آثار

الأعمى الذي أشعل النار (ج3)

أبو الجارود زياد بن المنذر الهمداني الخارفي: المؤسِّس الحقيقي للفرقة الزيدية

الفصل السابع: الزيدية على الحقيقة هي الجارودية

سُئل المنصور بالله عبد الله بن حمزة، إمامُ الزيدية في اليمن في أوائل القرن السابع، عن رجلٍ «يُرضِّي عن الخلفاء ويُحسن الظن فيهم وهو من الزيدية، ويقول: أنا أُقدِّم عليًّا وأُرضِّي عن المشايخ، ما يكون حكمه، وهل تجوز الصلاة خلفه؟» فأجاب: «أن هذه مسألةٌ غير صحيحة فيتوجه الجواب عنها؛ لأن الزيدية على الحقيقة هم الجارودية، ولا يُعلم في الأئمة من بعد زيد بن علي من ليس بجارودي، وأتباعُهم كذلك … وإنما هذا القول قولُ بعض المعتزلة يُفضِّلون عليًّا ويترضَّون عن المشايخ، فليس هذا يُطلق على أحدٍ من الزيدية … ومن حاله ما ذكرتَ لا يُعدُّ في الزيدية رأسًا، وإنما هذا قولُ بعض المعتزلة، وصاحبُ هذا القول معتزليٌّ لا شيعي ولا زيدي».[1] فالمنصور يُخرج من اسم «الزيدية» من كان على مقالة البترية والصالحية في الشيخين، ويجعل الزيديةَ «على الحقيقة» جاروديةً. وهذا الفصل يختبر الركنَين الأخيرين من أركان الأطروحة، المركزيةَ والهويةَ: هل المقالةُ التي أسَّسها أبو الجارود هي المقولةُ المركزية التي تُعرِّف الفرقةَ الزيدية، حتى يصحَّ أن يُقال إن من أسَّس المقولةَ أسَّس الفرقة؟

معيار الفرقة

ما الذي يجعل جماعةً من الناس فرقةً تُحصى في الفرق؟ الفرقة في أصل اللغة الطائفةُ من الناس[2]، لكنَّ الخلاف وحده لا يجعل كلَّ جماعةٍ فرقةً في اصطلاح أصحاب المقالات؛ وإلا كان كلُّ مجتهدٍ رأسَ فرقة. ولضبط هذا المعنى، تُعرض الخصائص الآتية، مع التمييز بين ما نصَّ عليه العلماء في حدِّ الافتراق، وما يتخذه هذا البحث من مؤشراتٍ إجرائية لتتبُّع تكوُّن الفرقة واستمرارها التاريخي.

أولًا: المفارقة في أصلٍ كليٍّ من أصول الدين

ضبط الشاطبي موضوعَ الخلاف بقوله إن الفرق «إنما تصير فرقًا بخلافها للفرقة الناجية في معنًى كليٍّ في الدين وقاعدةٍ من قواعد الشريعة، لا في جزئيٍّ من الجزئيات».[3] وفي المعنى نفسه نُقل عن البغدادي أنَّ الذمَّ الوارد في حديث الافتراق لا يتناول المختلفين في فروع الفقه.[4] فالمعتبر هنا خلافٌ في أصلٍ جامع، لا مجرد اختلافٍ في مسألةٍ اجتهادية جزئية.

ثانيًا: صاحبُ مقالةٍ تلتفُّ حوله جماعة

لا تكفي المقالةُ دون جماعةٍ تحملها؛ فالشهرستاني، حين حصر الخلاف في قواعد أصلية، قرَّر أنَّ من انفرد بمقالةٍ في قاعدةٍ منها «عددنا مقالته مذهبًا وجماعته فرقة»، بخلاف الانفراد بمسألةٍ واحدة.[5] وبناءً على هذا التمييز، يتتبَّع البحث صاحبًا صاغ المقولة، وجماعةً تلقَّتها والتفَّت حولها؛ فلا يُسوِّي بين رأيٍ فرديٍّ معزول ومقالةٍ صار لها أتباع.

ثالثًا: مقولةٌ مركزية تضبط هوية الجماعة

يعتمد البحث في تعريفه الإجرائي أنَّ للفرقة مقولةً مركزية تجمعها وتميِّزها، فمن أنكرها خرج عن حدِّها وإن وافقها فيما سواها. فإذا اختلف أصحابُها في الجزئيات بقيت الفرقةُ واحدةً ما بقيت مقولتُها المركزية. ويقرِّب ذلك مثالُ الخوارج؛ فقد جمع فرقَهم، بحسب البغدادي، موقفُهم من التحكيم وما رتَّبوه عليه من أحكام، مع اختلافهم في مسائل أخرى.[6]

رابعًا: استمرارُ حملة المقالة وتعاقبُ أجيالهم

ينظر البحث في تسلسل حملة المقولة جيلًا بعد جيل، وفي صلات التلقِّي والانتساب بينهم؛ ليميِّز استمرارَ الجماعة من مجرد ورود اسمها في كتب المقالات. وهذا مؤشرٌ على البقاء التاريخي، لا شرطٌ لإطلاق اسم الفرقة على كل جماعةٍ عند نشأتها.

خامسًا: تدوينُ المقالة وتبلورُ منهجها

يتتبَّع البحث حضورَ المقولة في كتبٍ تحفظها، ومنهجٍ يشرحها ويحتجُّ لها وينقلها إلى الأتباع. والتدوين هنا من شواهد استقرار المذهب واستمراره، ولا يلزم من فقدان كتبه وحده نفيُ وجود الجماعة التي حملته.

سادسًا: الامتدادُ في جماعةٍ أو حراكٍ أو دولة

يبحث هذا المعيار عن أثر المقولة في واقعٍ جماعي، فلا يقتصر على أسماء القائلين بها. وقد يظهر امتدادُها في جماعةٍ مستمرة، أو حراكٍ يحملها، أو دولةٍ تقوم عليها؛ وهذه صورٌ بديلة للامتداد، فلا يُشترط قيامُ دولةٍ حتى تُسمَّى الجماعةُ فرقة.

وبذلك يجمع التعريفُ الإجرائي بين أصلٍ عقديٍّ مميِّز، وصاحبِ مقالةٍ وجماعةٍ تحملها، وشواهدِ استمرارٍ وتدوينٍ وامتداد. وليس الاسمُ في ذاته ركنًا؛ فقد تُسمَّى الفرقةُ بغير مؤسسها كما سُمِّيت الزيديةُ بزيد. ولا تُنسب هذه الخصائص جميعًا إلى الشاطبي أو الشهرستاني؛ فنصوصهما تؤسِّس للتمييز بين الخلاف الكلي والجزئي، وبين المقالة والجماعة، وأما مؤشرات الاستمرار والتدوين والامتداد فمن أدوات هذا البحث في دراسة الفرقة تاريخيًّا.

ويصرّح محمد مداعس، بعد تقرير حصر الإمامة في البطنين، بقوله: «وهذا مذهب العترة عليهم السلام وجميع الزيدية كذلك».[7]

المقولة المركزية من نصوص الزيدية أنفسهم

تقدَّمت في الفصل الرابع شهاداتُ الزيدية المتعلقة بنسبة الحصر إلى أبي الجارود؛ والمقصود هنا بيانُ موقع مركزية البطنين في تعريف الزيدية لأنفسهم، بثلاثة نصوص تضيف إلى تلك الشهادات ولا تعيدها. يقول الهادي إلى الحق في «المجموعة الفاخرة»: «ثم يجب عليه أن يعلم أن الإمامة لا تجوز إلا في ولد الحسن والحسين».[8] ويحكي حميدان بن يحيى في القرن السابع سؤالَ معترضٍ: «من مذهب الزيدية أن الإمام يجب أن يكون من أحد البطنين بعد علي، وما حجتُهم على ذلك؟»، فيُجيب: «فللزيدية المحققين على ذلك خمسة أدلة، وهي العقل والكتاب والسنة وإجماع الأمة وإجماع العترة».[9] ويُجمل ابن المرتضى في القرن التاسع حدَّ الزيدية: «يجمع مذهبَهم تفضيلُ علي وأولويتُه بالإمامة، وقصرُها في البطنين، واستحقاقُها بالفضل والطلب لا بالوراثة، ووجوبُ الخروج على الجائرين، والقولُ بالتوحيد والعدل والوعيد».[10]

أسطورة العشيرة المقدسة والحق الإلهي في السلطة. كيف تسللت إلى عقول المسلمين؟ج9 الأعمى الذي أشعل النار (ج3)

الزيدية الأولى: اتساع الاسم واستقرار المقالة

لا يلزم من دخول البترية والصالحية في اسم الزيدية أن يكون الحصر في البطنين مقولةً جامعةً لكل من حمل الاسم منذ البداية. ففي النص المنسوب إلى سفيان الثوري تُعرَّف الزيدية بأنهم «يرون القتال مع من خرج من أهل البيت حتى يغلب أو يُغلب».[11] ويوافقه معنى ما رُوي عن يوسف بن أسباط وما قرره حرب الكرماني وابن قتيبة ومجموعة من أئمة أهل السنة والجماعة نسبوا  إلى الزيدية؛ فمدار هذه التعريفات الانتساب إلى زيد والخروج مع أهل البيت، لا اشتراط البطنين.[12]

وقد تقدَّم خبر مشاركة الزيدية في نصرة عبد الله بن معاوية الجعفري، وهو من غير ولد فاطمة؛ فلا حاجة إلى إعادة رواياته هنا. والشاهد منه اتساع الانتماء السياسي، لا القطع باعتقاد المشاركين إمامةَ كل من ناصروه. ومن ثم ينبغي التمييز بين جماعة الخروج وحدود الإمامة العقدية، دون ردّ التعريفات المبكرة لمجرد مخالفتها الصورةَ التي استقر عليها المذهب.[13]

فليس محل النزاع دخولُ البترية والصالحية في مسمّى الزيدية تاريخيًّا، وإنما محلّه: أيُّ مقالةٍ استقرت عليها الإمامة الزيدية التي يبحث الكتاب نشأتها؟ فاتساع الاسم أولًا لا ينفي غلبة مقالةٍ بعينها لاحقًا، كما أن غلبتها لا تجعل جميع المنتسبين إلى الاسم في بداياته قائلين بها. وعلى هذا التفريق تُقرأ تقسيمات أصحاب المقالات: وصفًا لتعدد الاتجاهات في تاريخ الاسم، لا نقضًا بمجرده للبحث في أصل المقالة التي استقرت عليه.

نقد تقسيم أصحاب المقالات

وإذا كان الحصرُ هو المقولة المركزية، احتاج تقسيمُ أصحاب المقالات الزيديةَ إلى جاروديةٍ وسليمانيةٍ وبتريةٍ وصالحية إلى قراءةٍ على المعيار. يجعلها الأشعري ست فرق، والبغدادي والإسفراييني والشهرستاني ثلاثًا، والخوارزمي خمسة أصناف فيهم «الخشبية» أصحابُ المختار و«الدكينية» أصحابُ الفضل بن دكين، والملطي أربعًا فيهم معتزلةُ بغداد، والمسعودي يجعل معتزلةَ البغداديين «زيدية»، وابن النديم يقول: «أكثر علماء المحدثين زيدية، وكذلك قومٌ من الفقهاء المحدثين مثل سفيان بن عيينة وسفيان الثوري وجِلَّة المحدثين».[14] فإذا كان سفيانُ الثوري زيديًّا والجاحظُ زيديًّا وأبو الجارود زيديًّا، فالاسمُ عند أصحاب المقالات ليس اسمَ فرقةٍ بالمعيار، بل اسمٌ لكل من فضَّل عليًّا ورأى الخروج، سنيًّا كان أو معتزليًّا أو شيعيًّا. ومنهجُهم في تكثير الفرق معلوم: «كلُّ من قال قولًا فهو فرقة»، فالعجليةُ أصحابُ هارون بن سعد فرقة، والنعيميةُ أصحابُ نعيم بن اليمان فرقة، واليعقوبيةُ أصحابُ «رجلٍ يُدعى يعقوب» فرقة؛ وهذا تصنيفٌ للأقوال لا تاريخٌ للجماعات. وقد نقض ابنُ حزم على المحدثين دخولَهم في الزيدية بأن الزيدية يجيزون الإمامة «في جميع ولد علي»، كما مرَّ في الفصل الرابع، وهو تعميمٌ منه خالفه فيه من هو أعلمُ منه بالزيدية.[15]

وبمعيار الفرقة يظهر أن «البترية» و«الصالحية» و«السليمانية» مقالاتُ أفرادٍ لا فرق. فرجالُ البترية، كثيرُ النواء والحسنُ بن صالح الهمداني وسالمُ بن أبي حفصة والحكمُ بن عتيبة وسلمةُ بن كهيل وأبو المقدام، كلُّهم من رجال القرن الثاني في قائمة النوبختي والكشي. ومن رجال هذه الاتجاهات سليمانُ بن جرير الذي دعا له يحيى بن خالد البرمكي.[16] وكتبُهم عنوانان للحسن بن صالح الهمداني عند ابن النديم، «كتاب التوحيد» و«كتاب إمامة ولد علي من فاطمة»، ولا كتابٌ باقٍ. ولم تقم للبترية جماعةٌ مقاتلة ولا دولة، على حين خرجت الجاروديةُ جماعةً مسمَّاةً بمكة وسواد الكوفة والطالقان، وقامت على مقالتها دولُ اليمن وطبرستان والديلم. فالذي يُسمِّيه أصحابُ المقالات «البترية» اتجاهٌ في الحكم على الشيخين داخل الزيدية الأولى، تمثَّل في أفرادٍ من محدِّثي الكوفة؛ وليس فرقةً بالمعيار.

اندثار البترية والصالحية بدليلٍ إيجابي

وليس هذا استنتاجًا من سكوت المصادر، بل تُصرِّح به المصادر على اختلافها. ويُصرِّح به الشهرستاني في القرن السادس: «ومات أكثر الزيدية بعد ذلك عن القول بأنه المفضول، وطعنت في الصحابة طعن الإمامية»؛ ونشوانُ: «وليس باليمن من فرق الزيدية غير الجارودية، وهم بصنعاء وصعدة وما يليهما»؛ والحاكمُ الجشمي، وهو معتزليٌّ زيديٌّ في القرن الخامس، يجعل الجاروديةَ والأبتريةَ فرقًا «سابقةً على عصره» ويقول: «والزيدية يومنا هذا فرقتان: قاسمية ينتسبون إلى الإمام أبي محمد القاسم بن إبراهيم، وناصرية ينتسبون إلى الناصر للحق»؛ والمنصورُ بالله في فتواه التي افتُتح بها الفصل؛ ونجمُ الدين الغزي: «وآل أمر الزيدية آخرًا إلى أن قالوا لا تجوز إمامة المفضول وطعنوا في الصحابة طعن الإمامية».[17] وقد قرَّر الباحثون المحدثون النتيجةَ نفسها من جهة الاجتماع: ف(مادلونغ) يرى أن البتريةَ اندمجت في التيار السني الحديثي خلال القرن الثالث فغلبت الآراءُ الجارودية، و(دفتري): «ومع ذوبان الحديث الكوفي في السنة في القرن الثالث اختفى التقليد الزيدي البتري أيضًا؛ ومن ثَمَّ سادت آراءُ الجارودية في الإمامة في التشيع الزيدي»، و(أوميت) و(سُو) بمثله.[18]

الاعتراض الأقوى: بقاء «الصالحية» بالري وتوقُّف المتأخرين

ويُعترض على دعوى الاندثار بثلاثة شواهد يجب أن تُعرض بأقوى صورها. الأول قولُ ابن القيسراني المقدسي، ونقله السمعاني في مادة «الصالحي»: «وجماعةٌ من الزيدية يقال لهم الصالحية ينتحلون مذهب الحسن بن صالح بن حي، أحد أئمة الكوفة وزهادها … وفيهم كثرة. قال محمد بن طاهر المقدسي: قلت يومًا للمرتضى أبي الحسن المطهر بن علي العلوي بالري: الزيدية فرقتان: الصالحية والجارودية، أيهما خير؟ فقال: لا تقل أيهما خير، ولكن قل أيهما شر. قال: وكنت يومًا في مجلس يحيى بن الحسين الزيدي العلوي الصالحي … وكانا إمامَي الفريقين في وقتهما».[19] فها هنا، نحو سنة 500هـ بالري، صالحيةٌ «فيهم كثرة» ولهم إمام. والثاني أن المتأخرين من الزيدية، كما يحكي ابن المرتضى، خالفوا الفرقتين «حيث أثبتوا إمامة علي بالنص القطعي الخفي، فخطَّؤوا المشايخ بمخالفته، وتوقفوا في تفسيقهم واختلفوا في جواز الترضية عنهم»، وأن «معتمد جُلِّ الزيدية المتأخرين» صار التوقفَ، «ولم يُتابع منهم مقالةَ الجارودية إلا الإمام أحمد بن سليمان» كما يحكي يحيى بن الحسين في المستطاب؛ بل يقول صاحبُ «الاحتراس» إن الجارودية «لا يكونون زيدية إلا مجازًا».[20] والثالث ما حقَّقته (كرون) من أن اسم «الزيدي» كان في القرنين الثاني والثالث «يُطلق خصوصًا على البترية»، فالاسمُ التاريخي للبترية لا للجارودية.[21]

والجواب يُفرِّق بين مسألتين خلطهما أصحابُ المقالات وخلطها الاعتراض: مسألةِ المعدن، أي لمن الإمامة، ومسألةِ الصحابة، أي ما حكمُ المتقدِّمين على علي. فالاسمان «جارودية» و«صالحية» بقيا في كتب الزيدية المتأخرة علمَين على الموقف من الصحابة لا على المعدن؛ وهذا منصوصٌ عليه: يقول يحيى بن حمزة إن الصالحية «مخالفون للجارودية من جهة أن الجارودية لا يُحسنون الظن في أبي بكر وعمر، والصالحية يتولونهما ويقولون بإمامتهما»؛ ويقول المتوكل: «وكذلك قالت الصالحية أصحاب الحسن بن صالح بن حي ومن قال بقوله في الإمامة، إلا أنهم قالوا: إن أبا بكر وعمر غيرُ مخطئين»، أي أنهم في المعدن على قول أبي الجارود؛ ويقول حابس: «الزيدية فريقان جارودية وصالحية، فالجارودية … يُفسِّقون المشايخ، وأما الصالحية فمن أصحابنا من يروي عنهم تقديمَ علي على المشايخ إلا أنهم لا يُفسِّقون المشايخ»؛ وينسب الشهرستاني إلى الصالحية والبترية أنفسهم: «ومن شهر سيفه من أولاد الحسن والحسين وكان عالمًا زاهدًا شجاعًا فهو الإمام».[22] فصالحيةُ الري سنة 500هـ، وصلاحُ الأخفش الذي «تحوَّل من مذهب الجارودية إلى مذهب الصالحية» بصنعاء سنة 1142هـ، كلُّهم على الحصر في البطنين، وإنما يختلفون عن الجارودية في الترضية عن الشيخين.[23] وهذا بعينه ما يُثبته الاعتراض: أن المقولةَ البترية في المعدن ماتت فلم يبقَ لها قائلٌ واحد، وأن المقولةَ الجارودية في المعدن صارت مقولةَ الجميع، صالحيِّهم وجاروديِّهم ومتوقِّفهم؛ وأن الذي بقي من البترية عناصرٌ في فروع الحكم على الصحابة. والمقولةُ المركزية هي التي لا يكون المنتسبُ من الفرقة إذا خرج عنها؛ وقد كان الزيديُّ يبقى زيديًّا إذا ترضَّى عن الشيخين، ولا يبقى زيديًّا إذا أجاز الإمامةَ في غير البطنين، كما صرَّح يحيى بن حمزة في زيدية خراسان. وأما ملاحظة (كرون) فتتعلق باتساع الاسم في مرحلته المبكرة، وقد تقدَّم فصلُ هذه المسألة عن استقرار المقالة.

النتيجة

وتنتهي محاكمةُ الهوية إلى الحكم الذي بُني عليه الكتاب: أبو الجارود مؤسِّسُ الفرقة الزيدية بمقولتها المركزية. فالمقولةُ التي تُعرِّف بها الزيديةُ نفسَها، ويُعرِّفها بها خصومُها، ويبقى بها الزيديُّ زيديًّا ويخرج بالخروج عنها، هي حصرُ الإمامة بعد الحسنين في ولد الحسن والحسين بالدعوة؛ وهذه المقولةُ تجارَدت عليها مقالاتُ قسمائه حتى ماتت مقالاتُهم في المعدن وبقيت أسماؤهم أعلامًا على مسألةٍ أخرى. وأما زيد فأعطى الفرقةَ اسمَها وقدوتَها في القيام، وأعطاها شرطَ الانعقاد؛ وانتسابُ الزيدية إليه انتسابٌ تاريخي في الاسم والقدوة، لا انتسابٌ في المقولة التي تُميِّزها. ومن أسَّس المقولةَ أسَّس الفرقة.

الأعمى الذي أشعل النار ج3 2 الأعمى الذي أشعل النار (ج3)

الفصل الثامن: الإرث – حملة المقالة وانتقالها

في سنة 251هـ خرج بالكوفة الحسين بن محمد الطالبي، «وكان العلوي بسواد الكوفة في ثلاثمائة رجل من بني أسد وثلاثمائة رجل من الجارودية والزيدية وعامتهم صوافية».[24] وقبل ذلك بنصف قرن، ورد أن محمد بن جعفر الصادق كان «يخرج إلى الصلاة بمكة في سنةٍ بمائتي رجل من الجارودية، وعليهم ثياب الصوف، وسيماء الخير ظاهر».[25] فبعد موت أبي الجارود بنصف قرنٍ وقرن كانت «الجارودية» اسمًا لجماعةٍ مقاتلةٍ ظاهرة الهيئة تلتفُّ حول أئمةٍ طالبيين من البطنين. وهذا الفصل يتتبع الركنَ الخامس من أركان الأطروحة، الامتداد.

حملة المقالة

يُركَّز هنا على من نسبتهم المصادر إلى رؤوس الجارودية أو نصَّت على اتباعهم مذهب أبي الجارود؛ فهذه قرائنُ على حمل المقالة، وإن لم تُثبت وحدها التلقي المباشر عنه. أما مجردُ التشيع والرواية فلا يكفي لهذا الحكم.[26]

  • أبو خالد الواسطي: عدَّه النوبختي في رؤوس الفرقة، وجعله صاحب «مسائل الإمامة» من رؤساء الزيدية. وفي خبر الكشي وصفٌ لعمرو بن خالد بأنه «من رؤساء الزيدية» يروي عن أبي الجارود؛ فإن صحَّ تعيينه بالواسطي اجتمعت له قرينتا الانتماء والرواية المباشرة، وهو أقوى ما يُرجِّح حمله المقالة عنه.[27]
    • فضيل بن الزبير الرسان: عدَّه النوبختي وصاحب «مسائل الإمامة» في رؤوس الفرقة، ووصفه ابن النديم بأنه من متكلمي الزيدية. فاجتماع الرئاسة والكلام يُرجِّح دوره في تقرير المقالة ونشرها، دون أن يثبت بذلك وحده أنه تلقاها مباشرةً عن أبي الجارود.[28]
      • منصور بن أبي الأسود: عدَّه النوبختي وصاحب «مسائل الإمامة» في رؤوس الفرقة مع أبي الجارود. وهذه النسبة المذهبية، لا مجرد وصفه بالتشيع، هي قرينة إدراجه في حملة المقالة.[29]
        • حسن بن هذيل: نصَّ محمد بن منصور المرادي، فيما نقله «الجامع الكافي»، على أنه من رجال أحمد بن عيسى الذين كانوا «على مذهب أبي الجارود». وهذه شهادةٌ صريحة باتباع المذهب في طبقة لاحقة، فتُرجِّح إدراجه في حملة المقالة واستمرارها، لا في تلاميذ أبي الجارود المباشرين.[30]
  • وأما كثير بن عياش ومحمد بن بكر الأرحبي فتثبت لهما صلةٌ بنقل المرويات، ولا تكفي وحدها لإثبات حمل المقالة. وكذلك لا يُسوَّى بين وصف عباد بن يعقوب ويحيى بن الحسن بن الفرات بأنهما من وجوه الزيدية، أو رواية أحمد بن عيسى لحديث أبي الجارود، وبين النص الصريح على اتباع مذهبه؛ فتُذكر هذه الأسماء قرائنَ مساندةً، لا في مرتبة الأسماء المتقدمة.[31]

من المقالة إلى الجماعة

وفي القرن الثالث صار «مذهب أبي الجارود» علمًا يُعرَف به الرجل في رجال الأئمة، وصارت «الجارودية» اسمًا لجماعةٍ تُقاتل وتُعرَف بالصوف. ويذكر أبو الفرج الأصفهاني خروج محمد بن جعفر بن محمد إلى الصلاة بمكة «بمائتي رجلٍ من الجارودية». وفي سنة 219هـ خرج بالطالقان محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين، «وكان من أهل العلم والفقه والدين والزهد وحسن المذهب، وكان يذهب إلى القول بالعدل والتوحيد، ويرى رأي الزيدية الجارودية»، وكانت العامة تُلقِّبه «الصوفي لأنه كان يُدمن لبس الثياب من الصوف الأبيض»، وكان معه «جماعةٌ من وجوه الزيدية، منهم يحيى بن الحسن بن الفرات وعباد بن يعقوب الرواجني، فسمعوه يتكلم مع أحدهم بشيء من مذهب المعتزلة فتفرق الكوفيون جميعًا عنه»؛ ويذكر الطبري في حوادث سنة 251هـ بسواد الكوفة «ثلاثمائة رجلٍ من الجارودية والزيدية»، وفي رواية أخرى «الزيدية أصحاب الصوف».[32] فالجماعةُ التي تحمل الاسم لها هيئةٌ ظاهرة، وإمامٌ من البطنين، وموقفٌ من الكلام يخالف المعتزلة بعدُ؛ وهي الجماعةُ التي سمَّى أصحابُ المقالات منتظَريها من البطنين كليهما: النفس الزكية الحسني، ومحمد بن القاسم ويحيى بن عمر الحسينيَّين.[33]

الانتقال إلى الأئمة والدول

تبلورت مقالةُ أبي الجارود في تلاميذ وحملة، ثم حملتها جماعات، ثم صارت أساسًا عقديًّا لإمامة علويين قامت عليهم دول الزيدية في اليمن وطبرستان والديلم. وموطن الشاهد استمرارُ نظرية البطنين في الإمامة التي قامت عليها هذه الدول؛ أما رحلةُ انتقال المقالة إلى الديلم واليمن وتفصيلُ تلقي مؤسسي الدول لها، فستُفرد لها بحوثٌ مستقلة.

ففي اليمن يقول الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، مؤسِّس دولتها الزيدية: «فمن كان كذلك من ذرية السبطين الحسن والحسين فهو الإمام المفترضةُ طاعته».[34]

وفي مدرسة الجيل يقول المؤيد بالله الهاروني: «لم يختلفوا في أن الإمامة لا تخرج عن البطنين».[35]

تأريخ مصطلح «البطنين»

والمقالةُ أقدمُ من اسمها بقرنين. فلفظُ «البطنين» بمعنى ولد الحسن والحسين لا يظهر في أئمة الزيدية في القرن الثالث: لا عند القاسم ولا الهادي ولا أحمد بن عيسى ولا الحسن بن يحيى ولا محمد بن منصور، وصيغُهم «ولد فاطمة» و«ذرية السبطين» و«ولد الحسن والحسين». [36] ويستعمله المقدسيُّ في البدء والتاريخ نحو سنة 355هـ: «فكل من خرج من هذين البطنين شاهرًا سيفه عالمًا بالكتاب والسنة فهو الإمام»؛ وعبارةُ «هذين البطنين» هذه بعينها يُثبتها القاضي عبد الجبار في المغني ونشوانُ في الحور العين، ونشوانُ يُصرِّح بأنها «رواية أبي القاسم البلخي عن الزيدية»؛ ويُثبت نصُّ البلخي المتقدم في «المقالات» عبارةَ «هذين البطنين» نفسها؛ فتُنسب إلى كل مؤلف عبارته، ويُثبت لنشوان نقله المصرَّح به عن البلخي، دون افتراض أن سائر المؤلفين أخذوا عنه.[37] وأقدمُ زيديٍّ استعمله المؤيدُ بالله في أوائل القرن الخامس، ثم المنصورُ بالله في أوائل السابع: «اتباع القائم من أي البطنين قام»، ثم شاع عند أبناء بدر الدين وحميدان حتى صار متنًا مسجوعًا: «محصورةٌ في البطنين ومحظورةٌ على من عدا أولاد السبطين».[38] ويُنبَّه إلى استعمالَين آخرين للفظ لا صلةَ لهما بالمصطلح: «البطنين» عند الأشعري في خبر المنصورية بمعنى ولد موسى وولد هارون، و«ليجعلنَّ البطنين بطنًا واحدًا» في شعرٍ لابن المعتز بمعنى الطالبيين والعباسيين.[39] فالذي أحدثه أبو الجارود مقالةٌ بلا مصطلح، والذي أحدثه القرنُ الرابع مصطلحٌ للمقالة.

ما بقي وما تحوَّل

وإذا قيست مقالةُ أبي الجارود، كما وصفها أقدمُ شهودها، بمقالة الزيدية المستقرة في اليمن والجيل، ظهر أن أركانَها لم تنتقل على درجةٍ واحدة. فشرطُ النسب بقي كما هو، بل تشدَّد حتى صار «فاطمي الأب» شرطًا منصوصًا، وأُنكر على زيدية خراسان تجويزُهم «عباسي الأب فاطمي الأم».[40] والانعقادُ بالخروج والدعوة بقي أصلًا. وتساوي العلم والإلهامُ، وهو أضعفُ أركان مقالة أبي الجارود وأشدُّها غرابة، تحوَّل إلى شرط العلم المكتسب: «العلم الباهر والفضل الظاهر» شرطٌ في الداعي، ولم يبقَ أحدٌ يقول إن علمَ الصغير في المهد كعلم الكبير.[41] وتكفيرُ القاعد تحوَّل إلى نفي إمامته كما كان عند صاحب مسائل الإمامة. والنصُّ بالوصف بقي بصيغة «النص الخفي القطعي»، وعليه «المخترعة» الذين قال عز الدين إنه لم يبقَ من فرق الزيدية غيرهم.[42] وأما تكفيرُ الشيخين فتحوَّل عند جمهور المتأخرين إلى التخطئة والتوقف: فالمنصور يُثبت أن «أكثر ما نُقل وصحَّ عن السلف هو التوقف على تلفيقٍ واجتهاد»، و«معتمدُ جُلِّ الزيدية المتأخرين» التوقف، كما مرَّ في الفصل السابع.[43] فالذي بقي هو قلبُ المقالة، المعدنُ والقيام والنص على الصنف؛ والذي تحوَّل هو أطرافُها في العلم والصحابة. وهذا بعينه ما يقتضيه معيارُ الفرقة: المقولةُ المركزية تبقى، والجزئياتُ تتحول، والفرقةُ واحدة.

الخاتمة

سأل هذا البحثُ سؤالًا واحدًا وأجاب عنه بأركانٍ خمسة: من أسَّس الفرقةَ الزيدية بمقولتها المركزية؟ والجواب الذي انتهى إليه أن المؤسِّس الحقيقي هو أبو الجارود زياد بن المنذر الهمداني الخارفي، الأعمى الكوفي المتفق على تجريحه عند أهل الحديث، وأن زيدَ بن علي أعطى الفرقةَ اسمَها وقدوتَها في القيام ولم يُعطها مقولتَها.  وليست العبرةُ في تاريخ الفرق بمن ارتفع اسمُه على رايتها، بل بمن صاغ الأصلَ الذي انعقد عليه أمرُها. ومن هنا يعيد هذا البحثُ أبا الجارود إلى موضعه في نشأة المقالة، ويميّز بين ميراث زيدٍ في القيام وبين حصر الإمامة الذي استقرَّ عليه المذهب. فقد مضى الرجال وبقي الحدُّ، وتعاقبت الدول ولم يتبدّل شرطُ النسب. وتلك خلاصةُ الرحلة من الكوفة إلى عروش الإمامة: قولٌ أسسه فرد، ثم اعتقدته جماعات، ثم صار أساسَ سلطان. وبذلك يستبين الفرقُ بين الانتساب وحقيقة التأسيس؛ فلا يكفي اسمٌ جليلٌ لإثبات مقالةٍ لصاحبه، ولا يُغني رسوخُها في التاريخ عن إقامة البرهان عليها.


[1]حميدان، المجموع، ص٤٠١–٤٠٢، ناقلًا جوابَ المنصور بالله «في بعض أجوبته الموجودة بخطه»؛ ويُعاد النصُّ بعينه ص٢٩٦ بتصريح «يعني المنصور بالله». وقد سمَّى الهادي بن إبراهيم الوزير (ت822هـ) مصدرَه: «الكاشف للإشكال في الفرق بين التشيع والاعتزال»، ورواه بلفظ «ولا نعلم في الأئمة من ليس بجارودي»: نهاية التنويه في إزهاق التمويه، ص٥٩. وقد أوردها يحيى بن حمزة أيضًا فيما يحكيه صاحب «الاحتراس عن نار النبراس»، ص٤٣٨. (شهادةٌ من داخل الزيدية.)

[2] الزبيدي، تاج العروس، ٢٦: ٢٩٠.

[3] الشاطبي، الاعتصام، ٢: ٧١٢.

[4] البغدادي، نقلًا عن المباركفوري، تحفة الأحوذي، ٧: ٣٣٢.

[5] الشهرستاني، الملل والنحل، ١: ١٣.

[6] البغدادي، الفرق بين الفرق، ص ٥٥–٥٦.

[7] مداعس، الكاشف الأمين، ٢: ٥١٧.

[8] الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، المجموعة الفاخرة، ص٩٤.

[9] حميدان بن يحيى، المجموع، ص٤٢١–٤٢٢.

[10] ابن المرتضى، البحر الزخار، ١: ١٥.

[11] الآجري، الشريعة، ٥: ٢٥٥١–٢٥٥٢، من رواية عبد الصمد بن حسان عن سفيان الثوري. وهو نص منسوب إليه بإسناد يحتاج إلى حكم مستقل.

[12] حرب الكرماني، مسائل حرب، ٣: ١١٨٥، عن يوسف بن أسباط، و٣: ٩٨١؛ ابن قتيبة، المعارف، ص٦٢٣.

[13] العلوي، الجامع الكافي، القسم السادس، ص١٥٤–١٥٦. وفي سؤال محمد بن منصور أحمدَ بن عيسى عن الإمامة في غير ولد فاطمة: «نعم، إذا كان يدعو إلى الرضى»، ثم: «ولكنها دعوة جامعة». ويحتمل الكلام التمييز بين قيادة الدعوة والإمامة؛ فلا يُجزم بأن المراد بالرضى هنا إمامٌ فاطمي من غير دليل، ولا يُحمَّل النص نفيَ كل ترخيص لغير الفاطمي.

[14] الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص٦٦–٦٩ («والزيدية ست فرق»)؛ البغدادي، الفرق بين الفرق، ص٢٢ («الزيدية منهم ثلاث فرق»)؛ الشهرستاني، الملل، ١: ١٥٧؛ الخوارزمي، مفاتيح العلوم، ص٤٨–٤٩؛ الملطي، التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، ص٣٣–٣٤؛ المسعودي، التنبيه والإشراف، ص١٩٨؛ ابن النديم، الفهرست، ١: ٦٣٩، ٦٤١.

[15] ابن حزم، الفصل، ٤: ٧٧. وسياق ابن حزم نفيُ أن يكون الحسن بن حي على مذهب من نسب إليه القول بالإمامة في جميع ولد فهر، ومنه: «وجميع الزيدية لا يختلفون في أن الإمامة في جميع ولد علي بن أبي طالب من خرج منهم يدعو إلى الكتاب والسنة وجب سل السيف معه»؛ فالمذكور رجلٌ واحد (الحسن بن حي) لا المحدثون جمعًا.

[16] النوبختي، فرق الشيعة، ص٥٧؛ الكشي، اختيار معرفة الرجال، ٢: ٤٩٩، ٥٠٥، الخبران ٤٢٢ و٤٢٩؛ وقائمة «جماعة من الزيدية» عند ابن داود الحلي، الرجال، ص٢٩٠، وكلُّهم من رجال القرن الثاني إلا ابن عقدة الهمداني؛ أبو الفرج الأصبهاني، مقاتل الطالبيين، ص٣٩٢، ٤٠٧. (النوبختي والكشي وابن داود نصوصٌ من داخل الإمامية.)

[17] الشهرستاني، الملل، ١: ١٥٧؛ نشوان الحميري، الحور العين، ص١٥٦، ١٩٦؛ الحاكم الجشمي، شرح العيون، ١: ٢٢–٢٣ (مخطوط)، بواسطة عدنان زرزور، الحاكم الجشمي ومنهجه في التفسير، ص٨٤، ٩٠؛ حميدان، المجموع، ص٤٠٢؛ الغزي، حسن التنبه، ٩: ٤٢١. (نشوان والجشمي وحميدان شهاداتٌ من داخل البيئة الزيدية.)

[18] (Madelung), “Zaydiyya,” 477–481; (Daftary), A History of Shiʿi Islam, 148: “with the latter’s absorption into Sunnism in the 3rd/9th century, the Batri Zaydi tradition also disappeared. Henceforth, the views of the Jarudiyya on the imamate prevailed in Zaydi Shiʿism”; (Ümit), “Zeydiyye Mezhebi,” 95; (Su), The Shīʿī Past, 49.

[19] السمعاني، الأنساب، ٨: ٢٥٨ (مادة الصالحي؛ وفي طبعة دار الجنان ٣: ٥١١)؛ وأصله عند ابن القيسراني، الأنساب المتفقة، ص٨٨. (شهادةُ محدِّثَين من أهل السنة.) والحكاية «قلت يوما للمرتضى …» رواها السمعاني إجازةً عن ابن القيسراني، وجملتا «أحد أئمة الكوفة وزهادهم» و«وفيهم كثرة» للسمعاني (ت٥٦٢هـ) وحده؛ أما ابن القيسراني (ت٥٠٧هـ) فلا يزيد على «جماعة من الزيدية ينسبون إلى مذهب الحسن بن صالح بن حي»، ثم الحكاية بصيغة المتكلم (الأنساب المتفقة، ت. الحوت، ص٨٨).

[20] ابن المرتضى، البحر الزخار، ١: ١٥؛ يحيى بن الحسين، المستطاب (مخطوط)، بواسطة عزان، الصحابة عند الزيدية، ص٥٩؛ الاحتراس عن نار النبراس، ص٤٣٨. (شهاداتٌ من داخل الزيدية.) وعبارتا «معتمد جل الزيدية المتأخرين» و«ولم يتابع منهم مقالة الجارودية إلا الإمام أحمد بن سليمان» ثابتتان في كلام عزان (ص٥٩)، وليستا في البحر الزخار، ١: ١٥؛ وعبارة «لا يكونون زيدية إلا مجازا» لصاحب الاحتراس (ص٤٣٨).

[21] (Crone), cited in (Sánchez), Al-Jāḥiẓ’s Treatises, 153: “Until the emergence of the Imamīs in the fourth/tenth century, the term Zaydī seems to have been applied especially to the Butrīs.” والإحالة بواسطة (سانشيز).

[22] يحيى بن حمزة، الانتصار، ١: ٤٦٤؛ المتوكل، حقائق المعرفة، ص٤٩٩؛ حابس، الإيضاح في شرح المصباح، ص٢٦٤؛ الشهرستاني، الملل، ١: ١٦١. (شهاداتٌ من داخل الزيدية، والشهرستاني من خارجها.)

[23] كحالة، معجم المؤلفين، ٥: ٢١، عن الشوكاني، البدر الطالع، ١: ٢٩٦–٢٩٨: صلاح الأخفش (ت1142هـ) «كان على مذهب الجارودية من الزيدية فتحوَّل إلى مذهب الصالحية»؛ فالخلافُ في مسألة الصحابة بالتصريح.

[24] الطبري، تاريخ، ٩: ٣٢٨، حوادث سنة 251هـ؛ وفي ٩: ٣٢٩: «وقتل من الزيدية أصحاب الصوف سبعة عشر رجلًا». والخبر في هذا الموضع بلا إسنادٍ إلى شاهدٍ مسمَّى؛ وظيفته إثباتُ الاسم جماعةً في خبرٍ سياسي.

[25] أبو الفرج، مقاتل الطالبيين، ص٤٣٩.

[26] ومن أمثلة رواة الحديث الذين لا تكفي روايتهم لإثبات حمل المقالة: علي بن هاشم بن البريد ونصر بن مزاحم وعمرو بن أبي المقدام وإسماعيل بن أبان الوراق. وصف عيسى بن يونس بيت علي بن هاشم بالتشيع من غير اتهام بالكذب؛ ويروي إسماعيل عن أبي الجارود وعن فضيل بن الزبير. المزي، تهذيب الكمال، ٩: ٥١٧–٥١٨ (الرواة عن أبي الجارود)؛ ٢١: ١٦٣–١٦٧، رقم ٤١٤٧ (علي بن هاشم وقول عيسى بن يونس)؛ ٢١: ٥٥٣–٥٥٨، رقم ٤٣٣٣ (عمرو بن أبي المقدام). ونصر بن مزاحم: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٨: ٤٦٨، رقم ٢١٤٣؛ الذهبي، ميزان الاعتدال، ٤: ٢٥٣، رقم ٩٠٤٦. المزي، تهذيب الكمال، ٣: ٥–١٠، رقم ٤١١ (إسماعيل بن أبان الوراق، وفي شيوخه فضيل بن الزبير)؛ ٩: ٥١٧–٥١٨ (الرواة عن أبي الجارود)؛ النوبختي، فرق الشيعة، ص٥٤–٥٥، ٥٨ (رؤوس الفرقة).

[27] أبو خالد الواسطي: يُسمَّى عمرو بن خالد في كتب الرجال والكشي، ويزيد في نص النوبختي؛ وهو راوية «المجموع» المنسوب إلى زيد. جرحه نقاد الحديث، وهذا حكمٌ على الرواية لا يغني عن فحص شهادات الانتماء المذهبي. النوبختي، فرق الشيعة، ص٥٤–٥٥: «وأصحاب أبي خالد الواسطي واسمه يزيد»؛ الكشي، اختيار معرفة الرجال، ٢: ٤٩٨، الخبر ٤١٩؛ مسائل الإمامة، ص٤٢؛ المزي، تهذيب الكمال، ٢١: ٦٠٣–٦٠٧، رقم ٤٣٥٧. ويُلاحظ اختلاف اسمه بين «عمرو» عند أهل الحديث والكشي و«يزيد» عند النوبختي وسعد، وهو اختلافٌ لم يُحسم؛ والراجح «عمرو» لتظاهر أسانيد المجموع عليه. (النوبختي والكشي نصَّان من داخل الإمامية، ومسائل الإمامة من مصنِّفٍ معتزلي.) ويُميَّز عمرو بن خالد الأعشى الكوفي، المذكور في الرواة عن أبي الجارود، من أبي خالد الواسطي راوي نسخة زيد؛ فالمزي والذهبي يفرّقان بينهما، ولا يُثبت الاشتراك في الاسم اتحادهما: المزي، تهذيب الكمال، ٢١: ٦٠٣–٦٠٧، رقم ٤٣٥٧ وتمييز ٤٣٥٨؛ الذهبي، ميزان الاعتدال، ٣: ٢٥٦–٢٥٨، رقم ٦٣٥٨ و٦٣٥٩.

[28] فضيل بن الزبير الرسان: من أصحاب محمد بن علي، ويروي عن زيد وأبي عمر البزار، ومن طريقه خبر تسمية من قُتل مع الحسين. ومصدر وصفه بالكلام: ابن النديم، الفهرست، ١: ٦٤٠؛ ونسبته إلى رؤوس الفرقة: النوبختي، فرق الشيعة، ص٥٤–٥٥، ٥٨؛ مسائل الإمامة، ص٤٢.  العقيلي، الضعفاء الكبير، ١: ٢٠٨؛ البلاذري، أنساب الأشراف، ٣: ٤٠١، ٤١٥؛ الشجري، ترتيب الأمالي، ١: ٢٢٤، رقم ٨٠٧. ولم أقف له على ترجمةٍ مستقلة في كتب الرجال السنية التي قوبلت. (والشجري شهادةٌ من داخل الزيدية.)

[29] منصور بن أبي الأسود الليثي: راوٍ وصفه ابن معين بأنه من الشيعة الكبار وقال فيه: ليس به بأس. ولترجمته: المزي، تهذيب الكمال، ٢٨: ٥١٨–٥٢٠، رقم ٦١٨٩؛ وقال ابن حجر في التقريب: «صدوق رُمي بالتشيع». ولم يظهر له ذكرٌ في الطبري ولا مقاتل الطالبيين مرتبطًا بخروج زيد. ولعدّه في رؤوس الفرقة: النوبختي، فرق الشيعة، ص٥٤–٥٥، ٥٨؛ مسائل الإمامة، ص٤٢. وتعيين دور له في نشر المقالة استنباطٌ من هذه النسبة، لا خبرٌ مستقلٌّ عن نشاطه.

[30] حسن بن هذيل: من رجال أحمد بن عيسى المذكورين في شهادة محمد بن منصور المرادي؛ وحدود ترجمته هنا ما يثبته هذا النص، فلا يُفترض له لقاءٌ بأبي الجارود ولا تاريخٌ لم يُذكر فيه. الجامع الكافي في فقه الزيدية، القسم السادس، ص٤٨٧. (شهادةٌ من داخل الزيدية.) ولفظ «مختلفين» حاكمٌ؛ فلم يكن كلُّ رجال أحمد بن عيسى على مذهب أبي الجارود.

[31] كثير بن عياش القطان: راوية تفسير أبي الجارود عن الباقر؛ ذكر الطوسي ضعفه وخروجه مع أبي السرايا وإصابته بجراحة. الطوسي، الفهرست، ص١٣١–١٣٢، رقم ٣٠٣. (نصٌّ من داخل الإمامية.) محمد بن بكر الهمداني الأرحبي: تدور عليه أسانيد أمالي أحمد بن عيسى إلى أبي الجارود، وذكر ابن الغضائري اعتماد الإمامية مروياته عنه. أمالي أحمد بن عيسى، ١: ٢٦ (التعيين «الهمداني الأرحبي»)؛ ابن الغضائري، الرجال، ص٦١ (وفيه «الأرجني» تصحيف الأرحبي على الأرجح). (نصَّان من الزيدية والإمامية.) ومحمد بن بكر الهمداني الأرحبي غير محمد بن بكر البرساني البصري الوارد في قائمة الرواة عند المزي، تهذيب الكمال، ٩: ٥١٨؛ فلا يُدمجان. عباد بن يعقوب الرواجني ويحيى بن الحسن بن الفرات: وصفهما أبو الفرج بأنهما من وجوه الزيدية الذين كانوا مع محمد بن القاسم صاحب الطالقان؛ وأحمد بن عيسى بن زيد يروي حديث أبي الجارود بواسطة الأرحبي. أبو الفرج، مقاتل الطالبيين، ص٤٦٥؛ وأمالي أحمد بن عيسى في مواضع كثيرة بإسناد «أحمد بن عيسى عن محمد بن بكر عن أبي الجارود». (والأمالي نصٌّ من داخل الزيدية.) وقد لاحظ (تانريوردي) أن أسانيد أحمد بن عيسى تدور على أهل البيت، وعزاه إلى «الخط الجارودي الذي اعتنقه داخل التقليد الزيدي» مقابلَ محمد بن منصور الذي «اعتنق موقف البترية المعتدل»: (Tanrıverdi), “Ahmed b. Îsâ b. Zeyd,” 329, 337. وهذا تقديرُ باحث، ونصُّ الجامع الكافي يُثبت للمرادي الحصرَ في البطنين مع التسامح في مسألة الصحابة.

[32] أبو الفرج، مقاتل الطالبيين، ص٤٣٩، ٤٦٤–٤٦٥؛ الطبري، تاريخ، ٩: ٣٢٨–٣٢٩. ويُستفاد من تفرق الكوفيين عن محمد بن القاسم «لكلامه بمذهب المعتزلة» أن جارودية الكوفة في سنة 219هـ لم تكن قد اعتزلت؛ وهو ما يوافق قولَ (مادلونغ) إن اللاهوت الزيدي المبكر كان «ثابتًا وصريحًا في مناهضة الاعتزال»: (Madelung), in The Study of Shiʿi Islam, 455–456. ويصف المسعودي الجارودية بأن الإمامة عندهم «مقصورة في ولد الحسن والحسين دون غيرهما»: مروج الذهب، ٢: ١٨٣، نقلًا عن مقدمة محقق المسائل الجارودية للمفيد، ص١٣؛ ولم يُراجع الأصل. فأخبار الوقائع شاهدٌ على وجود الجماعة وامتدادها، ونصوص المقالات هي مستند نسبة الحصر إليها.

[33] الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص٦٧؛ البغدادي، الفرق بين الفرق، ص٢٣.

[34] الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، الأحكام، ١: ٤١–٤٢.

[35] المؤيد بالله الهاروني، التبصرة، ص٨٨. وهو شاهدٌ من أئمة الجيل، لا نصٌّ عن الناصر الأطروش؛ ولا تكفي الشواهد المذكورة لتوثيق قول كل مؤسس دولة زيدية على حدة.

[36] ولم أقف على لفظ «البطنين» في كتب أئمة القرن الثالث التي قوبلت: مجموع القاسم، والأحكام، والمجموعة الفاخرة، والجامع الكافي، والأمالي.

[37] المقدسي، البدء والتاريخ، ٥: ١٣٣؛ القاضي عبد الجبار، المغني، ٢٠/٢: ١٨٤، بواسطة (Weaver), The Shīʿa in Iraqi Heresiography, 182, table 10 — ولم يُفتح الأصل، فالإحالة بواسطة؛ نشوان الحميري، الحور العين، ص١٥٥–١٥٦. وانظر نص البلخي نفسه: المقالات، ص٨٦.

[38] المؤيد بالله، التبصرة، ص٨٨؛ المنصور بالله، العقد الثمين، ص٦٤؛ الحسين بن بدر الدين، العقد الثمين في معرفة رب العالمين، ص٢٠؛ حميدان، المجموع، ص٤٠١، ٤٢١. ويُلاحظ أن المنصور في شرح الرسالة الناصحة يقول «ولد أحد البطنين الطاهرين» بنقل حميدان والشرفي. (شهاداتٌ من داخل الزيدية.)

[39] الأشعري، المقالات، ص٢٥ (ريتر): «لئلا يكون بين البطنين اختلاف» في خبر المنصورية؛ أبو بكر الصولي، الأوراق: أشعار أولاد الخلفاء، ص١٠٩. والعبارة الثانية نثرٌ لا شعر: «كان يحلف لي بالله لئن ملك من هذا الأمر شيئاً ليجعلن البطنين بطناً واحداً» في خبر يرويه الصولي عن ابن البصري العلوي، ويبدأ شعره بعده.

[40] عز الدين، العناية التامة، ص٣٨؛ الحسين بن بدر الدين، شفاء الأوام، ٣: ٣٩٣: «متى كان الداعي فاطميَّ الأب». (شهادتان من داخل الزيدية.)

[41] الحسين بن بدر الدين، العقد الثمين، ص٢٠: «متى كان جامعًا لخصال الإمامة، من العلم الباهر والفضل الظاهر والشجاعة والسخاء»؛ وقارن المقالةَ الأولى في النوبختي، فرق الشيعة، ص٥٥–٥٦. (شهادةٌ من داخل الزيدية؛ والنوبختي من داخل الإمامية.)

[42] ابن المرتضى، البحر الزخار، ١: ١٥؛ عز الدين، المعراج، ١: ٢٧: «ولم يبق إلا المخترعة القائلون بإمامة علي بالنص الخفي». (شهادتان من داخل الزيدية.)

[43] حميدان، المجموع، ص٤٠٢؛ يحيى بن الحسين، المستطاب، بواسطة عزان، الصحابة عند الزيدية، ص٥٩. وقد أثبت (أوميت) أن أحمدَ بن سليمان وحده من الأئمة تبنَّى الموقفَ الجارودي من الصحابة: (Ümit), “Zeydiyye Mezhebi,” 111. (شهادتان من داخل الزيدية.) ونص المنصور بالله في الموضع: «وأكثر ما نقل وصحّ عن السلف هو ما قلنا [من التوقف] على تلفيق واجتهاد»، والمعقوف من زيادة المحقق؛ وعبارة «معتمد جل الزيدية المتأخرين» ثابتة في كلام عزان (ص٥٩).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى