أدب

صوتٌ مجنحٌ، وقبسٌ من الجمال الخالد!

الكتابةُ «إمتاعٌ» و«مؤانسةٌ»، وعلى قدر صنعة الكاتب فيهما، ولُطف قدرته على تشكيل حرفه من مادتهما = يحدث في نفس قارئه رغبةٌ واستعدادٌ وشغفٌ بالذي كتب. والإمتاع أليفٌ للجدِّ، يقع منه موقعًا قريبًا؛ هكذا كانا إلى أن نهج الناس نهجًا ذا أباطيل، ففرّقوا بينهما فرقةً بائنة، فكانت الكتابة الأكاديمية الفاترة، ساكنةً باردةً على الأغلب والأعمّ.. وهذه النُّهُج ذات الأباطيل أتت على كثير من الأفكار البديعة، فقضت عليها بقضاء الموت، ثم ضربت عليها بضرب النسيان؛ فهُجرت بعد حماسة، وإذا قلَّت الحماسة ضَعُف الطلب، ووُئدت الفكرة البِكر في صحراء الأكاديمية المنسيّة من ماء السماء!

وللكتب عتبات، وأول عتباتها أسماؤها؛ وربَّ اسمٍ لم يكد يقع منك موقعه حتى حفزك إلى أخذ الكتاب، ثم حرّضك على سلوك أوله فأوسطه، ثم ظللت تقلّبه في نفسك، وتستخرج خبأه، وتستنطق ما انطوى عليه، قبل أن تفضَّ خاتمةَ صُفَيحاته فرحًا جَذِلًا.

وما زالت تسمية الكتب فنًّا شائقًا قائمًا بذاته، وهو بعدُ عملٌ فيه رَهَقٌ؛ فإنك قد تأخذ في سبيلٍ تحسبه هيّنًا، فتتكاءدك الوُعور، وتتعاظم عليك العقبات، فتلزم نفسك العزيمة، وتغريها بلذة الظفر، إلى أن يضيء سراج فكرك بإلهام قُدسي، فتمشي بضوئه في أرضه حتى يهبط عليك بالذي كنت تبغي.. أو تميل عنه إلى ما هو ألين! فما تنتبه إلا وتراه قد دار بك في أقبح ما يتصوره الفكر من مستنقعٍ طينيٍّ نازلٍ زَلِق.

وهذا شأن الاسم؛ فالتأليف بسطُ المعنى، والتسمية قبضُه، وفارقٌ بين إطلاق عنان الكلام يجري في مَهامة الصُّحُف، وبين استصفاء روحه في كُليمة أو بعضها. وقد تولّج أدباءٌ كبارٌ هذه البابة، فعلموا خطرها والجهد الذي تنطوي عليه.. فقال المازني، الأديب الكبير:

«.. ومن هنا كان آخر ما أكتبه هو العنوان! وكثيرًا ما أستخير الله في الكتابة على نية معقودة ثم أعدل في بعض الطريق عنها وأتحول إلى سواها، ويجيء الكلام متناولا طرفًا من هذا وأطرافًا من ذاك، ويعجزنى أن أختزل مضمونه في عنوان فأدع المقال بلا رأس وأقدمه هكذا إلى الأستاذ أمين بك الرافعي فيضع هو — جزاه الله عنى خيرًا — ما يوافقه من العناوين!»[1]

ورآه عبد الفتاح كيليطو عتبةَ الكتاب ومفتاحَه الأول. وكذا فعل أمبرتو إيكو، فالتزم هذا المذهب وأغرى الناس به. وأخلصَ  جلالة سبك عنوان الكتاب في اقتدارِه على زلزلة نفس القارئ وقلقلة فكره؛ فالعنوان العبقري: أول ما يلقاك من الكتاب، وآخر ما يظفر به صانعه.

وممّن نهج هذه السبيلَ البديعةَ جمهرةٌ من علمائنا الأوائل، فأحسنوا وأمتعوا، وكذا فعل بعض المحدَثين، فأتوا (بمسمّياتٍ تفتح النفس وتُطرب الروح)!

وقد سرّحتُ الخاطر، وفتّشت عن الجامع بين أصحاب هذا المذهب الجميل، فهُديت إلى أنه حسٌّ شاعريٌّ قد ملأ عليهم أرضهم وسماءهم؛ فهذه سبيلٌ لا يهتدي إليها إلا مُشرق الروح، جميل النفس!

قال أبو عبد الرحمن:

وما زلتُ في عجبٍ متصل من توقد العاطفة، وحُسن الذَّواق، ورقة الشعور التي قادت نفس المؤلف إلى إدراك هذا العنوان المُعجِب الجميل: «صوت الأبد»! ولست أدري أكان، حين اهتدى إلى هاتين الكلمتين، قد استوفى في نفسه كلَّ ما استخرجتُه منهما بعد القراءة! -وحسبُ الاسم من الحسن أن يتسع لقارئه، وأن يفتح له من المعنى أبوابًا وراء ما قصد إليه صاحبه- وإنما الذي أعلمه أنني كلما نطقت بهما ازددت يقينًا أن الكتاب قد أصابه مسٌّ من جمال، وأن شيئًا من روحه قد نزل فيهما قبل أن ينبسط في فصوله.

وتفسيرُ ذلك أنَّ الصوت ابنُ الساعة = يخرج مع خروج النَّفَس، فيضطرب الهواء به، ويبلغ من الأسماع ما قُدِّر له أن يبلغ، ثم يطويه رداء الصمت كأن لم يكن. أما الأبد فمدٌّ لا يقع الخيال على آخرٍ له، ولا يستطيع أن يتوهّم حدَّ أرضه. فإذا اجتمعا في نسقٍ واحد أوجدا في النفس حلاوةً تشتهي عندها إدامة الوقوف، وإتباعَ النظرةِ النظرةَ: أيُّ صوتٍ هذا الذي أُريد له أن يتفلّت من قبضة النسيان؟ وأيُّ كلمةٍ تلك التي انثالت من فِي قائلها، ثم لم يستطع الزمن لها طيًّا؟

وفي هذا وتحته -فيما أزعم- مستكنُّ العنوان، ونصاعةُ بنيان الكتاب

قال أبو عبد الرحمن:

إذا أطلتَ الرَّوِيَّة، وأرهفتَ النظر في شأن القرآن، وجدتَ أن خلوده غير موقوفٍ على بقاء حروفه في الصُّحُف وحدها؛ فإن للبقاء وجوهًا أدقَّ وألطفَ = أعجبها عندي هذا السرُّ الذي يجعل الكلمة، بعد كل هذه الأزمنة المتطاولة، قادرةً على أن تجد لها في النفس أرضًا جديدة، وأن تغرس في قلب إنسانٍ لم يشهد التنزيل شيئًا من أثرها يشاكل ما غرسته في قلب الإنسان الأول الذي شهد بزوغ ضوئها وارتفاعه.

وقد فطن صاحب الكتاب إلى هذا المعنى، وأثبته في الصدر منه فأحسن كيفما شاء؛ فالصوت عنده يستدعي سامعًا، ويتطلب أثرًا، ويستدعي تلك المدة الخفية بين الكلمة والأذن، ثم بين الأذن وشغاف النفس. والأبد يمدُّ هذا الأثر خارج اللُّحَيْظة الأولى، حيث لا منتهى له.

تقرأ الأمة «اقرأ» وهي حاملةٌ تاريخها أجمع = تعرف الغار وجبريل -عليه السلام-، والنبيَّ -صلى الله عليه وسلم- الذي قَفَلَ ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة -رضي الله عنها-، فأخذت تبشّره وتؤنسه، وتعرف، فيما تعرف، ماذا صنعت تلك الكُليمات بعد ذلك في مكة والمدينة، ومن بعدهما العالم أجمع. نحمل إلى الآية أربعة عشر قرنًا من المعرفة المؤسَّسة والمفسِّرة؛ فأين نحن من قلبٍ سمعها وهي لا تزال بكرًا؛ لم يسبقها في نفسه تفسير، ولا شرح، ولا خطبة، ولا صوت مقرئ، ولا ذاكرة موطِّئة؟

ومن هذه الكُوَّة الدقيقة ينسرب «صوت الأبد»، ثم ينثال، ثم يأخذ في الجريان. وقد أعجبني -والمُعجِب كثير- انصرافُ همِّ الكاتب عن تَطَلُّب معنىً آخر يُزاد إلى ما حفلت به خزائن التفسير وعلوم القرآن من المعاني المتصلة بإيضاح المبتدأ الأول؛ فإن تلك الخزائن من السعة والجلال بحيث يضيق العمر دون عدِّها والوقوف عليها. وكان الذي استهواه وحبّبه إليه شيءٌ آخر، أذهبُ في مقصود الكتاب وتأليفه، وأراه من ألطف ما ضمَّه وانطوى عليه = وذلك أن يمد بصره إلى الإنسان، يتأمله ساعة مسَّت فؤاده تلك الكلمات الخوالد.

كيف كانت الآية قبل أن يألفها السامع؟
كيف وقعت في النفس قبل أن تصير محفوظة؟
كيف خرج الرجل من سماعها بغير القلب الذي دخل به؟
وأيُّ شيء تهدَّم فيه؟ وأيُّ شيء ارتفع؟

ومن هنا وجدتني، وأنا أقرأ، منفتلًا عن السؤال المألوف، منفضًا عنه: ماذا قالت الآية؟ شغوفًا مقبلًا على الآخر الذي أسَّس عليه المؤلف عُمُد كتابه: ماذا صنعت الآية؟

وهذه تفرقة جليلة، ذات أثر عظيم، يجب أن تبقى منها على ذُكرٍ وإنباه وأنت تأخذ في قراءة الكتاب؛ فالمعنى في «صوت الأبد» لا يطأ أرض الفكر ثم لا يعدوها؛ فثمة طريق يهديه إلى الفؤاد، ومن الفؤاد إلى الإرادة، ومن الإرادة إلى السلوك، ومن السلوك إلى صورة الإنسان كلها. ولذلك جعل المؤلف «التلقي الأول» رأسًا من رؤوس تجربته، وعاد إلى الدهشة التي تصاحب الأشياء قبل أن يغيّرها الإلف ويطوف عليها بطائفٍ منه، وإلى الإنسان الأول وتنزُّل الآي في ضوء أحداث يومه وما يعتلج في زمانه.

وهذا ينبوع الكتاب الذي تفجرت منه الفصول، وكان منه المتبدَّى.

***

صوتٌ مجنحٌ، وقبسٌ من الجمال الخالد 2 صوتٌ مجنحٌ، وقبسٌ من الجمال الخالد!

للإلف جواذبُ ونوازعُ ومسالكُ مُضِلَّة، وله سطوةٌ بعد ذلك خفيّةٌ على الأشياء؛ تحجبها عن العين بعد طول الوقوف عندها، وتُكثر دورانها على السمع حتى يَخْفُت فيه وقعها، وربما راكنَ المرءُ الجمالَ الدهرَ الطويل، ثم أمسى في عينيه رسمًا وطلولًا، كأن دوام القرب مِنوالٌ ينسج خيوط الحُجُب، والنعمة حين تأمن النفس زوالها تُودي ببعض بهائها، وتقذف بعضًا منه في خبءٍ لا يستخرجه إلا نظرُ عينين ظامئتين، لا تقرّان ولا تفتران!

والدهشة حياة، وحياة المرء بالدهشة. قيل لرجل من بني بكر بن وائل، قد كبر حتى ذهبت منه لذة المأكل والمشرب والنكاح: أتحب أن تموت؟ قال: لا. قيل له: فما بقي من لذتك في الدنيا؟ قال: أسمع بالعجائب! وأنشأ يقول:

وهُلْكُ الفتى أن لا يَراحَ إلى الندى
وأن لا يرى شيئًا عجيبًا فيعجبا

وهذا الحديث مِقْلادٌ من مقاليد «صوت الأبد»، وألطف أبوابه مسلكًا وسبيلًا. فنحن أبناء أُلفةٍ بالقرآن = استُطعمناه صغارًا، وجرى على الألسن قبل أن تتهيأ القلوب لوقع جلاله، وسمعنا آياته في المحاريب والمآتم والبيوت ومطالع الأيام وأدبارها، حتى غدت جملةٌ من ألفاظه من نسيج الذاكرة. وهذه نعمة جليلة من جهة، وفي الجوف منها محنة دقيقة، صورتها:

أن يسبق المحفوظُ إلى اللسان قبل أن يعمل عمله في الوجدان، وأن تعرف الآية حتى يوشك فرط المعرفة أن يضرب بينك وبين مكنونها بسور، فلا تهتدي إلى مطلوبها. وإن أشقَّ ما يتطلبه المرء من نفسه أن يتودد إليها ليستنقذ بعض الدهشة من قبضة الإلف المخيّم الطويل!

فالدهشة الأولى رزقٌ يرزقه الله عبده، قلّما تُعين عليه كثرةُ المحفوظ والمفهوم؛ لأنها مؤسسة على اللقيا الأولى، يوم يكون الشيء بكرًا لم تطمثه العادة، ولم تُثقله الشروح بثقل، ولم تستوفه في النفس كثرة الأمثولات. وقد اختطّ الكاتب سبيلَ هذا الملحظ الوعر الجميل، وأخذ يردّ القارئ، بلطف وتؤدة، إلى تلك المواطن البعيدة المورقة؛ إلى الحين الذي كان فيه القرآن خبرًا جديدًا في دنيا العالمين، ساعة كانت تطرق الآيةُ الآذانَ وليس بينها وبين القلب ألفُ سابقةٍ من تفسير وشرح وتاريخ.

تأمل، إن شئت، قول ربنا -عز وجل-: «اقرأ..»، ثم انزع عنها ما علق بنفسك منها منذ كنت طفلًا: صوت المعلّم، وصورة المصحف، وتفسير السورة، وخبر الغار الذي تعرف منه الخاتمة والمبتدأ.. ثم قل لي: ما الذي تبقّى؟

أحسب أن الذي بقي كلمةٌ نزلت على رجلٍ لم يكن ينظر من قبل في كتاب، في ليلٍ لم يكن العالم يرقب صباحًا يؤسّس لفجرٍ جديد في العالمين.

وهذا المدى المتطاول بين قراءتنا نحن وسماعهم هم، هو البابة التي يكثر الكتاب من الطرق -مُحسنًا- عليها، وفيها تطيب الصحبة وتلذ القراءة. فإن المتلقي الأول لم يكن القرآن عنده أثرًا موروثًا يقلّب نواظره فيه صبحًا وعشيًّا؛ إنما كان حدثًا يتنزّل في عُرض حياته، يوافي خوفه، ويتنزّل عند محنته، ويجيب سؤاله قبل أن يذهب صداه، ويفتح له أبوابًا من المعاني لم يكن لها في قلبه سَمِيٌّ ولا مثيل. لأجل هذا كان التلقي عنده أخذًا له حرارة وفيه حركة، فأضحت معيشته الثمرة العملية لتلك الصحبة المباشرة مع وحي السماء.

ومن طريف ما يهدي إليه هذا المعنى أن القرآن نفسه واحد، وأن آلات التلقي اثنتان وثلاث وأربع، إلى غير انتهاء!

وتفسيره أن الآية التي طرقتك مراتٍ ذوات عدد قد تنشق لك في ساعة من ساعات العمر عن معنى لم تألفه قط؛ وليس منشأ ذلك أن زِيد في الآي حرفٌ، إنما لأن شيئًا في النفس قد صفا، فتهيأت له وصلحت. ورب قارئ أتم السورة ولم يجاوز رسمها، ورب آية واحدة وقعت من آخر في شغاف نفسه، فسالت أوديةً من الفكر، وبعثرت أشياء، ثم أخذت في نظمها نظمًا جديدًا بعد أن حسبها قد استوت في مواضعها، ففرغ منها وفرغت منه.

فالعارف -كما يُعلِمك الكاتب والكتاب- على الحقيقة من زاده العلم قدرةً على أن يرى القديم جديدًا، ومن اهتدت يداه فأصابتا الخصيصة التي حجبتها العادة عن جمهرة الناظرين. وهذه الإصابة محوجةٌ إلى لطف النظر، لا يظفر بها إلا الصابر على التأمل، المستكشف مواطن الجمال ومنابته؛ فالعِلْق النفيس لا يُسلم نفسه للمُدلج غير المتأني، إنما يناله مُطيل الوقوف عنده، والطالب إثارة كوامنه.

وهذه خطة «صوت الأبد» إذ يُعملها في تفسير أخبار التلقي الأول؛ فيمد يده إلى عوالق المقررات فينفضها نفضَ الغبار عن الذهب، ويحاول بعث الحرارة في قلب القارئ، علَّه يجد مسَّ التنزيل الأول، ويصيبه شيءٌ من رَوْعه.

ثم يمضي في قصّ القصص، وذكر أخبار الآي، وتفسير حال الآي النازلة عليهم، ومضيت أنا في القراءة وتشقيق السؤال بعد السؤال، حتى قادني إلى أجودها:

صوتُ الأبد الذي قشع الظلام صوتٌ مجنحٌ، وقبسٌ من الجمال الخالد!

ماذا لو سمعنا بعض القرآن كما لو أننا لم نسمعه من ذي قبل؟

وقبل أن تهجم عليَّ، وتقلب لي صفحة وجهك -رضي الله عنك-، وتحسب أني من القوم الضالين الداعين إلى اتخاذ ميراث علماء هذه الأمة ظِهْرِيًّا، أستدرك قائلًا:

إنما الذي أبغيه أن نتخفف شيئًا قليلًا من وطأة الإلف، وأن نزيح عن القلب ما ران عليه من طبع العادة؛ حينها -أزعم- سيعود للكلمة شيءٌ من سلطانها الأول، فنقرأ الآية مستحضرين أجلَّ العلوم التي خطها المؤلفون في ضوئها، ثم ندع في النفس كُوَّةً بكرًا، علَّ الدهشة تجد طريقًا إليها، فتدخل منها، فتعمر بها القلوب.

وههنا كان عمل الكتاب وفضيلته؛ فقد مضت تلك السنون بناسها وأيامها، وطُويت تلك اللحظات في علم الله وفي الكتب، فبقي قدحُ زناد الحنين في القلوب = حنينًا إلى دنيا التلقي الأول، حيث سكون القلب والإنصات، والأسئلة وحرارتها، ومغالبة النفس في خلع الإرث القديم والدخول في نور الدين الجديد.

وهذه المعاني الجليلة هي التي يعود إليها أستاذنا حين يجعل القرآن كتابًا يتنزّل على فرد هذه الأمة كما تنزّل على صدرها؛ إذا هو أحسن التهيؤ له، ورفيقًا للأرواح في أتون المحن، تنال من نعيم معانيه على قدر حياتها، وتنفذ إلى أسراره على قدر التعشق والأشواق، والشوق بحسب الإدراك.

***


صوتٌ مجنحٌ، وقبسٌ من الجمال الخالد 4 صوتٌ مجنحٌ، وقبسٌ من الجمال الخالد!

..ثم يأخذ بك في نهجٍ جديد، تدخل على قلبك معه أريحيّةٌ وتغمره بابتهاج؛ فيقصُّ عليك من الأخبار ما يُصدِّق القولَ الذي طالعك به صدرُ الكلام. والفكرة إن هامت في فضاء النظر، ولم تجد أصلًا متينًا تهبط عليه، هِيض جناحُها، ثم قُضي عليها بقضاء الموت في نفس صاحبها قبل السامع والمتلقي!

فهذا الصوت الخالد ينزل على نفس أبي بكر -رضي الله عن أبي بكر وأرضاه- فتأخذ له وجهًا غير الذي عرفتَه من ذي قبل، ثم تنثال منه دمعةُ الفرح والخشية، فاعتقادٌ فعمل!

واعجبْ من دمعةٍ هي ضربٌ سامق من ضروب البيان! ثم اعجبْ من صدق التلقي إذ يبلغ من القوة مبلغًا ترهب منه قريشٌ على أبنائها ونسائها! ثم أتبع العجبين بعجبٍ ثالث، هو أذهبُها في المعنى = أن باعث رَهَب هؤلاء القوم وخشيتهم رجلٌ يقرأ قرآنًا، ثم يأخذه البكاء، ليس غير!

كأن القوم قد علموا أن هذا القرآن قد امتلأ بالرجل حتى لم يَعُد في القلب متّسعٌ، فانثلم له منفذٌ من العين، ثم سال أثره يجري إلى من حوله، يضيء الأزقة والبيوتات.


قال الله ربي -عز وجل-: «{إذ يقول} أي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لصاحبه} أي أبي بكر الصديق رضي الله عنه وثوقاً بربه غير منزعج من شيء {لا تحزن} والحزن: هم غليظ بتوجع يرق له القلب، حزنه وأحزنه بمعنى؛ وقال في القاموس: أو أحزنه: جعله حزيناً، وحزّنه: جعل فيه حزناً؛ ثم علل نهيه لصاحبه بقوله معبراً بالاسم الأعظم مستحضراً لجميع ما جمعه من الأسماء الحسنى والصفات العلى التي تخضع دونها صلاب الرقاب وتندك بعظمتها شوامخ الجبال الصلاب {إن الله} أي الذي له الأمر كله {معنا} أي بالعون والنصرة، وهو كاف لكل مهم، قوي على دفع ملم، فالذي تولى نصره بالحراسة في ذلك الزمان كان قادراً على أن يأمر الجنود التي أيده بها أن تهلك الكفار في كل موطن من غير أن يكون لكم في ذلك أمر أو يحصل لكم به أخر، وكما أنه كان موجوداً في ذلك الزمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى هو على ذلك في هذا الزمان وكل زمان، فتبين كالشمس أن النفع في ذلك إنما هو خاص بكم، وأنه سبحانه ما رتب هذا كله على هذا المنوال إلا لفوزكم، وفي هذه الآية من التنويه بمقدار الصديق وتقدمه وسابقته في الإسلام وعلو منصبه وفخامة أمره ما لا يعلمه إلا الذي أعطاه إياه؛ قال أبو حيان وغيره: قال العلماء: من أنكر صحبة أبي بكر رضي الله عنه كفر لإنكاره كلام الله، وليس ذلك لسائر الصحابة. ولما كان رضي الله عنه نافذ البصيرة في المعارف الإلهية، راسخ القدم في ذلك المقام لذلك لم يتلعثم من أول الأمر في عناد جميع العباد بخاع الأنداد، ثم تدرب فيه مترقياً لثلاث عشرة سنة، وكان الذي به من القلق إنما هو الخوف من أن يحصل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أذى فيدركه من الحزن لذلك ما يهلكه قبل سروره بظهور الدين وقمع المعتدين، ولم يكن جنباً ولا سوء ظن، لما كان ذلك كذلك كان رضي الله عنه حقيقاً لحصول السكينة له عند سماع اسم الشريف الأعظم الدال على ذلك المقام المذكر بتلك العظمة التي يتلاشى عندها كل عظيم، ويتصاغر في جنبها كل كبير، ولذلك ذكر هذا الاسم الأعظم وقدم، وأشرك الصديق في المعية وبدأ بالنهي عن الحزن لأنه المقصود بالذات ومابعده علة له»[2].

قال أبو عبد الرحمن:
طويتُ الفصل الذي بدأ بحديث أبي بكر، وقفلَ بخبر الطفيل بن عمرو، إذ يخالف هواه ويتبع الهدى: «وأكثرُ الصوابِ في خِلافِ الهوى»، وبينهما قلوبٌ قبسُها من النور على قدر وقع اللفظ في أفئدتها، ومبلغ سياحتها فيه = أقول: طويتُه، فانبعثت فيَّ نشوةٌ تشبه نشوة السائح في سير الرجال، ثم إلى خَبْءِ نفسه؛ فأيقن أن للقرآن نورًا لا يخبو، وللقلوب قبسًا منه كائنًا غير محتجبٍ بحُجُبٍ إلا من ذات النفس؛ فإن سار سير الأوائل ناله بعضا مما نالهم، وفاز بالذي فازوا، وربُّك الكريم الهادي.

وبعد انثيال سرد التجربة الإنسانية وتفكيكها، وعملها مع آي القرآن وعمله فيها = يمضي قلم الأستاذ يشقّق تلك التجاريب، ويضيء الكُليمات تارةً أخرى، يطلب ما وراءها = فيشرحها في ضوئها غير بعيد عنها؛ فالفكرة بنت التجربة، والأخيرة فعل الإنسان، والإنسان يأنس لتجربة مثله، فيقتدي أو يخالف.

خلاف التنوع الانتقال من عقلية الإقصاء إلى إدارة الخلاف 3 صوتٌ مجنحٌ، وقبسٌ من الجمال الخالد!

وقد انشغلت دهرًا في قراءة سيرة صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم سير من تلاهم، حتى انجمعت في صدري تفاريق ما بين المنهجين، أو إن أحببت فقل: السيرتين:

تجربة الإنسان في الصورة التي خلقه الله وجبله عليها؛ إذ يصيب ويخطئ، ويحب ويبغض، ويقوى ويضعُف، ويعطي كلَّ شيء القدرَ الذي هو حقيقٌ به = وتجربة الإنسان الذي يقرب أن يكون مَلَكًا لا يلحقه رهق، ولا يصيبه ضعف، ولا تقع له شهوة! فكان: «السوبرمان الذي يعبد ربَّه»!!

وهذا حديثٌ مؤرِّق طويل الذيل، مخوف الخطى، عسى أن أفضي به في مقالة تامة -إن شاء الله تعالى-.

أقول: في هذه التجاريب يبقى المال مالًا، وفي عروق العصبية القبلية حرارة، والدنيا ذاتها الدنيا؛ غير أن المنازل فيها تتبدل، وتنضبط الأشياء في حدِّها بعد أن مضت عنه متجاوزة؛ حتى إن هي استبدّت بالإنسان على ما تهوى، غالبها فردَّها إلى الحد، وما كان قد استصغره منها رفعه إلى حاقِّ منزلته. وما أحوج إنسان هذا العصر إلى أن يأخذ نفسه بالدُّربة على وزن الأشياء بميزانها، وأن يستردها من أوشاب عوائد أفسدت مقاديرها.

ثم يأخذ في تصوير القصص، وتثوير العبر، ووضع المنهج، على نحو يروقك قراءته والنظر فيه. ولست أبغي وقوفًا بك عند كل كلمةٍ ومعنى؛ فهذا عملك الذي أحب لك أن تعمله وترضاه من بعدُ -إن شاء ربي وربك-.

وقد كنت كلما فرغت من طائفة من صفحاته وجدتني كالذي انصرف عن مجلس وجد فيه رَوَاءَيْن: رَوَاء الفكر، ورَوَاء القلب. وفي الكتاب أناةٌ وهَدْأة، وصاحبٌ لا يدفعك إلى الفكرة دعًّا؛ فإذا استوقفه معنى وقف، وإذا تبدى له خاطر انعطف إليه، وأخذك بيده أخذَ الصاحب والرفيق، ثم تعودان وقد قبضت يده على فائدةٍ ونفيسة يهديها إليك.

وهذه الطمأنينة طمأنينة الأديب العربي الذي يصوغ لغته من ذات طبعه غير مستعيرٍ لها؛ فإذا هو نزل بباب التنظير اشتد عود عبارته، وعظم التحقيق والاستقصاء؛ حتى إذا لاح له خاطرٌ وتأمل، رقَّ الحرف وتنفس، وأصابت الكلامَ حرارةٌ في لغةٍ عالمة، تكسوها حروفٌ بليغة ذات جلال وجمال، منصرفةٌ عن الطريق ذات الأباطيل التي قصصتُ عليك خبرها في مطلع حرفنا هذا.

***

قال أبو عبد الرحمن:
الدلالةُ على الكُتُب والمِدْحةُ لها، ثم دعوةُ الناس إليها -اقتناءً وقراءةً- نوعٌ من العلم يستهين به كثيرٌ من الناس، ويخبط آخرون فيه خَبْطَ عشواء؛ فيرفعون ما حقُّه الوضعُ، مجاملةً وتسميعًا، ويضعون ما هو حقيقٌ بالإشارة إليه والسرور به، وكلُّ ذلك جهلٌ وظلم!

ويبقى قومٌ أصابوا من العلم حظًّا وافرًا، وأُوتوا من العدل والنَّصَفة قدرًا عظيمًا = يحجزهم عن القول بغير علم، ويعتقل نفوسهم عن ممارسة أخلاقٍ ذاتِ عِوَج؛ فهم أهل هذا العلم وذَوُوه -جعلنا الله وإياكم منهم، وأَلْحَدَ بنا عن طرائق أهل الدعوى والتعالُم-!

وبعدُ،

فهذه بابةٌ من العلم ذاتُ تكاليف، قلّما تجاسَرت نفسي على تقحُّمها، وافتراشِ القلم واللسان في شؤونها؛ غير أن هذا الكتاب أزَّني أزًّا، واستفزّني من موضعي للكتابة عنه، ودعوةِ من لهم اشتغالٌ بالقراءة، والناسِ من ورائهم، إلى اقتنائه؛ فإنه جَمُّ الفائدة، عظيمُ النفع، باذخُ البناء والسَّبْك.

وقد نقل العُدول لنا، بالأسانيد الصحيحة المشرقة، قولَ نبيّنا -صلى الله عليه وسلم-: «لا يؤمن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه». وقد أحببتُه وانتفعت به، وإني لأحبُّه لك للصفة التي ذكرتُها، وأبنتُ لك عنها. والله الموفِّق.


[1]«قبض الريح، ص١٤»

[2]«نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، ٨/٤٧٤»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى