أشتات

ما بعد العقلانية

لماذا لا يكفي التفاهم؟

بدأت أولى مراحل إعمال العقلانية بصيغتها المدركة والمنهجية مع الإغريق، ومن ثم المسلمين، لكن مع عصر الأنوار في أوروبا كانت الخطوة أكثر جدة؛ لذلك نجد فولتير وديدرو وآخرين يُعلون من العقلنة إلى الحد الذي ينكرون من خلاله الأديان، بينما نجد ديكارت، في مقولته: «أنا أفكر، إذًا أنا موجود»، يحدد العقلانية بشكل منهجي أكبر خارج اعتباطات الرومانسية أو الدغمائية؛ لذلك اعتبر إثبات وجود الله شرطًا لضمان صدق الإدراكات الواضحة والمتميزة. ليأتي من بعده كانط فيذهب بعيدًا، فيُسقط عن العقلانية قدرة الخوض في الماوراء، بينما جعل العقلانية العملية بحاجة إلى سند ماورائي.

هذه الإلماحات الموجزة جدًا هي محاولة لتمهيد القول عن حاجة العقلانية إلى مسلمات أو قواعد مرجعية ناظمة؛ لكي نستطيع القول بإمكانية العقلانية على توحيد أكبر قدر ممكن من الناس؛ لأن الإنسان بدون تلك المسلمات التي لا تحتاج إلى برهان أو تعليل سيكون أمام عقلنات تدفع نحو اختلافات لا حصر لها. وهذا الأمر حاضر على مستوى أكثر العلوم التجريبية، حيث نجد فيها مسلمات ناظمة لو لم يُبنَ عليها لما كانت التطورات العلمية التي نعرفها اليوم قائمة.

هذه المفارقة تتعقد إقامتها أكثر فيما يتعلق بالعلوم الإنسانية، وذلك نتيجة لأن الإنسان نفسه هو مركز الدراسة وموضوعها، وبالتالي نحن أمام استحالة الفصل بدرجة كافية ما بين الدارس وموضوع الدراسة. أيضًا نحن أمام مدروس يتعلم من الدراسات التي تدور حوله، وكذلك من مختلف تراكمات المعرفة المحيطة به، فيتغير بشكل مستمر، ويستحيل القول بثبات ما حول أنطولوجيته الفردية والاجتماعية.

ولذلك شهدت العقلانية في العلوم الإنسانية توترات دائمة، وهذا ما تنبه إليه المسلمون قديمًا، وذلك حين أخذوا العقلانية بصيغتها الدنيوية المحضة بالنقد أو التفنيد الذي يحاول الضبط؛ لذلك نجد محاولاتهم من التنوع والثراء بما يضاهي، ويسبق في مسائل عديدة، الكثير مما قيل في عصر الأنوار، ولكن ما ميز المسلمين هو طابع التشكيك في ممكنات العقلانية، لا محاولة الانتصار لها، وإن اختلفت طبيعة اشتغالاتهم. حتى المعتزلة كانوا في محاولات دائمة لضبط التعقل داخل سيرورة النص الإلهي، ومن هنا هم يتجاوزون هشاشة التعقل نحو إيجاد نواظم فوق فردية تحقق فيها درجة عالية من التوافق.

على صعيد الحديث عن الغرب، فإن العقلانية ما لبثت أن بدأت تتشظى بمجرد دخولها ميدان السوسيولوجيا، حيث نجدها قد أفضت لدى رواد المرحلة الكلاسيكية إلى ثلاثة مستويات تختلف العديد من تصوراتها واستشرافاتها. تلت تلك المرحلةَ دراساتٌ تُضعف من التعقل، وأهمها دراسة سيغموند فرويد في علم النفس، وأيضًا حربان عالميتان حصدتا ملايين الأرواح، وهو ما دفع بتيار جديد ممثلًا بمدرسة فرانكفورت، التي حمّلت العقل الأداتي وزر كل ذلك؛ لأنه سمة الرأسمالية وأداة إشعال الصراع وتحويل الإنسان من كائن أعلى إلى مجرد شيء أو رقم. لتأتي البنيوية فتعيد العقلانية إلى شبكة دنيوية ماورائية، بينما تعفي الفرد وتعفي العقل الفردي من مسؤولياته أمام مختلف ما يحدث.

هذا التمزق الذي تشكل داخل أفق العقلانية وحولها أدركه هابرماس، وحاول جاهدًا، وهو سليل مدرسة فرانكفورت وطريدها في الوقت نفسه، أن يعيد النظر في مكمن الأزمة التي أصابت العقلانية، وبالتالي أصابت الحداثة. ولذلك دافع عنها بوصفها مشروعًا لم يكتمل بعد؛ فهي حقبة لا تكمن إشكالاتها في ذاتها، وإنما في نمط من معقوليتها يتمثل في العقل الأداتي، عقل الأرقام والمنفعة. ولكن مع ذلك، وهذا مكمن تصورنا ونقدنا، لم يفطن هابرماس إلى أزمة العقلانية؛ لأنه في صميم مشروعه الدفاعي ظل يدور حول الإصلاح داخل العقلنة المجزأة، وبالتالي البقاء داخل ذلك التمزق.

ما بعد العقلانية ما بعد العقلانية

هابرماس ومشروع إنقاذ الحداثة:

يبدأ هابرماس مشروعه لإعادة الاعتبار إلى العقلانية بالتفريق بين العقل الأداتي وشروط ادعاء صلاحيته، التي تثير الريبة والنقد، وبين ضرورة الاهتمام بالعقل التواصلي بوصفه ترياق الخلل الذي أصاب منظومة التنوير والحداثة.

يبدأ هابرماس التأصيل للحل من مسلمات، على غرار اعتباره أن العقلانية في الأصل «محمولًا استعداديًا»¹، وكذلك توصيفه للناس بأنهم ينزعون نحو التفاهم؛ لذلك يقول إنه «لا يحق لنا أن نسمي إثباتًا ما عقلانيًا إلا متى استوفى المتكلم الشروط التي هي ضرورية من أجل بلوغ الهدف المتضمن في القول، ألا وهو التفاهم مع مشارك آخر في التواصل بشأن شيء ما في العالم»². لذلك يرى أن عقلانية أي تعبير ترجع إلى «أنها قابلة للنقد، وأنها تتحمل التعليل»³. وبالتالي فإن الأكثر معقولية يتشكل «بمقدار ما يمكن لادعاء الحقيقة… أن يكون معللًا على نحو أفضل»⁴.

فالعقلانية «توجد لها علل جيدة في كل مرة. وهذا يعني أن التعابير العقلانية متاحة أمام تقويم موضوعي»⁵، وبالتالي تستطيع العقلانية، بوصفها استعدادًا داخليًا، أن تساعد مختلف أطراف التواصل على تحقيق التفاهم، ولا سيما أن هناك بحثًا متعاونًا عن الحقيقة بين الأفراد. وعليه فإن الحجة الفضلى، وفق توصيفه، هي تلك التي قد تقطع مع كل الدوافع ما عدا البحث المتعاون عن الحقيقة.

إلى الآن، وفي هذا الاستعراض المخل لأهم الأسس التي بدأ بها هابرماس مشروعه، نجد أنه لم يستطع إيجاد مرجع جامع يستطيع أن يقيم عليه أوتاد العقلانية؛ فكل البداهات التي قدمها وبنى عليها مخاتلة، توهم بالوجاهة وتخفي هشاشة الأسس، وغالبًا تتشكل وجاهتها من مثاليتها، وكذلك من ارتهانها لمحكات أُسست داخل فلسفة العلم بغية اختبار العلوم، حيث نجد هابرماس وكأنه يتشبث بشيء من وجاهة الطرح الذي سبقه عند بوبر، وذلك بغية اصطناع حجج تجعل من الحجة المثالية مهمازًا للتعقل والأحقية، وهو بذلك لا يعمل أكثر من مجرد تعريف الماء بالماء.

كل ذلك لا يمنع من القول بعبقرية البناء الذي أقامه هابرماس، والذي يتسم بالمتانة واحتواء مختلف أشكال التفاصيل التي تطرأ على عملية التفاهم بين الناس، لكنه بناء يفتقر إلى أسس متينة، أو بشكل أدق جامعة، يتفق عليها مختلف المتواصلين؛ لكي تستطيع محاولاتهم التواصلية أن تنتهي إلى إمكانات للتفاهم خارج دائرة الفرض والإكراه.

ولو أن هابرماس حاجج مسلماته كما حاجج مختلف الأطروحات التي تناولها في كتابه «نظرية الفعل التواصلي» لكشف عن هشاشتها؛ فكيف تتشكل عقلانية الحجاج بالنسبة إلى مختلف أطراف التواصل؟ فاختلاف الثقافات والمعتقدات وطبائع ومحددات الوعي الجمعي لكل مجتمع ينتج عنه حالة… التكوثر العقلي، وفق طه عبد الرحمن…. وهذا الأمر فطن إليه هابرماس في حديثه عن الفينومينولوجيا، حيث يقول إنهم يرون الممارسة التواصلية «تستوثق من سياق العيش المشترك الذي يخصها ومن عالم الحياة المتقاسم بينها في شكل تذاوتي»⁶؛ لذلك فإن الفاعل، بالنظر إلى سياق معترف به شرعيًا، يبدي الادعاء بأن سلوكه صحيح.

إن العقلانية لا تحمل في داخلها المعيار الجامع، حتى مع كونها استعدادًا داخليًا أو ملكة، وبالتالي مختلف التحفيزات العقلانية لا ينبغي لها أن تنتهي إلى الوفاق من مختلف الأطراف؛ لأن تصنيف الحجج ما بين جيد وسيئ، ومثالي ورديء، أمور تحددها الثقافة التي تختلف وتتنوع. وهذا يدفع نحو إعادة السؤال حول مسلمات هابرماس: ما الإطار الجامع الذي يمكن أن يدفع الناس إلى التفاهم؟ ما السبيل نحو جعل مختلف الأطراف تتفق على الخير والشر والعدالة والقيمة الفضلى؟ وهذا التساؤل يتضافر مع اهتمام هابرماس وتحذيره من تحول الأخلاق والحقائق إلى النسبوية.

إن الحديث عن هشاشة الأسس هو حديث عن هشاشة العقلانية إذا ما قُدمت وكأنها جوهر قائم بذاته، مع أنها ليست ذات بُعد واحد ولا منطق واحد، وهذا ما استطاع الماركيز دي ساد، في روايته «جوستين»، أن يثبته؛ فالعقلنة قد تبرر الشر بحجج كثيرة، وكذلك تبرر الخير بحجج أخلاقية. نفسُها الحججُ الأخلاقية تحتاج إلى قاعدة مرجعية ناظمة؛ لذلك يرى كانط في كتابه «العقل العملي» أن الأخلاق تظل بحاجة إلى إله. وكذلك العقلانية، إن لم تكن مؤسسة على مرجعية جامعة تحدد مفاهيمها وحججها ومعاييرها، فإنها ستدفع بالتواصل نحو صراع عقلاني وخصام تفاقمه الحجج التي تتقاطع معاييرها، بحيث تظهر لكل طرف حججه بأنها عين العقل والتعقل.

الدين بوصفه قاعدة مرجعية جامعة:

تكمن أخطر الإشكالات المضمرة في الطرح الغربي بعمومه، وطرح هابرماس بشكل خاص، في كونها تنطلق من بداهات ومسلمات خاصة بالثقافة الغربية، وهذا يتشكل لأنهم في الأساس ينطلقون من إشكالاتهم، لا إشكالات الشعوب الأخرى. ولذلك نجد موقف هابرماس من حرب غزة مختلفًا تمامًا عن مثاليته التي لطالما اشتهر بها، وقُدِّم من خلالها من قِبل الكثير بوصفه أهم فلاسفة القرن العشرين، فضلًا عن كونه من أهم علماء الاجتماع.

الأمر الآخر، من بين أهم إشكالات هابرماس، هو الانطلاق من اعتبار الدين عائقًا ومستبعدًا، مع أنه يعرف أن مسار الرفض للدين كان مقترنًا بإدراك أهمية حضوره على مستوى الانتظام الاجتماعي؛ لذلك حاول أوجست كونت تشكيل دين جديد يوفق وينظم، ولكنه فشل. ولكن لماذا يمثل تجاهل الدين إشكالًا للطرح الهابرماسي؟

إن البحث عن إطار مرجعي جامع يحقق أعلى درجات التفاهم لن يكون بمنأى عن العودة إلى الدين؛ ففي كل دين إطار تفسيري جامع لمعتنقيه، وبالتالي فإن تأسيس عقلانية تواصلية انطلاقًا منه، بوصفه مرجعية جامعة، بإمكانه أن يقدم حلولًا أكثر ثباتًا ونجاعة. كذلك، فيما بين مختلف الثقافات، فإن الأديان الكبرى تحوي في صميمها نواظم جامعة لمختلف الثقافات، تستطيع إنقاذ العقلانية من تمزقاتها اللانهائية.

إن الاستشكالات التي قد تتبدى لمثل هذا التصور، من مثل الصراعات داخل الدين الواحد، رغم وجاهتها، إلا أنها لا تراعي أن الحديث عن نظرية في التواصل هو حديث مثالي في الأصل. والمثال لا يعيبه أن يظل معيارًا يُقتدى به ويُعمل عليه بغية الوصول إلى أعلى درجات المثالية الممكنة، لا الكمال والتحقق. وهذا أمر كان يدركه هابرماس. وعليه، فإن الاستعانة بالدين كمرجع جامع تحقق سلامة الطرح النظري لإمكانية التفاهم بين البشرية والمجتمعات والجماعات، ولا سيما أن الدين أو الأديان هي أكثر الأطر المعرفية القادرة على تحقيق اتفاق محتمل، بعكس باقي الأطر المعرفية المختلفة والمصطنعة التي أثبتت عقمها وعجزها. وحده الدين من يستطيع أن يجعل الإنسان خيّرًا ومحسنًا ورحمةً لأخيه الإنسان.

المراجع:

١- هابرماس، يورغن. «نظرية الفعل التواصلي»، المجلد الأول. ترجمة: فتحي المسكيني. المركز العربي للدراسات، ص ٩١-٩٢.

٢- هابرماس، يورغن. مصدر سابق، ص ٩٣-٩٤.

٣- هابرماس، يورغن. مصدر سابق، ص ٩١.

٤- هابرماس، يورغن. مصدر سابق، ص ٩١.

٥- هابرماس، يورغن. مصدر سابق، ص ١٠٩.

٦- هابرماس، يورغن. مصدر سابق، ص ٩٦.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى