فكر

خلف كواليس التأويل

إشكالات قراءة شحرور للقصص القرآني

1. المدخل الإبستمولوجي: بين أفق القراءة المعاصرة وإرث النص

يواجه العقل العربي المعاصر تحدياً إبستمولوجياً جسيماً عند مقاربة القصص القرآني؛ فهل نحن أمام سرديات تاريخية غايتها العظة والاعتبار فحسب، أم أمام “شفرات” معرفية وبنيوية محكمة لم تكن أدوات العصور السابقة قادرة على استجلائها بالكامل؟

   في هذا الفضاء الفكري، برز مشروع المهندس محمد شحرور كأحد أكثر المحاولات “تثويراً” للموروث التفسيري؛ إذ لم يسعَ لتكرار الأدوات التقليدية، بل حاول إعادة بناء “المنظومة المعرفية” للنص بالكامل، وإحداث مراجعة نقدية للأنساق اللسانية الموروثة متسلحاً بروح الحداثة وتساؤلاتها، وهو ما جعل مشروعه يخضع لجدل واسع بين القبول والرفض في الوسط الفكري.

2. القطيعة اللسانية: “الكتاب” ليس “الفرقان” ووداعاً للترادف

  الركيزة الأولى التي شيد عليها شحرور صرحه الفكري هي نفي “الترادف” في اللغة والقرآن، حيث يرى أن النص القرآني “بنية رياضية” دقيقة لا فضل فيه للفظ على آخر، فكل كلمة تشير إلى حقيقة عينية فريدة. وفي هذا النسق، يتوقف “الكتاب” عن كونه مرادفاً للقرآن؛ فـ “الكتاب” عنده هو “المجموعة الكلية” للمواضيع، بينما “الفرقان” هو منظومة القيم والميزان الذي يفصل بين الحق والباطل.

 إن منهج شحرور في نفي الترادف ليس مجرد خيار لغوي، بل هو تعسف يسعى من خلاله لفرض قطيعة معرفية مع الموروث، حيث يتحول النص في يده إلى مادة طيعة يعيد تشكيلها وفق هندسة لفظية خاصة تخرج الكلمات عن سياقاتها البيانية والتاريخية الأصيلة.

هذا الفصل الحاسم يعيد رسم خارطة الوحي؛ فإذا كان كل لفظ يؤدي وظيفة مستقلة، فإن التفسير التقليدي القائم على التقارب المعنوي يصبح في نظره “حشواً” لغوياً يجب تجاوزه، ورغم ما يمنحه هذا المنهج من اتساع ظاهري في التأويل، إلا أنه يواجه انتقادات حادة من اللغويين لرفضهم تجريد المفردات القرآنية من سياقاتها الأصلية.

3. تفكيك الوظيفة الوحيانية: لماذا فصل شحرور بين النبوة والرسالة؟

 أحدث شحرور تحولاً مفاهيمياً ملحوظاً في المعايير التشريعية حين فصل بين مفهومي “النبوة” و “الرسالة”، وهو تقسيم يراه النقاد تفصيلاً يمس وحدانية النص الوحياني ويؤدي إلى تفتيته.

وبحسب شحرور:

النبوة: هي الجانب المعرفي الذي يضم حقائق الوجود والكون والقصص القرآني، وهي حقائق ثابتة لكن استيعابها البشري يتطور تدريجياً بتطور العلوم والمعارف.

الرسالة: هي الجانب التشريعي والسلوكي العملي المتمثل في الأوامر والنواهي والأحكام التنظيمية.

هذا التقسيم يهدف إلى جعل “القصص” حقائق علمية موضوعية خاضعة للتطور المعرفي، مما يخرجها من حيز “الوعظ التاريخي المحض” إلى حيز “الاختبار المعرفي”. إلا أن هذا الفصل، من منظور نقدي، يؤدي إلى نزع صفة الاستقرار عن جزء معتبر من الخطاب القرآني، ويقود إلى ربط الدلالة الدينية بمتغيرات العلوم التجريبية بصورة تفقد النص مرجعيته المطلقة وتجعله رهيناً لنسبية المعرفة البشرية.

ينبوع الانحراف الأصولي المعاصر نظرةٌ في الواقع المعيش خلف كواليس التأويل

4. من “الفرد” إلى “المرحلة”: الصيرورة التاريخية والجدلية

 في القراءة الشحرورية، يخرج الأنبياء والرسل من إطارهم الشخصي الفردي ليتحولوا إلى رموز تمثل “الصيرورة التاريخية” لتطور الوعي الإنساني. فآدم عليه السلام، على سبيل المثال، لا يُقرأ مجرد فرد بشري عابر، بل يُنظر إليه بوصفه “مرحلة انتقالية” كبرى في مسار التطور البشري؛ من الوجود الغريزي المحض إلى مرتبة الوعي والمسؤولية والمعرفة الأخلاقية.

 وهذا الطرح يكشف عن الجذور الفلسفية العميقة لهذه القراءة، ويظهر بوضوح مدى تأثر صاحبها بمناهج الفلسفة التاريخية (كالمنطق الهيغلي والماركسي) في قراءة حركة التاريخ داخل النص.

 إن هذا الإسقاط الأيديولوجي، ومحاولة صهر قصص الأنبياء في قوالب فلسفية وضعية، يُعد عند النقاد “ليّاً لعنق النص” قسراً ليتوافق مع أطر تحليلية مستوردة غريبة عن البيئة اللسانية والوحيانية للقرآن.

5. “تبيئة النص”: حين يقود الواقعُ التنزيلَ الحكيم

  تتمثل الفكرة المركزية والأكثر إثارة للقلق عند نقاد شحرور في مبدأ تقديم “الواقع” على “النص” أو ما يُعرف بـ “تبيئة النص”.

 يرى شحرور أن العقل المعاصر، بما يحمله من منجزات علمية وفلسفية، يجب أن يشكل المرجعية الحاكمة لفهم القرآن، حتى لو استدعى الأمر تجاوز “إجماع المفسرين” أو القواعد اللغوية المستقرة عبر العصور.

 هذا المنهج، بطبيعته، يثير مخاوف حقيقية من “سيولة النص” وفقدان مرجعيته الموضوعية؛ فعندما يخضع الوحي لتقلبات النظريات العلمية المتسارعة، فإنه يتحول تدريجياً من موقع “المهيمن الموجه” إلى موقع “التابع الخاضع” لمقتضيات العصر، ليصبح مجرد صدى للموضات الفكرية السائدة وتتحلل الضوابط تحت دعوى القراءة العقلية.

الخاتمة: هل يحتمل النص “قراءات” لا نهائية؟

 يمثل مشروع محمد شحرور ذروة محاولات “جسر الفجوة” بين النص القديم والتطور المعرفي المعاصر، ورغم ما يملكه هذا المشروع من جاذبية في طرحه “الرياضي” واللساني، إلا أنه يظل يواجه تحدياً نقدياً يتمثل في مدى أمانته العلمية للسياق اللغوي الأصيل وتجنبه لـ “الإسقاطات الأيديولوجية” الخارجية.

 فهل نحن أمام “تحديث إبستمولوجي ضروري” ينقذ العقل المسلم من جمود التفسير التاريخي؟ أم أمام “إسقاط فكري غير علمي” يجرد النص من لغته وسياقه ليجعله تابعاً للفلسفات الغربية؟

ويبقى السؤال الفلسفي قائماً:

“هل يمكننا فعلاً تجريد النص القرآني من سياقه التاريخي واللغوي التقليدي لنعيد صياغته بعقل القرن الحادي والعشرين دون أن نفقد جوهره؟”

إنها المعركة المستمرة التي لا تنتهي بين طموح التأويل “المعاصر” الساعي للحياة، وصرامة المنهج العلمي “الناقد” المرتكز على الأصول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى