آثار

أسطورة العشيرة المقدسة والحق الإلهي في السلطة.. كيف تسللت إلى عقول المسلمين؟ (ج8)

قراءة تحليلية نقدية

تمكنت أسطورة العشيرة المقدسة المغلفة بشعار (آل البيت) من التسلل إلى العقل المسلم عبر عددٍ من المداخل، فكانت ولا زالت أخطر الاختراقات للفكر الإسلامي وأشدها وطأة، وفي سياق التتبع والتحليل لشبكة الأفكار المنسوجة من خيوط أسطورة العشيرة المقدسة، يأتي هذا التناول للمسألة المهدوية، في ضوء دلائل كثيرة تشي بالعلاقة الوثيقة بين الفكرة الأم: فكرة العشيرة المقدسة صاحبة الحق الإلهي في السلطة (آل البيت)، والفكرة المتولدة عنها: فكرة المهدي المنتظر.

إن دراستنا المعمقة لأسطورة  العشيرة المقدسة الدخيلة على الإسلام، وما زُعم لها من امتيازات تحت الغطاء الديني، جعلنا ندرك أننا أمام فكرة مركزية تفرعت عنها عدد من الأفكار والمقولات، ومن ذلك  الفكرة المهدوية، وتلك نتيجة يمكن لأي باحث جاد ومتحرر من قيود التقليد الوصول إليها من خلال التتبع التاريخي لنشأة وتطور الفكرة المهدوية.

نحو فهم أعمق للفكرة والظاهرة المهدوية:

تعد المسألة المهدوية إحدى المسائل الإشكالية في الفكر الإسلامي، والذين تناولوها نفيًا واثباتًا من خلال النظر في أسانيد الروايات فقط غاب عنهم ارتباطها الوثيق بأسطورة العشيرة المقدسة (آل البيت)، مع ما لهذا الارتباط من أهمية بالغة في فهم المنتج الروائي، وفي فهم الفكرة والظاهرة المهدوية برمتها.

إن النظر الفاحص في المسألة المهدوية يكشف عن فكرة مثقلة بالحمولة الطبقية، ودعوى الاستعلاء العنصري والتميز السلالي والاصطفاء العرقي، وكذا استبطان دعوى الحق الإلهي في السلطة؛  ولذا لا غرابة إن  أسهمت الفكرة المهدوية – مع غيرها من الأفكار المنبثقة عن أسطورة العشيرة المقدسة والدائرة في فلكها- في خلق هالة أسطورية حول ما يسمى (آل البيت)؛ أي السلالة العلوية الفاطمية حسب التصوير الشيعي.

ويمكننا القول: إن الفكرة المهدوية كانت ولا زالت رافعة مهمة من روافع أسطورة العشيرة المقدسة (آل البيت)، ومنفذًا مهمًا – ضمن منافذ أخرى – تسللت عبرها الأسطورة إلى العقل الجمعي في الأمة الإسلامية.

حول مسألة الثبوت الروائي من عدمها:

لعله من المستحسن قبل الخوض في تفاصيل الصلة الوثيقة بين أسطورة العشيرة المقدسة صاحبة الحق الإلهي المزعوم في السلطة والحق الكهنوتي في تفسير الدين وتمثيله، وبين الفكرة المهدوية، أن نلفت الأنظار إلى أن المسألة المهدوية – على شهرتها – ليست مسألة مسلمة أو محل اتفاق كما قد يظن البعض، بل كتب في نقدها ونقضها عدد من العلماء المحققين قديمًا وحديثًا، نذكر منهم: العلامة المؤرخ ابن خلدون في (المقدمة)، والعلامة المحقق ابن بدران الحنبلي في (العقود الياقوتية)، والعلامة المجدد محمد الطاهر بن عاشور في (تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة النبوية)، والشيخ عبدالكريم الخطيب في (المهدي المنتظر ومن ينتظرونه)، والشيخ عبدالله بن زيد آل محمود في (لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر)، والعلامة محمد رشيد رضا  في (تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار)، والباحث الناقد أحمد أمين في (المهدي والمهدوية)، والشيخ عداب الحمش، في  (المهدي المنتظر في روايات أهل السنة والشيعة الإمامية.. دراسة حديثية نقدية) وقد التزم فيه المؤلف منهج قدامى المحدثين في نقد الروايات الواردة في شأن المهدي، فلم يصح منها رواية.

وحتى لدى الشيعة الإمامية الإثني عشرية الذين تعد مسألة المهدي المنتظر من أصول الدين عندهم، رأينا بعض علمائهم ينسفون المسألة المهدوية من أساسها، وينقضونها من جذورها، كما فعل آية الله سيد أبو الفضل بن الرضا البرقعي القمي في كتابه: (دراسة علمية لأحاديث المهدي.. نقد علمي مفصل لعقيدة المهدي المنتظر لدى الشيعة الإمامية)، والباحث المتمكن في التراث الشيعي أحمد الكاتب في كتابه: (الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري.. حقيقة تاريخية أم فرضية فلسفية؟)، ولم يقتصر الأمر على المواقف الفردية، بل رأينا  النفي والإنكار للمسألة المهدوية يعبر عن نفسه من خلال تيار ديني داخل التشيع الإمامي الإثني عشري، أعني التيار الصرخي الذي يقوده المرجع الشيعي المعاصر محمود الصرخي الحسني.

وهذه الإلماحة حول مسألة الثبوت من عدمها نقدمها بين يدي كلامنا في المسألة المهدوية ليعلم القارئ أن المسألة المهدوية ليست من المسلمات، وأنه قد كتب في نقضها ودحضها عدد من أهل العلم، مع التنبيه إلى أن وجهة حديثنا في هذا البحث لا تسير نحو فحص الروايات المهدوية وبيان عللها في ميزان النقد الحديثي، وإنما حديثنا هنا منصب على فحص وتتبع الظاهرة المهدوية في سياقها التاريخي والاجتماعي والسياسي، وعلى الأجندات المتوارية والأصابع الخفية خلف الفكرة، وإن وقع منا التعرض لبيان حال بعض الروايات فهو يأتي عَرَضًا للفت الأنظار نحو الملابسات التي تشكلت في ضوئها الروايات والتصورات  المهدوية.

إن دراسة الظاهرة المهدوية من أفقٍ واسعٍ يستوعب النشأة والارتباطات والتحولات والمآلات قد أتاح لنا الوقوف على العلاقة الوثيقة بين (الفكرة المهدوية) و(أسطورة العشيرة المقدسة) و(مزاعم الحق الإلهي في السلطة)، وبالتالي جعلنا ندرك مدى التشابك والتخادم بين هذه المقولات الثلاث، أو بين هذه الخلطة الثلاثية التي أنتجت الكثير من الفتن والشرور والمآسي عبر تاريخ أمتنا الطويل وإلى اليوم.

الحق الإلهي في السلطة للعشيرة عبر البوابة المهدوية:

إن إمعان النظر في السياق التاريخي الذي تشكلت فيه الفكرة والظاهرة المهدوية وفي ظروف وملابسات نشأتها لا يدع مجالاً للشك في أن المهدوية لم تكن فكرة بريئة، وإنما جاءت في سياق تأكيد وترسيخ مفهوم الاصطفاء العرقي والحق الإلهي المزعوم في السلطة للعشيرة المقدسة (آل البيت)، وهنالك روايات أفصحت عن هذا المقصد المهدوي بوضوح وعبرت عنه بإرجاع  الملك إلى أهل بيت النبوة[1].

لقد تم تحويل ادعاء الحق الإلهي في السلطة للعشيرة المقدسة (آل البيت) إلى أمل موعود يتحقق على يد أحد أبناء العشيرة، وذلك هو جوهر الفكرة المهدوية ومقصودها الأول، قبل أن تتشعب الغايات، وتتعدد المقاصد، وتتضخم شخصية المهدي بالأساطير الروائية.

إن القراءة التاريخية الفاحصة للفكرة المهدوية تسفر عن حقيقة قد تكون صادمة للبعض، وهي أن الفكرة المهدوية ولدت من رحم أسطورة العشيرة المقدسة، لتصبح بعد ذلك رافدًا مهمًا يغذي الأسطورة، ويسهم في تعزيز هالة القداسة التي نسجت حولها، من خلال ربط الناس بالمنقذ القادم من رحمها.

إن من يحاول الاقتراب من فهم شخصية المهدي كما تقدمها السردية الشيعية سيجد نفسه أمام شخصية مثقلة بالصفات والمهام والتصورات الأسطورية، ولكن إن رجعنا إلى شخصية المهدي في بدايات التشكل سنجد أمامنا  شخصية أقل تعقيدًا وأخف حمولة، شخصية تتلخص مهمتها في انتزاع الملك من الأمويين وجعله في الهاشميين، الأمر الذي جعل بعض أنصار الأمويين يوظفون شخصية السفياني في اتجاه معاكس وهو انتزاع الملك من الهاشميين ورده إلى الأمويين! وستكون لنا وقفة قادمة مع ذلك.

وقد التقط الشيعة أسطورة السفياني ووضعوا فيها روايات كثيرة ليرسموا سيناريوهات مستقبلية مثيرة للصراع بين المهدي الهاشمي والسفياني الأموي! جريًا منهم على منهجهم في اختزال الإسلام في صراع هاشمي أموي[2].

أسطورة العشيرة المقدسة والحق الإلهي في السلطة. كيف تسللت إلى عقول المسلمين؟ أسطورة العشيرة المقدسة والحق الإلهي في السلطة.. كيف تسللت إلى عقول المسلمين؟ (ج8)

شخصية انتقامية:

تضخمت الفكرة المهدوية لدى عامة الطوائف الشيعية وامتزجت شخصية المهدي بأساطير كثيرة، وتطورت المهام المنوطة بشخصه لتعبر عن أحقاد شعوبية عنصرية، وعن مشاعر الاغتراب عن الأمة والنقمة عليها لدى الطوائف الشيعية المختلفة، وتبعًا لذلك أصبحت شخصية المهدي – في السردية الشيعية – شخصية انتقامية  موغلة في الحقد والإجرام وسفك الدماء، ولن نذهب بعيدًا إذا قلنا أن شخصية المهدي قد استقرت على صفة الثأر والانتقام لتكون هي الصفة الأبرز فيها، ومرد ذلك إلى مكر الجماعات الباطنية الغنوصية التي لبست قناع التشيع وقدمت حقدها على أمة الإسلام في قالب الانتقام للعشيرة المقدسة (آل البيت) من الأمة، وفي هذا السياق استغلت الفكرة المهدوية لتعبر عن مكنون حقدها من خلال شخصية المهدي المنتقم.

إن التأمل في نشأة وتطور شخصية المهدي والتي كثيرًا ما يعبر عنها في الأدبيات الشيعية بقائم آل محمد، قد أتاح لنا الوقوف على تطور شخصيته من شخصية مهمتها استرداد الحق الإلهي في السلطة لعشيرته، إلى شخصية انتقامية ثأرية موغلة في الإجرام، وقد جاء هذا التطور في سياق التنفيس عن الضغائن والأحقاد الشيعية المتراكمة، لتصبح شخصية المهدي في نهاية المطاف – حسب السردية الشيعية – تجسيدًا موعودًا للرغبة العارمة في الثأر والانتقام من الأمة المسلمة ماضيًا وحاضرًا ومستقبلاً، ولهذا امتد الانتقام المهدوي إلى جيل الصحابة الكرام، لا سيما أولئك الصحابة الذين كان لهم دور بارز في وضع لبنات التأسيس الأولى للأمة المسلمة..

لقد تفتق العقل الشيطاني للجماعات الباطنية الغنوصية ولفلول المملكة الكسروية المجوسية عن حيلة دنيئة يمكنهم من خلالها التنفيس عن أحقادهم على الإسلام والمسلمين، فاخترعوا  أسطورة العشيرة المقدسة (آل البيت)، وجعلوا منها غطاءً لتمرير أحقادهم الدفينة، وفي هذا السياق اختلقوا عداءً وهميًا بين الأمة والعشيرة، وزعموا أن أمة الإسلام غمطت العشيرة المقدسة حقوقها، ووظفوا الفكرة المهدوية في ترسيخ ثقافة الحقد والكراهية والانتقام من خلال روايات وضعوها تتحدث عن دور المهدي في الانتقام من الأمة بصفته ابن العشيرة المقدسة الآخذ بثأرها!

وانتقام المهدي من الأمة لا يستثني أحدًا، بل يشمل الأحياء والأموات، ويعاقب الأحفاد بعد مئات أو آلاف السنين بجريرة مزعومة اقترفها أجدادهم!

والروايات التي حبكت لتأكيد البعد الانتقامي في شخصية المهدي كثيرة، ومنها رواية موضوعة زعموا فيها أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى الأئمة الاثني عشر ليلة الإسراء والمعراج والمهدي في وسطهم كأنه كوكب دُري فقال النبي: ((يا رب من هؤلاء؟ قال:  هؤلاء الأئمة، وهذا القائم الذي يحل حلال حلالي، ويحرم حرامي، وبه انتقم من أعدائي، وهو راحة لأوليائي، وهو الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين والجاحدين والكافرين، فيخرج اللات والعزى طريين فيحرقهما، فلفتنة الناس بهما يومئذٍ أشد من فتنة العجل والسامري)). [3]

قلت: مقصودهم باللات والعزى الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

وعن أبي عبد الله (جعفر الصادق): ((ما لمن خالفنا في دولتنا من نصيب، إن الله قد أحل لنا دمائهم عند قيام قائمنا، فاليوم محرم علينا وعليكم ذلك فلا يغرنك أحد، إذا قام قائمنا انتقم لله ولرسوله ولنا أجمعين))[4].

 وفي رواية أخرى منسوبة لجعفر الصادق: ((إذ تمنى أحدكم القائم فليتمنه في عافية، فإن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وآله رحمة، ويبعث القائم نقمة)) [5] .

 وعن الهروي قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: ((يا ابن رسول الله ما تقول في حديث روي عن الصادق: إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين عليه السلام بفعال آبائها؟ فقال عليه السلام: هو كذلك. فقلت: وقول الله عز وجل: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] ما معناه؟ قال: صدق الله في جميع أقواله، ولكن ذراري قتلة الحسين يرضون بفعال آبائهم، ويفتخرون بها، ومن رضي شيئًا كان كمن أتاه)).[6]

إن هذه الرواية التي تبيح للمهدي المنتظر قتل المسلمين باعتبارهم ذراري قتلة الحسين، تكشف عن بشاعة التوظيف الحاقد للفكرة المهدوية، وهو ما مارسته المليشيات الشيعية في العراق في تبريرها لقتل المسلمين، ففي تصريح لقيس الخزعلي زعيم مليشيا عصائب أهل الحق الشيعية قال: إن معركة الموصل ستكون انتقامًا وثأرًا من قتلة الحسين؛ لأن هؤلاء الأحفاد من أولئك الأجداد[7].

وبحسب الروايات الشيعية يأتي المهدي ليخير المسلمين بين اعتناق الديانة الشيعية أو القتل أو دفع الجزية! فعن ((أبي عبد الله عليه السلام إذا قام القائم عرضوا كل ناصب عليه،  فإن أقر بالإسلام وهي الولاية وإلا ضربت عنقه، أو أقر بالجزية فأداها كما يؤدي أهل الذمة)).[8]

سيرة جديدة مخالفة لسيرة النبي عليه الصلاة والسلام:

تؤكد الروايات الشيعية أن المهدي في مسيرته الانتقامية لا يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام ولا بعلي رضي الله عنه، بل يخالف طريقتهما، فعن ((أبي جعفر عليه السلام أنه سئل عن المهدي أيسير بسيرة محمد صلى الله عليه واله وسلم؟ فقال: هيهات هيهات يا زرارة،  ما يسير بسيرته! قلت:  جعلت فداك لمَ؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله سار في أمته باللين، كان يتألف الناس، والقائم عليه السلام يسير بالقتل، بذلك أمر في الكتاب الذي معه، أن يسير بالقتل ولا يستتيب أحدًا)) [9].

 ((وعن الحسن وعن الحسني ابن هارون قال كنت عند أبي عبد الله عليه السلام جالسًا، فسأله المعلق بن خنيس: أيسير القائم عليه السلام إذا سار بخلاف سيرة علي عليه السلام؟ فقال: نعم، وذاك أن عليًا سار بالمن والكف لأنه علم أن شيعته سيُظهر عليهم من بعده، وإن القائم إذا قام سار فيهم بالسيف والسبي؛ وذلك أنه يعلم أن شيعته لم يظهر عليهم من بعده أبدًا))[10].

وعن جعفر الصادق أنه قال: ((إن عليًا عليه السلام قال: كان لي أن أقتل المُولِّي [الهارب] وأجهز على الجريح، ولكن تركت ذلك للعاقبة من أصحابي إن جرحوا لم يقتلوا، والقائم له أن يقتل المُولِّي، ويجهز على الجريح))[11].

والمعنى أن عليًا رضي الله عنه لم يقتل الفار، ولم يجهز على الجريح، لأنه كان يخاف المعاملة بالمثل على أتباعه، وأما المهدي فهو يفعل ذلك؛ لأنه لا أحد يقدر أن يفعل ذلك بأتباعه!  

وعن أبي جعفر: أنه قال: ((يذبحهم [المهدي] والذي نفسي بيده كما يذبح القصّاب شاته، وأومأ بيده إلى حلقه))[12].

وعن ((أبي عبدالله عليه السلام: لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج لأحب أكثرهم ألا يروه؛ مما يقتل من الناس، حتى يقول كثير من الناس: ليس هذا من آل محمد، ولو كان من آل محمد لرحم))[13]

مهدي منتظر أم شر غائب ينتظر؟

الروايات التي تصف المهدي بالإسراف في القتل وارتكاب أعمال شنيعة، وجرائم فظيعة كثيرة، الأمر الذي يجعلنا نتساءل: هل تتحدث تلك الروايات عن مهدي منتظر؟ أم عن شر غائب ينتظر؟!

ومن تلك الأعمال التي تذكرها الروايات: قتل وإبادة العرب، هدم المسجد الحرام والمسجد النبوي، نبش قبر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وإخراجهما من قبريهما طريين وحرقهما، نبش قبر أم المؤمنين عائشة وإقامة الحد عليها!

فأما قتل وإبادة العرب فقد جاءت فيه روايات، منها:

عن أبي جعفر محمد بن علي ((يقوم [المهدي] بأمرٍ جديد، وسنة جديدة، وقضاء جديد، على العرب شديد، وليس شأنه إلا القتل، ولا يستتيب أحدًا، ولا تأخذه في الله لومة لائم))[14].

وعن جعفر الصادق: ((اذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلا السيف))[15].

وعنه: ((اتقي العرب، فان لهم خبر سوء! أما إنه لم يخرج مع القائم منهم واحد)) [16].

وعنه أيضًا: ((ما بقي بيننا وبين العرب إلا الذبح، وأومأ بيده إلى حلقه))[17].

وعن الباقر: ((والله لكأني أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس على كتاب جديد، على العرب شديد، وويل للعرب من شر قد اقترب))[18].

وعنه: ((ثلاثة عشر مدينة وطائفة يحارب القائم أهلها ويحاربونه: أهل مكة، وأهل المدينة، وأهل الشام، وبنو أمية، وأهل البصرة، وأهل ميسان، والأكراد، والأعراب، وضبة، وغنى،  وباهلة، وأزد، وأهل الري))[19]

وأما نبش قبر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وإحراقهما فقد جاءت فيه عدد من الروايات غير ما سبق، نذكر منها:

((عن أبي عبد الله عليه السلام: هل تدري أول ما يبدأ به القائم عليه السلام؟ قلت: لا. قال: يخرج هذين رطبين غضين فيحرقهما ويذريهما في الريح ويكسر المسجد)) [20].

وذكر المجلسي رواية جاء فيها أن المهدي ((يحدث حدثًا، فاذا هو فعل ذلك، قالت قريش: اخرجوا بنا الى هذا الطاغية، فوالله أن لو كان محمديًا ما فعل، ولو كان علويًا ما فعل، ولو كان فاطميًا ما فعل، فيمنحه الله أكتافهم فيقتل المقاتلة ويسبي الذرية))[21].

 قال المجلسي: ((ولعل المراد بإحداث الحدث إحراق الشيخين الملعونين؛ فلذا يسمونه عليه السلام بالطاغية))([22].

وأما إقامة الحد على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقد جاءت فيه روايات عند القوم منها هذه الرواية: ((… عن عبدالرحيم القصير، قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: لو قام قائمنا لردت إليه الحميراء حتى يجلدها الحد، وحتى ينتقم لابنة محمد فاطمة عليها السلام منها. قلت: جعلت فداك ولم يجلدها الحد؟ قال: لفريتها على أم إبراهيم صلى الله عليه. قلت: فكيف أخره الله للقائم عليه السلام؟ فقال له: إن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وآله رحمة، وبعث القائم نقمة))[23].

 قلت: قوله: لفريتها على أم إبراهيم مبني على رواية موضوعة زعموا فيها أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت للنبي عليه الصلاة والسلام: إن إبراهيم ليس ابنك وإنه ابن فلان القبطي.

أوراقُ الفتنة 2 أسطورة العشيرة المقدسة والحق الإلهي في السلطة.. كيف تسللت إلى عقول المسلمين؟ (ج8)

الانتقام من حجبة البيت العتيق:

ومن أعمال المهدي المنتظر قطع أيادي بني شيبة حجبة الكعبة المشرفة وتعليقها على الكعبة!!

وهذه المسألة تستحق الوقوف عندها، وكشف ما وراء الأكمة، حتى نعلم مقدار مكر التنظيمات السرية الباطنية المؤسسة للديانة الشيعية، ونعلم كيف وظفت الفكرة المهدوية في الانتقام من كل ما يمس أسطورة العشيرة المقدسة (آل البيت) وحقوقها المزعومة في الوصاية الدينية الكهنوتية، والوصاية السياسية الثيوقراطية التي يعبرون عنها بالإمامة..

عندما فتح النبي عليه الصلاة والسلام مكة أمر عثمان بن طلحة (حاجب الكعبة المشرفة) أن يأتيه بمفتاح الكعبة، فجاء به، ففتح باب الكعبة، ودخل النبي عليه الصلاة والسلام الكعبة المشرفة وطهرها من التماثيل والصور، ثم صلى ركعتين في جوف الكعبة، ويذكر أهل التفسير والسير أنه لما أخذ النبي عليه الصلاة والسلام مفاتيح الكعبة من عثمان بن طلحة أقبل عليه علي أو العباس – ولعل ذلك وقع من كليهما – وطلبا منه عليه الصلاة والسلام أن يسلمهما مفاتيح الكعبة لتكون حجابة البيت إليهما، فأنزل الله عز: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58]، فدفع النبي عليه الصلاة والسلام مفاتيح الكعبة إلى عثمان بن طلحة، وقال: خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة،، لا ينزعها منكم إلا ظالم))[24].

ورُوي أن عليًا قال: ((إن أعطينا النبوة والسقاية والحجابة ما قوم بأعظم نصيبًا منا، فكره النبي صلى الله عليه وسلم مقالته، ثم دعا عثمان بن طلحة فدفع المفتاح إليه))[25].

قال الإمام ابن القيم: ((وذكر سعيدُ بن المسيِّب أن العباس تطاولَ يومئذٍ لأخذ المفتاح في رجال من بنى هاشم، فردَّه رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى عثمان بن طلحة))[26].

فكانت مفاتيح الكعبة المشرفة بيد عثمان بن طلحة، فلما توفي صارت الحجابة إِلى ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، فبقيت الحجابةُ في عقبه من بني شيبة إِلى اليوم.

والمُلحظ الذي يجب التنبه له هنا أن تسليم النبي عليه الصلاة والسلام حجابة البيت لعثمان بن طلحة،  يهدم أسطورة العشيرة المقدسة صاحبة الكهنوت الديني والوصاية الإلهية، وهذا أمر ما كان ليتقبله حملة الموروث المجوسي الذين تدثروا بالتشيع؛ ذلك أن   دينهم يقوم على عشيرة كهنوتية مقدسة تتوارث الدين كابرًا عن كابر،  ولا يصح أن يقوم على الدين ورعاية طقوسه أحد من خارج تلك العشيرة، وهي عشيرة ماجي ((Magi والتي أخذت منها الديانة المجوسية اسمها؛ وليس يخفى على الباحثين في الأديان أن فكرة العشيرة المقدسة التي تقوم على الدين، وتحتكر فهمه ورعاية شؤونه هي فكرة مركزية في الديانة المجوسية، وقد أدخلها حملة الموروث الديني والثقافي المجوسي الفارسي إلى دائرة الفكر الإسلامي تحت مسمى (آل البيت).

وإذا فهمنا هذا السياق الفكري للمسألة أمكننا أن نفهم المعنى الكبير والمغزى البعيد في تسليم النبي عليه الصلاة والسلام حجابة البيت العتيق لعثمان بن طلحة، وجعلها في بني طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منهم إلا ظالم، وأن ذلك الفعل النبوي المسدد بالتوجيه الإلهي كان ضربة قاصمة لنظرية لعشيرة المقدسة (آل البيت)؛ إذ كيف يخرج أمر حجابة البيت العتيق وقبلة المسلمين عنهم وهم كهنة الدين ومُلاّك أسراره والأوصياء عليه حسب التصورات الباطنية الغنوصية المتقمصة رداء التشيع؟!

هذا المُلحظ المهم  لم أجد من تنبه له أو نبه عليه قبلاً من علماء الإسلام، والذي أنا على يقين منه أن كهنة أسطورة العشيرة المقدسة شعروا بالطعنة في قلب الأسطورة، فكان لابد للمهدي المنتظر [سليل العشيرة المقدسة] أن يقوم بدوره في الانتقام من بني شيبة الذين سرقوا حق عشيرته المقدسة (آل البيت) في حجابة الكعبة المشرفة، وهذه بعض الروايات التي تبين حنق وحقد كهنة الأسطورة:

عن الهروي قال:  ((قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام بأي شيء يبدأ القائم منكم إذا قام؟ قال: يبدأ ببني شيبة، فيقطع؛ أيديهم لأنهم سراق بيت الله عز وجل))[27].

و((عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام: إن القائم يقطع أيدي بني شيبة السراق ويعلقها على الكعبة))[28].

وعن: ((أبي عبد الله عليه السلام: إذا قام القائم هدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه، ويرد المقام إلى الموضع الذي كان فيه، وقطع أيدي بني شيبة وعلقها على باب الكعبة، وكتب عليها هؤلاء سراق الكعبة))[29].

وعن: ((أبي جعفر عليه السلام أنه  قال لرجل ان يقول لبني شيبة: كيف بكم لو قد قطعت أيديكم وأرجلكم وعلقت في الكعبة، ثم يقال لكم نادوا نحن سراق الكعبة! فلما ذهبت لأقوم قال: إنني لست أنا افعل ذلك وإنما يفعله رجل مني))[30].

وعن: ((أبي عبد الله عليه السلام: أول ما يبدأ [المهدي] ببني شيبة فيقطع أيديهم ويعلقها في الكعبة، وينادي مناديه هؤلاء سراق الله. ثم يتناول قريشًا فلا يأخذ منها إلا السيف، ولا يعطيها إلا السيف))[31].

وعن: ((جعفر بن محمد عليه السلام قال: أما إن قائمنا عليه السلام لو قد قام لأخذ بني شيبة، وقطع أيديهم، وطاف بهم، وقال: هؤلاء سراق الله))[32].

فكرة دائرة في فلك أسطورة العشيرة المقدسة:

من خلال ما سبق يتبين أن الفكرة المهدوية ولدت من رحم أسطورة العشيرة المقدسة صاحبة الحق الإلهي المزعوم في السلطة، وصاحبة الوصاية الكهنوتية على الدين، وفي هذا السياق وظفت الفكرة المهدوية في خدمة الهرطقات المتعلقة بالأسطورة.

 فإن قال  قائلٌ: إن المنظور السني لمسألة المهدي يختلف عن المنظور الشيعي، وإن كانت الفكرة المهدوية قد ولدت من رحم أسطورة العشيرة المقدسة (آل البيت) لدى الشيعة، وتم توظيفها في خدمة الهرطقات الشيعية المتعلقة بالأسطورة، فإن ذلك لا يُلزم أهل السنة بشيء، لأن لهم رؤية وتصورًا مختلفًا عن المهدي، فجوابنا: أن الفكرة المهدوية في كلا منظوريها الشيعي والسني لا تخرج عن كونها فكرة دائرة في فلك أسطورة العشيرة المقدسة، وخادمة لها، يستوي في ذلك المنظور الشيعي المُكثَّف،  والمنظور السني المُخفَّف، والخلاف بين المنظورين هو في درجة التوظيف للفكرة المهدوية في خدمة الأسطورة، وإذا كان  الشيعة قد وظفوا الفكرة المهدوية إلى أبعد مدى في خدمة أسطورة العشيرة المقدسة (آل البيت) وتأكيد اصطفائها العرقي، وحقها الإلهي في السلطة، واحتكارها الكهنوتي   للدين، وفي مآرب أخرى قميئة، فإن الفكر السني – على بقائه بعيدًا عن تلك اللوثات – لم يسلم من توظيف الفكرة المهدوية في خدمة أسطورة العشيرة المقدسة وإن كان بدرجة أخف وأهون بكثير مما فعله الشيعة؛ ذلك أن الفكرة المهدوية هي بطبيعتها فكرة قائمة على  الاصطفاء السلالي، وتعزيز هالة القداسة المصطنعة حول أسطورة العشيرة المقدسة (آل البيت).

ولقناعتنا الراسخة أنه لا يمكن فهم الفكرة المهدوية واستيعاب مراميها من غير إعمال النظر في منشئها وسيرورتها في منبتها ومجالها الأصلي، أعني المجال  الشيعي؛ سنتناول في الحلقة القادمة – بمشيئة الله تعالى – منشأ الفكرة المهدوية وسيرورتها التاريخية والاجتماعية والسياسية، بما يكشف عن ارتباطها العميق بأسطورة العشيرة المقدسة (آل البيت) ودورانها في فلكها ابتداءً وانتهاءً، وكيف انتقلت من الدوائر الشيعية إلى دائرة أهل السنة.

الهوامش:


[1] ينظر: ابن أبي زينب النعماني: الغيبة. دار الجوادين، ط1، 1432هـ/2011م، ص٢٧٧.

[2] ينظر: المجلسي: بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط3، 1403هـ/1983،: (52/316، 342 – 344، 388) ، ابن أبي زينب  النعماني: الغيبة. مرجع سابق، ص310 – 318.

[3] المجلسي: بحار الأنوار (52/379).

[4] المرجع السابق (52/381)

[5] نفس المرجع (52/379).

[6] نفس المرجع (52/313).

[7] https://aja.me/f2yn9

[8]  المجلسي: بحار الأنوار (52/373).

[9] المرجع السابق (52/353)،  الغيبة للنعماني: ص ٢٣٦- ٢٣٧.

[10] نفس المرجع السابق، ونفس رقم الجزء والصفحة. الغيبة للنعماني: ص٢٣٧- ٢٣٨

[11] نفس المرجع ، ونفس رقم الجزء والصفحة. الغيبة للنعماني: ص٢٣٧.

[12] المجلسي: بحار الأنوار (52/357).

[13] نفس المرجع (52/354). الغيبة للنعماني، ص٢٣٨

[14] المجلسي: بحار الأنوار (52/349). الغيبة للنعماني ،ص٢٣٨- ٢٣٩.

[15] المجلسي: بحار الأنوار (52/355). الغيبة للنعماني، ص٢٣٩- ٢٤٠.

[16] المجلسي: بحار الأنوار (52/334). الغيبة ا للنعماني،  ص٢١٧.

[17] الغيبة للنعماني،  ص٢٤١.

[18] المرجع السابق، ص٢١٧.

[19] المجلسي: بحار الأنوار (52/363)

[20] نفس المرجع (52/386).

[21] نفس المرجع (52/342).

[22] نفس المرجع (52/349).

[23] نفس المرجع (52/314 – 315).

[24]  أخرجه الطبراني في معجمه من حديث عبدالله بن عباس (11234) وابن سعد في طبقاته ( (2/137)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ((38/389)) وقد أورد الحافظ ابن حجر الحديث  في الفتح(8/18 – 19) الحديث من عدة طرق، بألفاظ متقاربة، وحسَّن منها رواية ابن اسحاق.

[25] الحافظ ابن حجر: فتح الباري (٨/18).

[26] الإمام ابن القيم:  زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 409).

[27] المجلسي: بحار الأنوار: (52/313 ).

[28] المرجع السابق (52/332).

[29] نفس المرجع (52/338).

[30] نفس المرجع (52/350)،  الغيبة للنعماني، ص ٢٤٢.

[31] المجلسي: بحار الأنوار (52/461).

[31] المرجع السابق (52/373).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى