، بخلاف الشهوة في حال الزنا وأكل مال الغير”. جامع المسائل: ج8/66- 67.
[7] في الحديث: (فأمَّا الخيلاءُ الَّتي يحبُّ اللَّهُ فاختيالُ الرَّجلِ نفسَه عند القتالِ)؛ سنن أبي داود، رقم: (2659)؛ وسنن النسائي، رقم: (2558)؛ ومسند أحمد، رقم: (23752)؛ وحسنه الألباني.
[8] لحديث: (الحربُ خَدعة)؛ صحيح البخاري، رقم: (3030)؛ وصحيح مسلم، رقم: (1739).
[9] كما فعل نعيم بن مسعود بن عامر -رضي الله عنه، بعد أن جاء إلى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- مسلمًا، أثناء غزوة الأحزاب فوجَّهه أن يُخذِّل عن المسلمين. وهي قصة مذكورة في كتب السيرة. انظر: زاد المعاد، لابن القيم: ج3/245.
[10] السيرة، ابن هشام: ج1/618.
[11] انظر: صحيح البخاري، رقم: (3213).
[12] انظر: صحيح البخاري، رقم: (2874)؛ وصحيح مسلم، رقم: (1776).
[13] انظر: صحيح البخاري، رقم: (6149)؛ وصحيح مسلم، رقم: (2323).
[14] سنن الترمذي، رقم: (2847).
[15] سنن أبي داود، رقم: (3312)؛ وسنن الترمذي، رقم: (3690)، وصحَّحه الألباني.
[16] التوبة: 25- 26.
[17] الأنفال: 65- 66.
[18] المقدمة: ص144- 146.
[19] كما دخلت آلات المعازف المختلفة للقصور والدور والنوادي، وشهد الغناء توسُّعًا وتفنُّنًا كبيرًا، مع ما يصاحبه مِن الموسيقى والرقص.
[20] أورد ابن خلدون، في أحداث سنة 521هـ، ما وقع بين السلطان عماد الدين زنكي والخليفة المسترشد ببغداد، حين دخل السلطان بجنوده وعساكره بغداد، حتَّى دخلوا دار الخليفة، ونهبوا التاج: “فضجَّ العامَّة لذلك، ونادوا بالجهاد، وخرج المسترشد مِن سرادقه يُنادي بأعلى صوته، وضُرِبت الطبول ونفخت البوقات”. العِبَر وديوان المبتدأ والخبر، ابن خلدون: ج5/64.
[21] السير الكبير: ج4/1459.
[22] كتاب أحكام القرآن لأبي بكر ابن العربي: ج3/526.
[23] البحر الرائق شرح كنز الدقائق: ج5/79.
[24] مجموع الفتاوى: ج١٠/٤١٧.
[25] مجلَّة المنار، المجلَّد السابع عشر: ص185.
[26] الفتاوى دراسة لمشكلات المسلم المعاصر في حياته اليومية العامَّة: ص412- 413، 414.
[27] فتاوى دار الإفتاء المصرية: ج7/263.
[28] لقمان: 6.
[29] حكم سماع الموسيقى والغناء، دار الإفتاء المصرية، فتوى رقم: (6596)، بتاريخ: 8 أغسطس 1994م، على الرابط التالي:
[30] سماع الأغاني (فتوى)، موقع الشيخ يوسف القرضاوي، في: 16/11/2015م، على الرابط التالي:
https://www.al-qaradawi.net/node/3925
[31] وقذ قال ابن تيمية -رحمه الله: “ومعلوم في كلِّ عمل تنازع المسلمون فيه، هل هو محرَّم أو مباح ليس بقربة، أنَّ مَن جعله قربة فقد خالف الإجماع، وإذا فعله متقرِّبًا به كان ذلك حرامًا بالإجماع، كما لو تقرَّب بلعب النرد والشطرنج وبيع الدرهم بالدرهمين وإتيان النساء في الحشوش واستماع الغناء والمعازف ونحو ذلك ممَّا للناس فيه قولان التحريم والإباحة لم يقل أحدٌ إنَّها قربة. فالذي يجعله عبادة يتقرَّب به كما يتقرَّب بالعبادات قد فعل محرَّمًا بالإجماع. وهذا يشبه التقرُّب بالملاهي والمعازف فإنَّ جمهور المسلمين على أنَّها محرَّمة وبعضهم أباحها ولم يقل أحد إنَّها قربة. فقائل ذلك مخالف للإجماع. وإنَّما يقول ذلك زنديق”. مجموع الفتاوى: ج27/230.
